أحمد رضا حوحو كاتب جعل الأدب في خدمة الحياة

أحمد رضا حوحو كاتب جعل الأدب في خدمة الحياة

أحمد رضا حوحو كاتب جعل الأدب في خدمة الحياة


03/06/2026

إبراهيم مشارة

تحت وطأة الاحتلال الفرنسي للجزائر الذي اغتصب أرضا وأفقر شعبا وجهّل أمة وحاربها في هويتها من لسان ودين ووطنية، ولد الشهيد أحمد رضا حوحو عام 1910 في بلدة سيدي عقبة من ولاية بسكرة، تلك المدينة ملهمة الشعراء ومهوى أفئدة الكتاب، فقد زارها محمد عبده وأحمد شوقي وأندريه جيد، انتسب إلى الكتّاب لحفظ القرآن ثم أُدخل المدرسة الابتدائية عام 1916 في عز أيام الحرب الكبرى، ليتوجه إلى مدينة سكيكدة عروس البحر الأبيض لإكمال دراسته، لكن الإرادة الاستعمارية لم تسمح له كما لم تسمح لغيره بمواصلة الدراسة إلا لقلة قليلة من أبناء خدّام الاستعمار أو أبناء العاملين في الإدارة الفرنسية، حتى يتسنى لها أن تجد شعبا مطواعا خانعا لا يعرف حقوقه ويجهل هويته فتسوسه كما تسوس البهيمة العجماء.

سخرية من أجل الوطن

تشاء ظروف الحياة القاسية أن يعمل أحمد رضا حوحو -صاحب الموهبة الفطرية في حب الأدب والفن- بالتلغراف في مصلحة البريد بمسقط رأسه ويتزوج عام 1934 ثم يهاجر مع أسرته إلى الحجاز عام 1935، وقد هاجر العشرات من الأسر الجزائرية إلى الحجاز والشام هربا من البطش الاستعماري.

التحق الكاتب بكلية الشريعة وتخرج منها عام 1938 ليمارس الأستاذية فيها لفترة قصيرة ويتصل بالثقافة المشرقية مما كان يصله من مجلات وجرائد أدبية واحتكاك مباشر بالأدباء والمثقفين، ونظرا لاستعداداته الصحفية والأدبية نشر مقالات بجريدة “المنهل” ثم صار سكرتير التحرير فيها، ليعود إلى الجزائر نهاية الحرب الكبرى عام 1946، منضما إلى جمعية العلماء التي رفعت شعار “الجزائر وطننا والعربية لغتنا والإسلام ديننا”، وقد أنشأت مدارس عديدة لتعليم اللغة العربية والمبادئ الإسلامية، فالمعركة قبل أن تكون معركة سلاح هي معركة وعي وهوية ووطنية.

عرف عن الكاتب الشاب الدأب والنشاط والإخلاص فعين مديرا بمدرسة التربية والتعليم ثم انتدب لإدارة مدرسة “التهذيب” التي أنشأتها جمعية العلماء، وارتقى الكاتب حتى صار كاتبا عاما لمعهد ابن باديس مع مواصلة النشاط تدبيجا للمقالات وتأليفا للمسرحيات وإنشاء للصحف، فقد أسس جريدة “الشعلة” وكانت جد قاسية في مخاطبة المناوئين لجمعية العلماء من الطرقيين الذين اتهمهم في مقال خاص بخدمة الاستعمار. وتشاء الأقدار -كما شاءت لغيره من الوطنيين المخلصين- أن يعتقل في عز أيام الثورة التحريرية ليستشهد سنة 1956.

تعددت الروافد الثقافية التي ساهمت في التنشئة الأدبية والفكرية للكاتب من تعليم تقليدي تمثل في حفظ القرآن، إلى التمكن من اللسان الفرنسي بسبب دراسته الابتدائية في المدارس الفرنسية، وقد ساعده ذلك على الاطلاع على الأدب الفرنسي مما يعد نافذة ثقافية هامة مشرعة على الفكر الإنساني، ثم الاتصال بالثقافة العربية المشرقية مما كان يصل إلى الجزائر مهربا من مجلات أدبية وكتب فكرية، فقد كانت السلطات الفرنسية تمنع ذلك.

وسيتجلى تأثير الكتاب المشارقة في أسلوب الكاتب ومزاجه الفكري كالمنفلوطي والرافعي وطه حسين وتوفيق الحكيم، وزادته إقامته بالحجاز تجربة ثرية ناضجة بما أكسبته من المعارف الشرعية، وبمن عرف من الكتاب والفاعلين الثقافيين المقيمين بالحجاز والمتوافدين عليه، وهذه الروافد عمقت فكره وأنضجت أسلوبه فتبنى نظرية الأدب للحياة ملتزما بقضايا الوطن الراسف في قيود الجهالة والفقر والمرض والاستعباد تحت تأثير السياسة الاستعمارية، فوظف قلمه لخدمة قضايا وطنه كأحد دعاة الإصلاح الاجتماعي بمسحة ساخرة مع نقد لاذع أحيانا بهدف كشف أورام المجتمع واجتثاثها، فلا يواجه المستعمر إلا شعب واع مثقف تخلص من فرقته وأدوائه الاجتماعية.

