أبو حنيفة كما يراه أهل الحديث

أبو حنيفة كما يراه أهل الحديث

مشاهدة

30/03/2021

تعدّ السنّة، مفهوماً واصطلاحاً، من أكثر الموضوعات جدلاً بين المتقدمين والمتأخرين على الساحة الفكرية الإسلامية؛ فقد دارت النقاشات مطولاً حول إمكانية ثبوتها، وعلاقتها بالمرجعية الأولى "القرآن الكريم"، كونها مرجعاً أساسياً للعقل الإسلامي، له تجليات مباشرة وغير مباشرة في حقول عدّة.

لقد كان السؤال المركزي الذي قامت عليه السنّة، من بداية التدوين، هو سؤال نسبة الكثير من الأقوال والأفعال للنبي، صلّى الله عليه وسلّم، وطرائق التحقق من ذلك، فأنتج المشتغلون مناهج عدة؛ بعضها يتعلّق بالسند والرواة، سمِّي "علم الرواية"، والبعض الآخر يتعلّق بالمتن، سمِّي "علم الدراية".

فما طبيعة هذه الطرائق التي اتبعها المسلمون الأوائل؟! وهل كانت كافية للتحقّق من نسبة الأحاديث للنبي، صلّى الله عليه وسلّم؟ وهل ثمّة إمكانية لتطويرها؟

كان الإمام مالك يذم أبا حنيفة حتّى إنه دعا أيضاً إلى ترك البلاد التي يذكر فيها أبو حنيفة

لا شك، أنّ الحديث والرواية من العوامل الأساسية، التي شكلت الاتجاهات المرتدة عن المعاصرة والانخراط في الزمن الراهن في بنية العقل العربي، كونها أدّت تدريجياً إلى تجاوز الرأي والنظر العقلي المتحرر من قيود النص، والقياس عليه، وذلك الاتجاه الذي ساد في فترة الإمام الأول "أبي حنيفة النعمان"؛ الذي أسس لهامش من العقلانية إلى جانب النصّ الأوّل (القرآن الكريم)؛ فقد كان يقف من الحديث والرواية موقف تردّد وريبة، رغم قرب عهده من عهد النبي، صلّى الله عليه وسلّم، ووجود الكثير من التابعين، فكان حين يؤتى بالحديث يقول: "دعونا من هذا"، بحسب ما جاء في ترجمة الخطيب البغدادي عنه، الذي رصد أقوال الكثير من الفقهاء المتأخرين، التي تقدح فيه، وكلّها بسبب موقفه النقدي من السنّة والحديث، وأمور فقهية أخرى، وبعضها استتيب فيها؛ إذ كانت تصل، بحسب رؤيتهم وفقههم، حدّ الكفر، أو وصفه بالنبطي، وذلك -بحسب ما جاء عن سفيان الثوري- بسبب أخذه الأمور بالرأي.

الموقف من الحديث

كان الثلاثي الحديثي من الأئمة مالك والشافعي وابن حنبل، على مواقف متقاربة من أبي حنيفة؛ فهو -بالنسبة إليهم- ضعيف، ولا يؤخذ منه على أقلّ تقدير، ويشتد الموقف ويزداد حدة عند الوصول إلى حدّ تكفيره، ويبدو واضحاً أنّ ثمة خوفاً من المنهج الذي انتهجه أبو حنيفة، في حال انتشاره، وهو منهج يجعل بضاعة المحدّثين تبور، وسلطتهم على عقول وقلوب الناس في مسائل دينهم ودنياهم تسقط وتنتهي، في حال عرف المؤمن أنّه لا بأس من أن يكون العقل حراً في مقاربة الأمور الدينية وغير الدينية.

اقرأ أيضاً: النبي الشاكّ والإله المتسامح

كان الإمام مالك يصف أبا حنيفة بأوصاف كثيرة تذمّه، مثل قوله فيه: "إنّه داء عضال"، ويصل إلى حدّ بعيدٍ في الذمّ، بالدعوة إلى ترك البلاد التي يذكر فيها أبو حنيفة، عندما سأل أحد التلاميذ: "هل يذكر أبو حنيفة النعمان ببلدكم؟ بلدكم لا يسكن".

اتِّهم أبو حنيفة بجلّ الأوصاف الرائجة اليوم في الأوساط الفقهية ضدّ الذين يدعون الى إعمال العقل والحكم الفلسفي

إنّ أبا حنيفة بالنسبة إلى مالك، كما جاء في كتاب "السنّة"، لعبد الله بن أحمد بن حنبل، هو الرجل الذي كاد الدين؛ أي عاداه، وهذا ضمنياً يعني تكفيره، طالما تمّ وصفه بمعاداته، ويمكننا أن نأتي ببعض الأقوال عن مالك، التي يتّضح فيها حجم الخلاف حول موضوع السنّة، والأخذ بالرأي، وفق كتاب عبد الله بن أحمد بن حنبل:

حدّثني أبو الفضل الخراساني، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: قال لي خالي مالك بن أنس: "أبو حنيفة من الداء العضال، وقال مالك: أبو حنيفة ينقض السنن"(السنّة 295).

حدّثني الحسن بن الصباح البزار، حدّثني الحنيني، عن مالك بن أنس، قال: "ما ولد في الإسلام مولود أضرّ على أهل الإسلام من أبي حنيفة"، وكان يعيب الرأي (السنّة 296).

أخبرت عن مطرف اليساري الأصم، عن مالك بن أنس، قال: "الدّاء العضال الهلاك في الدين أبو حنيفة الداء العضال"(السنّة 387).

حدّثني أبو الفضل الخراساني، ثنا مسعود بن خلف، قال: ثنا وليد بن مسلم، قال لي مالك بن أنس: "يظهر ببلدكم كلام أبي حنيفة؟ قلت: نعم، قال: ما ينبغي لبلدكم أن يسكَن" (السنّة 389).

موقفه كان متقدماً عن المتأخرين عنه زمنياً وسبقهم فكرياً ونقدياً بوقوفه موقف الشكّ من السنّة والحديث

أما ابن حنبل؛ فلم يكن أقلّ من الإمام مالك في عداوته لأبي حنيفة، وأخذه بالرأي، كونه الأكثر تشدداً في الأخذ بالرواية والأثر، إلى الحدّ الذي يجعلها قد تنفرد بالتشريع، وتنسخ وتقوّض النص الأول، كما يقول الأوزاعي في السنّة، لقد كان ابن حنبل لا يثق في إيمان أصحابه، إذا لم يبغضوا أبا حنيفة، وذلك واضح من خلال مقولات كثيرة عنه، رواها ابنه عبد الله، نورد بعضها:

سمعت أبي (ابن حنبل) يقول: عن عبد الرحمن بن مهدي، أنه قال: "من حسن علم الرجل أن ينظر في رأي أبي حنيفة"(السنّة 227).

وأخبرت عن إسحاق بن منصور الكوسج، قال: "قلت لأحمد بن حنبل يؤجر الرجل على بغض أبي حنيفة وأصحابه؟ قال: إي والله"(السنّة 228).

اقرأ أيضاً: هل استخدم "داعش" سلاح الرعب اقتداء بالنبي عليه السلام؟!

لقد اتِّهم أبو حنيفة بجلّ الأوصاف التي نراها رائجة اليوم، ومنتشرة في الأوساط الفقهية والدينية، ضدّ الذين يدعون الى إعمال العقل والنظر الحكمي والفلسفي في مقاربة المثالات الدينية، ولا شكّ في أنّ موقفه كان موقفاً متقدماً عن موقف المتأخرين عنه زمنياً، إلا أنّه سبقهم فكرياً ونقدياً؛ بالوقوف موقف الشكّ من السنّة والحديث، إلّا أنّ الردّة التي طالت المجتمع بعده قد طالت حتى تلاميذه، الذين تأثّروا بناقديه، وأصبحوا يدافعون عنه على غير منهجه الذي ارتضاه لنفسه، فأصبحوا يحشدون الأقوال التي تؤكد أخذه بالسنّة، كردّة فعل على الاتهامات التي كيلت له.

الصفحة الرئيسية