أوروبا لا تنظر إلى الإسلام السياسي على أنّه بديل ديمقراطي

أوروبا لا تنظر إلى الإسلام السياسي على أنّه بديل ديمقراطي

مشاهدة

08/08/2021

ترجمة: علي نوار

بعض الكلمات كالرصاص، ومعاداة الإسلام إحداها؛ لذا تتم الاستعانة بالكناية بغية التملّص وتخفيف وقعها بكلمات أخرى بديلة، مثل العنصرية والتمييز، لكنّ الحقيقة هي أنّ العنصرية ليست سوى إحدى أسباب معاداة الإسلام، بينما ينتج التمييز عنها، بالتالي، ما تزال السياسة الأوروبية تغضّ الطرف عن معاداة الإسلام باعتبار أنّها مسألة غير ذات أولوية، إلّا أنّ الهجمات التي شهدتها السويد، و"الذئاب المنفردة" التي نفّذت اعتداءات لندن وباريس، عادت لتدقّ نواقيس الخطر، لا سيما حول الكراهية المتراكمة وفشل سياسات الإدماج الأوروبية.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي مِن نجاح التعبئة الجماهيرية إلى فشل الحكم

على الجانب الآخر، تسبّب ردّ الفعل الأوروبي تجاه الحراك المناهض للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في تقنين رفض الإسلام السياسي بحيث لم يعد خياراً سياسياً يحظى بأية مشروعية.

تسمية الأشياء بمسمّياتها الحقيقية

من الصعب تسمية الأشياء بمسمّياتها الحقيقية؛ لذا ينبغي أن يُطرح السؤال حول سبب التهرّب من هذا المصطلح، والواقع أنّ الأمر لا يقتصر على السياق السياسي أو اللغوي، بل يمتدّ أيضاً إلى المستوى المعرفي.

إنّ إنكار تصنيف النّفور من الإسلام كأحد أشكال العداء للأجانب لهو طريقة لعدم الاعتراف بتحوّل العنصرية الكلاسيكية ضدّ الإسلام، غير المقبولة حالياً في الإطار الفكري الأوروبي، إلى عنصرية ثقافية ومعرفية نحو الإسلام، وهو جوهر معاداة الإسلام الحالية؛ لأنّ سياسات الهوية الغربية تفرض قالب معرفياً مُعيّناً.

وقد أظهرت مطالبات السكّان الأصليين للولايات المتحدة وذوي الأصول الأفريقية حقيقة الوضع خلال حقبة الستينيات، حينما انهارت الفوارق الأسطورية والخيالية ومن بينها الدين، ويتكرّر الأمر اليوم في أوروبا بشكل أو بآخر، حيث توجد شريحة من المهاجرين الذين لم يعودوا كذلك، بعد أن أصبحوا أوروبيين، بيد أنّ الدين ما يزال يمثّل عاملاً تمييزياً؛ حيث تظلّ المسيحية "أحد الروافد الثقافية لأوروبا".

تفشّت ظاهرة العداء للإسلام في جميع أرجاء العالم، في أعقاب هجمات 11 سبتمبر وبدء ما عُرفت باسم "الحرب على الإرهاب"، وتغلغلت هذه الظاهرة في أوساط السياسة الأوروبية

ولفهم هذه الجزئية تكفي الإشارة إلى التصريح الذي أدلى به وزير داخلية فرنسا السابق، مانويل فالس، حين قال: "أشعر بالقلق حيال الرفض المتزايد للمهاجرين المسلمين"، ورُغم أنّ العبارة تبدو بريئة، إلّا أنّها تتجاهل حقيقة أنّ أغلب المسلمين الذين يعانون التمييز في القارة العجوز هم مواطنون أوروبيون.

وصحيح أنّ بعض المسلمين، أو والديهم أو أجدادهم، كانوا مهاجرين فيما مضى، لكنّ هذا الوضع ليس دائماً: فهم في أوروبا وسوف يظلّون بها، وهم أوروبيون مثل نظرائهم، حتى إن كانوا مسلمين.

وتقدّر الإحصاءات أعداد المسلمين في دول الاتحاد الأوروبي بـ 20 مليون شخصاً، ويرتفع هذا الرقم إلى 50 مليون مسلم في كافة دول أوروبا؛ لذا يمكن الاستنتاج بسهولة شديدة أنّ فالس أخطأ، ولو جزئياً، في تشخيصه لمرض النفور من المسلمين.

ويؤكّد فالس أنّ "العلمانية جزء لا يتجزّأ من الثقافة الفرنسية ومنح الجنسية أولوية بالنسبة لي"، لكن من جديد نسي فالس أنّ التمييز ضدّ المسلمين ليس منبعه قلّة حصول المهاجرين على الجنسية، بل العداء للإسلام الذي يغذّي هوية أوروبية إقصائية وانعزالية، ولم يستطع فالس نفسه تجنّب السقوط في فخّ ادّعاء أفضلية العلمانية الفرنسية، واستدلّ على ذلك بحظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة.

إنقاذ المرأة

وتظهر معاداة الإسلام واضحة بلا لبس في الخطاب الأبوي حول حقوق المرأة المسلمة التي تتحوّل إلى ملاذ لكلّ من يحاول تقديم نفسه على أنّه مناضل ضدّ "الظلامية الإسلاموية"، وهكذا يتمّ تصوير المسلمات الأوروبيات على أنّهن نساء غريبات ودوماً ضحايا، ويحتجن إلى الحماية، وهو ما عرّفه أستاذ علم الإنسان في جامعة بيركلي، رامون جروسفوجيل، بـأنّه"نظام أبوي مسيحي-غربي معولم".

 ويستخدم هذا الخطاب لتحقيق هدفين؛ الأول هو فرض نوع من الرقابة على العلاقات بحيث تظلّ في موقع التابع والخاضع لكيانات أكبر، مثل: الدولة، أو الطبقة الاجتماعية، أو الدين، أو العِرق.

تظهر معاداة الإسلام بلا لبس في الخطاب الأبوي حول حقوق المرأة المسلمة التي تتحوّل إلى ملاذ لكلّ من يحاول تقديم نفسه على أنّه مناضل ضدّ "الظلامية الإسلاموية"

والثاني مستوحى من مفاهيم استشراقية، على غرار تحرير المرأة المسلمة، بنزع النقاب أو الحجاب عنها كنوع من الحداثة.

وتظلّ المرأة المسلمة في موقف سلبي وضحية الوسط المحيط بها وضحية نفسها حتى، وغير قادرة على اتخاذ قراراتها، كما أنّها تعوّل على الآخرين سواء الأوروبي الأبيض أو الذكر المسلم.

الخوف من الإسلاموية

لا تنظر أوروبا إلى الإسلام السياسي على أنّه بديل ديمقراطي على الإطلاق، وعلى مرّ الأعوام أجبرت الأحداث في شرق وجنوب البحر المتوسط كلّاً من اليمين واليسار الأوروبي والمؤسّسات الأوروبية على إعادة تقييمها للإسلام السياسي، الذي كان خطراً مجهولاً قبل أن تتّضح خطورته وعدم القدرة على مواجهته.

وقد جرى العرف على اعتبار أنّ الإسلام والديمقراطية غير متجانسَين، وفي عام 2002، مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى سُدّة الحكم في تركيا، برز رجب طيب أردوغان إلى الساحة، ليظهر تصنيف "الإسلام السياسي المعتدل" غير واضح المعالم أو المضمون.

ورغم تخوّفات أوروبا مما تشهده شبه جزيرة الأناضول، وصعود الإسلام السياسي، اضطّرت القارة إلى التعايش مع الواقع الجديد، ومن المُتوقّع أن تزداد الأمور تعقيداً مع إطلاق اسم "مشكلة الهجرة" لتجنّب الإشارة إلى مشكلة أكبر تقف وراء الهجرة.

لقد تفشّت ظاهرة العداء للإسلام في جميع أرجاء العالم، في أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001،  وبدء ما عُرفت باسم "الحرب على الإرهاب"، وتغلغلت هذه الظاهرة في أوساط السياسة الأوروبية على مدار الأعوام الماضية، وأخذ بعض الساسة الأوروبيين في تحميل المسلمين وزر الركود الاقتصادي وارتفاع البطالة وتزايد الهجرة غير الشرعية والسخط الاجتماعي والإرهاب العالمي.

اقرأ أيضاً: إشكاليات لم تتجاوزها بعد جماعات الإسلام السياسي.. ما هي؟

ومع أنّ الشعور المعادي للمسلمين يتصاعد منذ فترة ليست بالقصيرة في أوروبا، إلّا أنّ توجّه عدة دول ومؤسّسات أوروبية لاستحداث تشريعات وقوانين تتضمّن قيوداً على المظاهر الإسلامية في الأماكن العامة أو أماكن العمل يمثّل نقطة تحوّل فاصلة من شأنها تقنين التمييز.

ويأتي ذلك في الوقت الذي تتزايد فيه الاعتداءات العنصرية ضدّ المسلمين في الغرب بشكل عام، وقد تم توثيق 15 ألف حالة اعتداء ناجمة عن معاداة الإسلام في أكبر خمس دول أوروبية على مدار الأعوام الخمسة المنصرمة.

الواقع أنّ أوروبا لم تتوانَ مطلقاً عن إنكار حقيقة أنّ المسلمين يشكّلون جزءاً منها.

 عجزت سياسة المُسكّنات، سواء منح الجنسية في فرنسا، أو إعادة صياغة منظور أوروبي جديد في بريطانيا، أو الإدماج المجتمعي في الدول الأسكندنافية، عن وقف تهميش فئات مجتمعية كاملة، مادياً وهوياتياً، فضلاً عن تجاهل أية بادرة ديمقراطية قد تنشأ في دول الجوار الإسلامية.

مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/3Cfd7ou

الصفحة الرئيسية