وعلى الرغم من حياته القصيرة إلا أنه ترك العديد من المسرحيات، واتجاهه إلى التأليف المسرحي يكشف عن عمق وعيه وفهمه أن المسرح أبو الفنون وأن الاتصال بالجمهور عن طريق الخشبة يتيح له أن يوصل أفكاره الإصلاحية عملا بمقتضى المقولة المأثورة: “أعطني مسرحا أعطك شعبا”، ومن المسرحيات التي كتبها: “النائب المحترم”،”الواهم”، “صنيعة البرامكة”، إضافة إلى العشرات من المقالات الأدبية والإصلاحية في الجرائد المشرقية والوطنية، لكن أشهر أعماله رواية “غادة أم القرى” 1947 و”مع حمار الحكيم 1953″ و”نماذج بشرية” 1955، وهذه الأعمال تتوّجه رائدا للفن القصصي في الجزائر خاصة القصة القصيرة، ولا شك أنه اطلع على عيون الأدب الفرنسي فقرأ موبسان كما قرأ تيمور والمنفلوطي ويحي حقي وطه حسين وتوفيق الحكيم، وتأثره بهم واضح جلي.

رائد القصص الجزائري

تتوّجه “غادة أم القرى” و”نماذج بشرية” رائدا للفن القصصي في الجزائر، وعلى الرغم من أن الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية قد عرف هذا اللون الأدبي منذ وقت بسبب احتكاك الكتاب الجزائريين الذين يكتبون بالفرنسية بالأدب الفرنسي، إلا أن الأدب المكتوب باللغة العربية كان يعاني اضطهادا من قبل الاستعمار فاللغة ذاتها ممنوعة والكتب والمجلات العربية التي تصل إلى البلد تأتي مهربة وما إن تصدر جريدة باللغة العربية إلا ويتم توقفها، وما تفتح مدرسة اليوم إلا وتغلق في الغد، وما تدخل مجلة إلا وتصادر، لكن هذا لم يمنع إرادة الكتاب والشعراء في الاتصال بالأدب المشرقي سواء بالمطالعة أو الترحال، وكان من ثمرة هذا الاحتكاك والتثاقف هذه الأعمال الرائدة.

“غادة أم القرى”هي أول رواية جزائرية مكتوبة بالعربية كتبها الكاتب عام 1947 متجها فيها اتجاها إصلاحيا بالتنديد بوضع المرأة الحجازية والجزائرية القائم آنذاك، وما ترسف فيه من قيود التضييق والحجب وبخس للحقوق مما هو مناف للشريعة، وقد كتب أحمد بوشناق في مقدمة الرواية “وكأن الحديث عن المرأة الحجازية يتصل اليوم بطريقين متباعدين سار أحدهما حتى أمعن في الماضي السحيق وتقدم ثانيهما حتى اتصل بروح الاستهتار والخلاعة في هذا العصر”، مشيدا بطريق أحمد رضا حوحو الذي سماه بالطريق الثالث، إصلاح في غير استهتار أو جمود، والعنوان ذاته بما هو عتبة أولى يحيل على الاستواء والغضاضة والجمال بما أنها غادة، والإهداء الذي رفعه لمن تعيش محرومة من نعمة الحب، من نعمة الحرية، البائسة المهملة في هذا الوجود، وهنا يخص المرأة الجزائرية إهداء،عتبة ثانية لهذا المتن الروائي وكاشفة لمضمونه.

فالشخصية الرئيسية زكية التي تعيش في مكة “أم القرى” مع أختها لوالد هو سليمان خليل الذي ضعفت موارده المالية، تلقت تربية محافظة. وفي سن البلوغ أُلبست الحجاب لكنها تقع في حب ابن خالتها جميل صادق وهذا الحب منبوذ جالب للعار! وطمعا في فتنتها يتقدم لها رؤوف ابن أسعد وهو من الأثرياء حديثي النعمة الذين يحسبون أن كل شيء يشترى بالمال، مما حدا بسليمان الناقم على هذه الطبقة إلى رفضه ليلصق هذا الأخير بجميل -في حادثة مفتعلة- تهمة السكر والاعتداء مع تزوير الشهود ويلقى به في غياهب السجن، وتلتقي والدة جميل بعد جهد بالملك في الحرم أثناء صلاة المغرب لتعرض عليه قضية ابنها البريء المودع في السجن ظلما، مما حدا بالملك إلى تكليف مدير الأمن بالتحقيق في الأمر لينكشف بعد ذلك ظلم وشرور رؤوف، لكن جميل يموت في السجن قبل خروجه، وتموت زكية بعد مرض قصير من أثر انهيار عصبي، وكأن الزواج لن يتم إلا في العالم الآخر، فالعالم المادي هذا يدين هذا الحب ويرفض الاعتراف به.

والمسحة الرومانسية ظاهرة جدا في هذه الرواية والنبرة الإصلاحية لا تخفى حتى لتصل إلى المباشرة، والتأثر بالمنفلوطي فيها بين. وعلى الرغم من سذاجة الحبكة وتهلهلها وافتقارها إلى البناء الفني المحكم ونمو الأحداث نموا طبيعيا، فضلا عن النهاية على الطريقة الرومانسية في التشكي والتباكي والافتعال، وأنّى للكاتب أن يتقن فنا روائيا في 56 صفحة؟ تعد هذه الرواية حجر الزاوية تأسيسا للفن الروائي المكتوب باللغة العربية في الجزائر.

وأما “نماذج بشرية” 1955 فقد رسم فيها بسرعة ودون تعمق ملامح لشخصيات عرفها أو سمع عنها متأثرا بما قرأه لمارون عبود في “وجوه وحكايات” و”أبو بطة” لميخائيل نعيمة، مبرزا مشرط النقد الاجتماعي بتأثير من النزعة الإصلاحية وفاضحا تناقضات الإنسان بين الباطن والظاهر فالشيخ رزوق رجل دين لكنه محتال، وعائشة فتاة اغتصبت فانحرفت ثم استقامت بعد ذلك، وعبدالباقي عصامي حفظ القرآن ودرس العلوم وصار معلما بإرادته مغالبا ظروفه، ونتيش فلاح بسيط ناقم على الإقطاع يرشد اللصوص إلى ملكية عمه ليسرقوا الغلال لأنه لا يؤدي حق الله، والسكير رجل تتصارع فيه عاطفتان خيرة وشريرة، فهو يكف حينا عن السكر حتى لا يؤذي مشاعر ابنته الوحيدة حورية ثم يعود إليه أياما مستسلما لغرائزه ويعود يجر أذيال الندم، دون أن يستقر على حال، وخالد أعزب كريم نزل بقرية لغزا ثم قبض البوليس عليه مما جعله هدفا للشائعات بين الإجرام أو الجاسوسية دون أن يفك لغزه أحد، وأما فقاقيع الأدب فهي حملة على السطحيين والمتقعرين والمغربين مؤثرا عليهم الوضوح مع السلاسة وخدمة المجتمع، وفي الشخصية المرتجلة نقد للوصوليين والمتسلقين وأدعياء الشهرة الذين يفضحهم التاريخ.

أما “سيدي الحاج” فهي قصة رائعة تنتقد حرص الناس على اللقب مع عدم الأهلية والجدارة مثل هذا الشيخ العامل في الإدارة الفرنسية الذي حج رياء وللسمعة، ولم يدفع تكاليف حجه، بل منت به عليه السلطات الفرنسية، وأما قصة يحي الضيف الذي قال فيه البشير الإبراهيمي “لو قرأ يحيى في صغره لأتعبنا في كبره” فهي نموذج للرجل الخدوم المخلص الذي يثقف نفسه ويتعمق في أسرار الحياة ويصوغ كلامه حكمة مع أنه عامل بسيط في مقر الجمعية.

وكتاب “مع حمار الحكيم” الذي كتبه عام 1953 متأثرا بكتاب “حماري قال لي” لتوفيق الحكيم اتجه فيه اتجاها إصلاحيا كبيرا مع نقد لاذع لمن هم في الأصل لخدمة الشعب لكنهم صاروا من مستغليه وحمل على الخرافات الاجتماعية وتنديد بوضع المرأة وتعديل للنظرة إلى الحياة لتكون مبنية على أساس سليم شأن الشعوب المتحضرة مثل مقالات: “الآداب والفنون”، “نحن والغرب” ،”الزواج”، “الأحزاب السياسية”، “الأدب العربي”، “التربية”. وكان بريد الكاتب يدل على تجاوب كبير للقراء مع هذه المقالات التي يعد نشرها جسارة لتوجيهها سهام النقد السياسي والديني والاجتماعي والثقافي دفعة واحدة قبولا أو ترددا أو رفضا لبعض آرائه الإصلاحية في هذا الكتاب.

حياة قصيرة كرست للكلمة خدمة للمجتمع توجت بالشهادة في سبيل الوطن ولغته ودينه وهويته، وكرسه عمله القصصي باللغة العربية رائدا لهذا الفن في الجزائر.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية