إخوان مصر وكيف صنعوا الصحوة

إخوان مصر وكيف صنعوا الصحوة

إخوان مصر وكيف صنعوا الصحوة


29/05/2024

نشأت الصحوة في أوائل السبعينيات؛ نتيجة خروج عدد من الإخوان إلى خارج مصر بقيادة سعيد رمضان، وهم الذين أثّروا تأثيراً كبيراً في عموم الإقليم، وهم أنفسهم الذين سيعيدون إنشاء التنظيم الدولي وينتقلون إلى أماكن أكثر بُعداً في أمريكا وأوروبا.

الهجرة إلى الصحوة

يقول الأستاذ فاضل سليمان في الحوار المتمدن: "بعد فشل الجهاز السري لجماعة الإخوان في اغتيال الرئيس المصري جمال عبد الناصر، هاجر العديد منهم إلى عدد من الدول، ومن ضمنها دول الخليج، وعملوا للسيطرة على قطاع التربية والتعليم لتحقيق (5) أهداف رئيسية؛ وهي: "الترويج لفكر الإخوان المسلمين، والترويج لمؤلفات مفكري الجماعة مثل سيد قطب ويوسف القرضاوي، ونشر مؤلفات الإخوان في المكتبات المدرسية والجامعية ووسط الطلاب والطالبات، وتوجيه التربية المجتمعية وفقاً لمنهج الإخوان، وأخيراً السيطرة على المنح والبعثات الدراسية ومحاولة اقتصارها على الجماعة".

وكما قال الباحث عبد الله الرشيد في دراسة له: "كان مرسوماً لأعضاء الجماعة الذين لجؤوا إلى السعودية السيطرة على (3) مجالات؛ وهي: "التعليم، والجمعيات الخيرية، والمؤسسات الإسلامية ذات الأدوار السياسية.

وعن التنظيم الدولي واستخدامه الأراضي السعودية يقول يوسف القرضاوي، وفق ما نقله الباحث عبد الله بن بجاد العتيبي: "التنظيم الدولي للإخوان المسلمين كان يعقد اجتماعات في مكة المكرمة والمدينة المنورة أثناء مواسم العمرة والحج".

سعيد رمضان

وتقول هدى الصالح: في موسم حج عام 1392، الموافق كانون الثاني (يناير) 1973، انتهز الهضيبي فرصة الحج فعقد أول اجتماع موسع لجماعته في مكة المكرمة، وكان هذا الاجتماع هو الأول من نوعه منذ 1954، وفيه نظم الهضيبي العمل الحركي في السعودية عبر (3) لجان: لجنة جدة، ولجنة الرياض، ولجنة الدمام، وفي دول الخليج: نظم العمل في (3) لجان كذلك: لجنة الكويت، ولجنة قطر، ولجنة الإمارات، لكنّ القدر لم يمهل الهضيبي طويلاً، فتوفي بعد أشهر من حجته تلك، ولكن بعد أن أطلق العنان لأعمال وبرامج ومشاريع "الصحوة".

وورد في وثيقة لاجتماع آخر بقيادة الهضيبي، باسم مسؤول الاتصال (أبو عبد الرحمن)، رسم سياسة العضوية وشؤون الدعوة والمسؤولين عنها في الخليج، ودور قيادات الخارج المؤسسين الذين فروا إلى خارج البلاد، وتشير الوثيقة إلى كيفية تمدد الجماعة، ومنها المكتبات ودور النشر، وحلقات التلاوة بالمساجد، وغيرها من الوسائل الأخرى، التي يعقبها فيما بعد ما يُسمّى (الربط)، وكان من الواضح من سياق الوثيقة أنّ الصبر والمثابرة والبناء الهادئ هو مرحلة من مراحل العمل الإخواني، إلا أنّها تتطور فيما بعد لتشمل التنسيق مع الجماعات الأخرى والعاملين في الحقل نفسه، وهو ما أكدته الورقات.

تمدد الصحوة

كانت خطة الإخوان التمدد في الأقطار العربية، خاصة داخل المملكة العربية السعودية، وتوحيد قنوات الاتصال بين الخارج والداخل، حتى لا تتعدد مصادر التلقي. يقول عبد الله بن بجاد: من أجل مراعاة الظروف الأمنية تم تعيين نقيب من مصر يقوم بمهمة الربط، خاصة بين الدارسين العرب والأجانب في مصر، وبين بلدانهم التي سيعودون إليها، ثم أخيراً تتولى الكنانة الإشراف والتوجيه المباشر في مجال التربية والمعلومات، وهذا كله الذي ورد يتواصل ويسير كما هو حتى الآن، وهو الذي أدى فيما بعد إلى قيام ترابط وثيق بين الأجزاء التي تؤلف كفاءات إخوانية، سواء من الجنود والمسؤولين، والاستفادة من الإمكانات المادية، لتعمل الجماعة وهي لديها أكثر من بديل، مع سهولة الاتصال وإحكام القنوات، وسيولة المعلومات، والربط الدائم.

يقول الكاتب خالد العضاض في موقع قناة (العربية): عند استلام عمر التلمساني زمام الجماعة في 1976، ومع توسع العمل، وجدت الجماعة أنّه من المناسب أن يتسلم "الإخوان السعوديون" القيادة من المكلفين سابقاً من قبل الهضيبي، بعد فترة من الفراغ القيادي الظاهري في الجماعة، والذي استمر (4) أعوام تقريباً، وكان هناك دور في هذه الفترة لرموز مثل القرضاوي، والشيخ محمد الغزالي، ومصطفي مشهور الذي انتقل إلى الكويت، ومحي الدين هلال، وعبد الرحمن أبو الخير، وغيرهم من الرموز الأخرى، ومن يدير الجماعة وقتها حلمي عبد المجيد أو "المرشد الخفي"، كما كان يطلق عليه، وقيل لجنة مكونة من (3) أشخاص، وهذا التطوير المستمر والتغيير لم يكن مقتصراً على السعودية فحسب، بل كان في كل بقعة من العالم للإخوان فيها موضع قدم. وكان هناك في هذه الفترة دور كبير، ولذلك نشأت (الصحوة الخاصة) وهي الخاصة بالسعودية، و(الصحوة العامة) وهي الصحوة التي تعني عودة نسبة من المسلمين في العالم أجمع إلى التدين وفقاً لمفاهيم واجتهادات شرعية معينة، أسهم الإخوان في صياغته، وصناعتها عبر مجموعة هائلة من الأدبيات والمناشط، وأسهمت في بلورتها كذلك مجموعة من الانشقاقات التنظيمية، بسبب الخلافات النظرية والحركية داخل الجماعة، إضافة إلى ما تقتضيه ضرورات ما شق من الجماعة أو انشق عنها قصداً لتولي مهام معينة، نفياً للتهمة عنها، وحفظاً لصورتها من أن تهتز أمام الدول والمجتمعات المحلية، ابتداء من جماعات التكفير والقتال، إلى حالات "الليبرو إسلاموية".

أصبح في هذه الحقبة للإخوان قادة حركيون منهم: سالم نجم، والدكتور محمد طلبة زايد بالكويت، ومناع القطان بالسعودية، والقرضاوي بقطر، وعز الدين إبراهيم بالإمارات، ومحمد المأمون، المشرف على الدعوة بعمان واليمن، وكان مصريون آخرون على رأسهم "عبد الرحمن عبد الخالق" المصري الأصل، ينشرون السلفية الحركية في الكويت وما جاورها.

يذكر علي عشماوي في كتابه التاريخ السرّي للإخوان موقفاً له مع زينب الغزالي يقول فيه: "تطرق الحديث إلى سؤال منّي عن علاقتها بالمملكة العربية السعودية فأجابت: إنّ العلاقة الجيدة مهمة جداً لأمن (الإخوان) الموجودين في المملكة العربية السعودية". ويضيف: "وقد حمّلتني الحاجة زينب الغزالي رسالة شخصية بهذا المعنى إلى الأستاذ سعيد رمضان، ورسالة أخرى إلى الشيخ عبد الرحمن أبو الخير، وقالت لي إنّه سكرتير الملك سعود، وأعطتني رقم هاتفه الخاص".

وينقل تحت عنوان "قيادات المهجر" سؤاله لمحيي هلال، أحد الإخوان الذين هاجروا إلى السعودية، قائلاً: "وبعد أن سمعت قصته سألته عن حال (الإخوان)، فأجاب: إنّ (الإخوان) في السعودية قد اختاروا مناع قطان مسؤولاً عنهم، و(الإخوان) في إمارات الخليج اختاروا الأخ عز الدين إبراهيم مسؤولاً، وأنّه أخذ خطاباً وذهب إلى الأستاذ سيد قطب، وقرأ الخطاب وأبدى إعجابه الشديد بالإخوة في السعودية، وقال: إنّ هذا دليل على أنّهم منظمون جداً، وأنّهم على كفاءة عالية من العمل.

وفي كتاب "الحركات الدينية في الخليج" لباقر النجار أنّ مأمون الهضيبي الذي أصبح مرشداً عاماً للجماعة جاء لاحقاً إلى السعودية بغرض الحج، ثم التحق بالعمل في قسم الحقوق العامة وقسم الحقوق الخاصة بوزارة الداخلية السعودية، ثم ذهب إلى مصر وعاد ثانية لعمله في السعودية، وبقي فيها حتى زار الأستاذ عمر التلمساني مرشد (الإخوان) في ذلك الوقت السعودية للحج في منتصف الثمانينيات.

يقول المنظّر الإخواني المعروف سعيد حوّى في مذكراته: أسهمت القدرة التعبوية للجماعات الإخوانية في الجامعات السعودية، وتحديداً جامعة الملك سعود، وجامعة الملك فهد (البترول والمعادن سابقاً) مساهمة ملحوظة في إطلاق قادة جدد للحركة، و"قال أحد المنظمين السابقين لحركة الإخوان المسلمين قسم البحرين: لقد تم تنظيمي عن طريق خلايا الحركة التي كانت منتشرة في حقبة السبعينيات في الجامعات السعودية، لقد كنا نخضع فيها لاختبار في قدرات التحمل، كأن يطلب منا الخروج في ليالي الرياض الباردة بملابس داخلية، إلا أننا كثيراً ما ندخل دورات فكرية مختلطة الجنسيات من عرب الشام ومصر من المقيمين في المملكة العربية السعودية، أو من أساتذة جامعاتها المحسوبين على حركة الإخوان المسلمين من العرب الوافدين وقلة قليلة من السعوديين".

وضمن محاولات كثيرة للإخوان في هذا المضمار، وثيقة التجديد التي كتبها الإخواني المصري عبد الحليم أبو شقة، بغرض طرح رؤية للتنسيق الفكري بين عناصر الإخوان، وهي خطوة كان المقصود منها بناء كيان شامل للتنسيق وتوحيد الجهود على الأرض، وبمعنى أدق احتواء كل الجهود، والتنسيق ثقافياً وفكرياً ودعوياً، وترقية التعاون بين الإخوان والجماعات التي أطلقوا عليها العاملة، والتعاون وتبادل التجارب، والتشاور النظري والعملي، والتعاون في مجالات العمل كافة، وأمّا الوسائل، فهي عقد اللقاءات العامة والمتخصصة لأغراض أو بين فئات معينة، وإقامة المؤتمرات تحت عنوان شؤون الإسلام وقضايا المسلمين، وتبادل الرسائل والزيارات وتكثيف الاتصالات، وهنا يتبين أنّ هناك فعاليات تعقد تحت عنوان هذا الغرض لكنّ المقصود منها التنسيق وإجراء الدراسات ونشر إصدارات الصحف والكتب والبيانات، وعقد الاتفاقات وتكوين النظم والمؤسسات والمشروعات، بين الحركات الإسلامية الشاملة،  الجماعات والمنظمات الإسلامية السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية، والمنظمات الإسلامية الفئوية المستقلة (طلاب، نساء، عمال، علماء... إلخ).

يقول أوليفييه روا: "لأنّ السعوديين لم يجدوا كوادر من الوهابية، ولأنّ المذهب الوهابي غالباً ما يلاقي معارضة شديدة في أوساط رجال السنّة التقليديين، فإنّهم لجؤوا إلى الشبكات السنّية التي يمولونها على أساس علاقات شخصية وأحياناً على أساس علاقات استحقاق أكثر منه على أساس استراتيجية مدروسة، وهكذا أصبحت المملكة العربية السعودية تمّول إمّا شبكات سلفية محافظة بالطبع لكنّها تناصب الغربيين العداء، وإمّا مجموعات إسلاموية أكثر راديكالية وتطالب لنفسها بالسلطة، لكنّها تبدو أكثر قدرة على صد النفوذ الإيراني".

ومن خلفية وثيقة التجديد والتمويل نجح الإخوان المصريون في أن يكون لهم تأثير حركي كبير على الصحويين السعوديين، الذين سعوا إلى السيطرة على مؤسسات التأثير في المجتمع السعودي، في مجالات الاستثمارات، والاستشارات الاقتصادية، والأسرية، والاجتماعية، ومجالات المحاماة، والمجالات البنكية، ومكاتب المحاسبة المالية، والنشاط الإعلامي، هذا إلى جانب السيطرة على الثقل الأكبر للصحوة، وهي القطاعات التعليمية، والخيرية، والإغاثية، والأوقاف.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية