أردوغان والانقلاب على ماضي تركيا العلماني

أردوغان والانقلاب على ماضي تركيا العلماني

مشاهدة

26/02/2018

على مدى الأسابيع القليلة الماضية، قطع المسؤولون الأتراك مع عقود سالِفة ممّا يزال، على الأقلّ اسميّاً، جمهوريّة علمانيّة: لقد شرعوا في وصْف الانتشار العسكريّ للبلاد في سوريا بـ"الجهاد". وخلال اليومين الأوّلين من العمليّة، التي بدأت في 20 كانون الثاني (يناير) الماضي، وجّهت إدارة الشؤون الدينيّة في الحكومة كافّة مساجد تركيا، التي يصل عددها إلى نحو 90,000 مسجد، بإذاعة سورة الفتح عبر مكبّرات الصوت الموجودة في المآذن. ويُعدّ تعميم الجهاد، الّذي هو [بالتّعريف] عقاب عنفيّ يَطال أولئك الّذين "يسيئون إلى الإسلام"، خطوة حاسمة في لف غمد الشريعة على المجتمع. وللأسف، يبدو أنّ تركيا تتحرّك بأناة على هذا الطريق.

مكانة الشريعة في البلدان الإسلاميّة

في الغرب، غالباً ما ترتبط الشّريعة بالعقوبات البدنيّة مثل؛ عمليّات قطع الرؤوس الّتي يقوم بها المتطرّفون الإسلامويّون وأمثال تنظيم داعش. لكن في الواقع، هناك فقط عدد قليل من البلدان، مثل؛ إيران والسعوديّة، يطبّق الشريعة بهذا الشكل.

إنّ معظم الدّول الإسلاميّة تمتلك خليطاً من القوانين الديّنية والعلمانيّة، وهو خليط يشجّع أشكالاً أخرى، أقلّ تشدّداً، من الشّريعة. وفي هذه الحالات، تُلقَم الشريعة الإسلاميّة ضمن شبكة معقّدة من التدابير القانونيّة والسياسيّة والإداريّة. ومن خلال امتزاجها بسلطة الدّولة، تفرض ممارسات إسلاميّة على الجمهور، مثل الصّيام خلال شهر رمضان. وتقوم أيضاً بشيطنة أولئك الّذين لا يمارسون [الشعائر الدينيّة] ومعاقبة من يقوم بتصريحات أو أعمال تُعتبر مسيئة للإسلام.

وبالتّالي، فإنّ الشريعة الإسلاميّة، في ممارستها المنظورة على نطاق واسع، ليست عباءة سوداء أو بلطة سيّاف، ولكنّها على الأصحّ حجاب محكم يغطّي المجتمع بأسره. يختار العديد من المسلمين الأتقياء بشكل فرديّ الالتزامَ ببعض أو كلّ مبادئ الشريعة، الّتي توجّه تديّنهم. لكن، باعتبارها قوة سياسيّة، تستمدّ الشريعة سلطتها من ميكانيزمات الضّغط الحكوميّة والمجتمعيّة. ومن خلال تضافرها، تُجبر هذه الميكانيزمات المواطنين على التقيّد بالطّيف المحافِظ من الإسلام.

 

 

شرطة دينيّة في تركيا

لقد تمكّنت تركيا، الّتي تأسّست باعتبارها جمهوريّة علمانيّة على يد مصطفى كمال أتاتورك مع نهاية الحرب العالميّة الأولى، لفترة طويلة من إبعاد الشّريعة عن المجال الرسميّ، على نحو جعلها ناشِزاً بين البلدان ذات الأغلبيّة المسلمة. وبينما يظلّ النّظام الدستوريّ العلمانيّ موجوداً، فإنّ أبحاثي واستطلاعات الرّأي والتّطوّرات الأخيرة في تركيا تُبرهن مجتمعة على وجود تحول خطير.

في الأعوام الأخيرة، كانت الحكومة التي يتزعمها رجب طيب أردوغان تحدّ من الحريّات الفرديّة، وكذلك تُعاقب الأفراد الّذين "يهينون الإسلام" أو يستخفّون بالممارسات الإسلاميّة. ومنذ تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2017، تقوم الشرطة الوطنيّة -التي تسيطر عليها الحكومة المركزيّة- برصد التّعليقات المبثوثة على الإنترنت حول الدّين، وقمع حرّية التّعبير عندما يجدون تعليقاً "يسيء إلى الإسلام".

وفيما هو أبعد من المشهد الظّاهر، أصبح اعتياديّاً أن تقوم الشّرطة بالقبض على أولئك الّذين يتكلّمون بشكل نقديّ وعلنيّ عن الإسلام. على سبيل المثال، تمّت محاكمة عازف البيانو التركيّ الشهير، فاضل ساي، مرّتين بسبب "تعليقات استفزازيّة" أدلى بها حول الإسلام. كان جُرمه: المزاح بشكل ظريف حول الأذان عبر تويتر.

وتقوم شبكة التلفزيون التركيّة التي تُسيطر عليها الدّولة، تي آر تي، بالتّشهير بأولئك الّذين لا يشاركون في الممارسات الإسلاميّة. وفي حزيران (يونيو) العام 2016، استضافَت الشبكة الّلاهوتيّ مصطفى عسكر، الّذي قال، خلال برنامج على الهواء مباشرة، إنّ "أولئك الّذين لا يُصلّون كما أمر الإسلام هم كما الأنعام".

أسلمة التّعليم وتعظيم دور المؤسّسة الدينيّة

ويُعتبر التّعليم ركناً أساسيّاً في جهود أردوغان التي تبتغي مدّ غشاء الشّريعة على البلاد. يخضع نظام التّعليم في تركيا، شأنه شأن الشرطة، لسيطرة الحكومة المركزيّة، كما أنّ وزارة التّربية والتّعليم تمارس ضغوطاً على المواطنين للتّماشي مع الممارسات الإسلاميّة المحافِظة في المدارس العامّة.

وتقوم الحكومة رسميّاً بإدخال الممارسات الدينيّة في نظام التّعليم العام من خلال مطالبة جميع المدارس المنشأة حديثاً في تركيا بتوفير غرف للصّلاة الإسلاميّة. وفي الآونة الأخيرة، على سبيل المثال، طالب مسؤول التّعليم المحليّ في اسطنبول من المعلمين أن يقوموا بجلب التّلاميذ لحضور الصّلوات الصّباحيّة في المساجد المحليّة.

وليس هناك ما هو أكثر تعبيراً فيما يتعلّق بجهود أردوغان الرّامية لمزج الممارسات الإسلاميّة مع سلطته السياسيّة من المكانة الجديدة التي رُفِعت إليها إدارة الشؤون الدينيّة - المعروفة بالتركيّة باسم "ديانة". وكان أتاتورك قد أنشأ هذا الدِيوان البيروقراطيّ في عام 1924 بغرض تنظيم الخدمات الدينيّة على طريقته العلمانيّة.

وكان رئيس إدارة الشؤون الدينيّة فيما سبق يخضع لوزير، لكنّ أردوغان رفع مكانة الزّعيم الجديد للإدارة، عليّ إرباش، إلى نائب رئيس بحكم الأمر الواقع. والآن، يحضر إرباش بانتظام مناسبات عامّة كبرى إلى جانب أردوغان، مباركاً كلّ شيء، بداية من [عمليّة بناء] جسر اسطنبول الثّالث عبر مضيق البوسفور إلى حملة تركيا ضدّ الميليشيّات الكرديّة في سوريا.

ومن خلال استخدام سلطتها السياسيّة الجديدة، شرعت إدارة الشؤون الدينيّة في إصدار أوامر لإدخال مقوّمات من الشّريعة في المجتمع التركيّ. ومؤخراً، أصدرت الإدارة المذكورة فتوى عبر موقعها على شبكة الإنترنت تُشير إلى أنّ الفتيات الّلواتي يبلغن من العمر 9 أعوام والفتيان في عمر 12 عاماً بإمكانهم الزّواج - بما أنّ الرشد، وفقاً للشّريعة، يبدأ مع سنّ البلوغ. لكن الإدارة قامت بسحب هذه الفتوى -إلى الآن- بعد غضب شعبيّ كبير. ومؤخراً جداً، في 9 شباط (فبراير)، أعلنت الهيئة الدينيّة عن خطّة جديدة لتعيين "ممثلين عن إدارة الشؤون الدينيّة" بين التّلاميذ في كلّ فصل في المدارس العامّة التركيّة التي يقرب عددها من 60,000، بما يجعل التّعليم العام تحت رقابة أدقّ من جانب الدّين الموجّه أردوغانيّاً.

لكنّ أولئك الّذين يتوقّعون من أردوغان أن يُعلن القانون الإسلاميّ في تركيا سيضطرون إلى الانتظار لبعض الوقت. فلن يحدث هذا التّغيير فجأة. بل هو يمضي تدريجيّاً فيما يتدلّى الحجاب الشّفاف للشّريعة.

سونر جاغابتاي- ذي واشنطن بوست

الصفحة الرئيسية