أردوغان المذعور يشرع قانوناً لتقييد الحريات على المنصات الافتراضية

أردوغان المذعور يشرع قانوناً لتقييد الحريات على المنصات الافتراضية

مشاهدة

27/01/2021

تمثل منصات التواصل الاجتماعي، في تركيا، الهامش المحتمل والأخير الذي يشهد حراكاً مكثفاً ضد ممارسات النظام التركي، قبل أن تلاحقه وتطاله ماكينة القوانين التعسفية التي تطوق الحريات، وتقمع نشاطها؛ إذ دأب النشطاء والمعارضون، وكذا المواطنون العاديون، غير المسيسين، على بث منشورات تحمل انتقادات أو بالأحرى اتهامات مباشرة تتصل بفساد النخبة السياسية.

يتضمن القانون الخاص بمواقع التواصل الاجتماعي بنداً يلزم المستخدمين، خلال 24 ساعة، بالامتثال لأوامر القضاء التركي، في حال مطالبتهم بإزالة محتوى معين

وتراوحت المنشورات على المواقع الافتراضية بين السخرية والهجوم اللاذع، حول التفاوت الاجتماعي الهائل بين أفراد المجتمع، الذين يعيش غالبيتهم تحت وطأة الوضع الاقتصادي المتدهور، وقد انخفض متوسط دخل الفرد إلى 8934 دولار، سنوياً، في الربع الثاني من العام الماضي، وذلك في مقابل طبقة أوليغاركية في الحكم، تظفر بامتيازات سياسية واجتماعية، غير محدودة.

أردوغان يلاحق المعارضة

خضع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى ضغوط عديدة ومريرة في ظل الفضاء الإلكتروني، الذي سبق ووصفه بأنه "فساد" و"مصدر للأكاذيب"؛ ففي لقاء له مع الشباب التركي، قبل نحو عام، على "يوتيوب"، اصطدم بإحباطات هذه الفئة التي تعاني من البطالة والأزمات الاجتماعية؛ وكتب بعضهم: "لن نصوت لك مرة أخرى"، و"سنتقابل في صناديق الاقتراع".

ومن بين المواجهات العنيفة والصعبة التي انخرط فيها ناشطون عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" ضد الرئيس التركي، إطلاق هاشتاغ بعنوان: "حملة سداد دين أردوغان"؛ وهي حملة إلكترونية سخرت من البيانات التي أصدرتها صحيفة رسمية، في أنقرة، حول ممتلكات أردوغان، التي تصل لنحو 1.37 مليون دولار، موزعة في ثلاثة بنوك وبيتاً، بقيمة 868 ألف دولار، وأرضاً تبلغ قيمتهما نحو 2160 دولاراً، بيد أنّ الصحيفة التركية، قالت إنّ أردوغان عليه دين بقيمة مليوني ليرة تركية، أي حوالي 434 ألف دولار لرجل أعمال اسمه محمد غور.

اقرأ أيضاً: كورونا وأردوغان يحرمان أطفال الكرد من التعليم

وفي النصف الثاني من العام الماضي، قام موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، بحذف نحو 32 ألفاً و242 حساباً وهمياً، تابعين لحزب العدالة والتنمية، بعد أن تمّ اكتشاف نشاطها "المزيف" في "نشر روايات سياسية موالية لحزب العدالة والتنمية على نطاق واسع، وإظهار الدعم للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان"، حسبما ذكرت المنصة العالمية. وقد اتهمت الحكومة التركية "تويتر" بأنّها "آلة دعائية ذات ميول سياسية وأيديولوجية معينة".

نبذ منصات التواصل الاجتماعي لأردوغان

وعليه، كشف موقع تويتر أنّ تركيا كانت في صدارة الدول التي طالبت بإزالة المنشورات، بواقع ستة آلاف طلب، بحسب تقرير "الشفافية"، الصادر عن منصة التغريدات العالمية، في العام 2019.

اقرأ أيضاً: أردوغان يضع القوات المسلحة بيد أحد أتباعه.. ما القصة؟

وبالتزامن مع مطالبات الرئيس التركي بالتبرع المالي، على خلفية تفاقم أزمة فيروس كورونا المستجد، دُشن هاشتاغ تحت وسم: "ولا قرش"؛ إذ تسبب ظهور زوجة الرئيس التركي، أمينة أردوغان، بحقيبة يتجاوز ثمنها 50 ألف دولار، في امتعاض المواطنين الأتراك.

وغرد أحد النشطاء: "لو تبرعت أمينة أردوغان بحقيبتها، وبيرات البيرق (صهر أردوغان) بتدفئته المذهبة، وأردوغان بإحدى طائراته، وابنه بلال بإحدى سفنه لما بقيت هناك حاجة إلى مثل هذه الحملة!".

ولذلك؛ فمنذ تموز (يوليو) العام الماضي، يحاول الرئيس التركي تمرير قانون وصف بـ"التعسفي"، من المنظمات الحقوقية، المحلية والأجنبية، لوضع تقييدات جمّة، على حرية ونشاط منصات التواصل الاجتماعي، وقد حظرت تركيا، مؤخراً، الإعلانات على "تويتر" و"بريسكوب" و"بينترست"، إثر مخالفتها القانون الجديد، والذي يقتضي تعيين ممثلين محليين في المنصات الافتراضية.

الصحفي صغير الحيدري لـ"حفريات": يمكن ملاحظة سرعة إجراءات أردوغان القمعية باتجاه كل ما يهدد سلطاته، وقد بدأ العداء مع المنصات الافتراضية

وينص القانون، في حال مخالفة بنوده، على اتخاذ مجموعة من القرارات والإجراءات العقابية؛ من بينها حظر الإعلانات، وحذف المحتوى من المنصات الافتراضية، وذلك عوضاً عن حجب الدخول إليها، وقد قال نائب وزير النقل التركي، عمر فاتح صايان، إنّ "النطاق العريض لتويتر وبينترست سيخفض بنسبة 50 في المائة، في أبريل (نيسان)، وبنسبة 90 في المائة في مايو (أيار)، العام الحالي".

مخاوف حقوقية

ويشير الحقوقي المدافع عن حرية الشبكات العنكبوتية، سيفكيت أويانيك، بأنّ "تركيا حجبت نحو 408 آلاف موقع، وأربعين ألف تغريدة، وعشرة آلاف مقطع فيديو على يوتيوب، و6200 عملية تشارك محتويات على فيسبوك، عام 2019، وأردف: "تصوروا ما يمكن أن يحصل بعد دخول القانون الجديد حيز التنفيذ".

اقرأ أيضاً: هل بدأ أردوغان حملة عسكرية جديدة في سوريا والعراق؟

ويتعين بناء على القانون الجديد، أن يقوم أصحاب الحسابات الافتراضية بإدخال بيانات الاتصال الخاصة بهم، ومعلومات الهوية الشخصية بمجرد تسجيل حساب جديد، وذلك للحد من انتشار الحسابات المزيفة، وهو ما ترفضه قوى المعارضة، بصورة كبيرة، باعتباره انتهاكاً لخصوصية المشتركين. كما سيفرض على المنصات التي يتجاوز عدد مستخدميها المليون يومياً، تعيين ممثل قانوني عنها، إضافة إلى مطالبتها بتخزين بيانات مستخدميها على خوادم موجودة في تركيا.

ويضع القانون الخاص بمواقع التواصل الاجتماعي بنداً يلزم مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، في مدة أقصاها 24 ساعة، بالامتثال لأوامر القضاء التركي، في حال مطالبتهم بإزالة محتوى معين، حتى لا يقعوا تحت طائلة العقوبات القانونية والغرامات المالية.

 وإثر إقرار القانون، غرد نائب وزير النقل التركي على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر": "نحن عازمون على بذل كل ما يتطلبه الأمر لحماية البيانات والخصوصية وحقوق شعبنا... لن نسمح أبدا بأن تسود الفاشية الرقمية والاستهانة بالقواعد في تركيا".

التصريحات العنيفة التي أدلى بها المسؤول بالحكومة التركي، تتفق مع مضمون ما ردده الرئيس التركي، قبل نحو أسبوع، عندما وصف مخاوفه بخصوص الذين يسيطرون على البيانات، بأنّ بمقدورهم تدشين "ديكتاتوريات رقمية عن طريق تجاهل الديمقراطية والقانون والحقوق والحريات"، كما شدد على دفاعه عن "الوطن السيبراني" في تركيا، حسب تعبيره.

تأميم المجال العام والواقع الافتراضي

ومن ناحية أخرى، تقدم وزير الداخلية التركي بدعوى قضائية ضد أحد المواطنين، قبل أيام قليلة، اتهمه بـ"الإهانة"، على خلفية منشور يهاجم فيه الأخير الوزير. ووصفت مسؤولة قسم حقوق الإنسان في "فيسبوك"، إيان ليفين، قانون منصات التواصل الاجتماعي في تركيا، بأنّه "يثير الكثير من المخاوف بشأن حقوق الإنسان"، وقالت مديرة منظمة "هيومن رايتس ووتش"، إيما سينكلير ويب: "من المستحيل في بلد مثل تركيا إلغاء الشبكات الاجتماعية التي تتداخل إلى حد بعيد مع حياة الناس".

اقرأ أيضاً: ما مصير مرتزقة أردوغان ما بعد الاتفاق الليبي؟

وقد سبق للنائبة عن حزب العدالة والتنمية، في البرلمان التركي، أوزليم زينجين، أنّ قالت بخصوص القانون: "نهدف إلى وضع حدّ للإهانات والسباب والمضايقات التي تتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي"، وأوضحت أنّه "في حال امتناع أيّة منصة عن تعيين ممثل لها في تركيا.. سيؤدي ذلك إلى فرض غرامات عليها، وتخفيض النطاق الترددي للمنصة تدريجياً، وعلى مراحل بنسبة 50 في المئة، ثم 90 في المئة، ما يعني أنّ هذه المنصات لن تكون صالحة للاستخدام".

وفي حديثه لـ"حفريات"، يرى الصحفي المتخصص في الشأن التركي، صغير الحيدري، أن حزب العدالة والتنمية يستهدف تقليص نشاط المنصات الافتراضية، بنفس الصورة والدرجة التي نجح في تحقيقها في الصحف ووسائل الإعلام التقليدية، كما أنّه لن يسمح باتساع الأنشطة المعارضة، سواء في مساحات علنية أو هامشية، أو حتى افتراضية.

الصحفي صغير الحيدري

ويضيف الحيدري: "النظام التركي يعرف التعقيدات، المحلية والإقليمية، المتورط فيها، ولذلك قد يبدو للمتابع، أنّ قراراته المتشنجة تلتف حول عنقه وتفقده الشرعية، وهذا، مرحلياً، صحيح، في ظل تراجع شعبيته، وعزلته الإقليمية، لكن، من ناحية أخرى، يمكن ملاحظة سرعة إجراءات أردوغان القمعية باتجاه كل ما يهدد سلطاته، أو ينتقد سياساته، وقد بدأ العداء مع المنصات الافتراضية، إثر خروج المتظاهرين استجابة للدعوات التي أطلقها حقوقيون مدافعون عن البيئة عبر "فيسبوك" و"تويتر"، وقت احتجاجات متنزه "غيزي"، حيث لعبت وسائل التواصل الاجتماعي، دوراً كبيراً ومباغتاً في الحشد والتعبئة".

الصفحة الرئيسية