معالم في الطريق: بيان ساحر يعيد إنتاج النازية دينيّاً

957
عدد القراءات

2017-10-14

يمثّل سيد قطب وكتابه معالم في الطريق خاصة حالة خطيرة ومميزة في التشكيل الاجتماعي المنظم والمعبأ بأفكار ومعتقدات ومشاعر استطاعت برغم خطورتها على المجتمعات والأمم أن تكتسب حالة من التماسك والصلابة والتأييد؛ لأنّها ببساطة كانت مزيجاً ثلاثياً من التعصب والشعور بالتميز والاستعلاء ومن الأفكار الدينية التي منحت التعصب والكراهية مسوّغات دينية تجعلها فضيلة ويستقطب المؤيدين والمتحمسين، وأخيراً قدمت هذه الأفكار في صياغة لغوية وأدبية ساحرة ومؤثرة وحجج وأفكار منطقية ومتماسكة.
وبرغم صحة القول إن البيان الفكري في المعالم (معالم في الطريق) والظلال (في ظلال القرآن) وسائر كتب سيد قطب مشروع تكفيري للأنظمة السياسية والمجتمعات والأفراد يخالف السياق التاريخي والفقهي والتراثي للأمة الإسلامية وأن الردّ عليه فكرياً ودينياً راسخ وعميق في ضمير الأمة واتجاهها الديني والفكري فإنه اعتقاد خاطئ أو غير كاف؛ إذ بالرغم من قوة وصحة الحجج والأدلة والأفكار في كتاب "دعاة لا قضاة" رداً على المعالم والمودودي وخاصة كتابه "المصطلحات الأربعة في القرآن" إضافة إلى دراسات وكتب أخرى كثيرة مهمة ومقنعة؛ يجب الاعتراف أن المعالم تفوّق على التراث الفقهي والفكري السائد في الأمة، وحول الاستثناء إلى أصل، والخروج على الأمة إلى قيمة عليا يضحي لأجلها الشباب بحياتهم وما يملكون، وجعل الكراهية ديناً يتقرب به أصحابه إلى الله، والاحتجاج سلوكاً أصيلاً وفضيلاً حتى لو كان إضراراً بالعقد الاجتماعي للمجتمعات والدول، .. لقد ثوّر سيد قطب قطاعاً واسعاً من الأجيال والجماعات والفئات الاجتماعية والدينية، بل وتغلغل أيضاً في التدين الشعبي السائد وفي المناهج التعلمية والخطاب الديني الرسمي والتقليدي.

الكتاب جعل الكراهية ديناً يتقرب به أصحابه إلى الله والاحتجاج سلوكاً أصيلاً حتى لو ألحق الإضرار بالمجتمعات والدول

ففي الشعور بالاعتزاز والتميز والاستعلاء الذي يمنحه سيد قطب للمتدينين صارت الجموع المقبلة على التدين من الأفراد غير الملتزمين بجماعة أو تنظيم تجد في هذا الخطاب ومكافأة وتشجيعاً، وصار العاملون في المجال الديني في المؤسسات التعليمية والإرشادية يشعرون بأهمية فائقة لوجودهم وعملهم ودورهم، وامتدت أهداف المتدينين إلى وظائف الدولة نفسها مثل؛ الجهاد والحسبة والولاية على القانون وتطبيقه وصارت تجد دافعاً ومبرراً لتقوم بذلك نفسها نيابة عن لأمة والسلطات، ووجدت الأمة المهزومة في هذا الخطاب عزاء للفشل والهزيمة، تواجه التحديات القائمة باللجوء إلى هذا الخطاب المريح كأنه بلسم شافي للمصائب والقلق والإحباط.
إنّ الخطاب الوطني أو القومي القائم على التميز والتعصب والولاء يلاقي عادة إقبالاً وتأييداً، وهو ما يمكن ملاحظته اليوم في كل الدول والمجتمعات، حيث يصعد اليمين المتطرف في دول أوروبية عدة، وفي فترة سابقة اكتسح هذا الخطاب أوروبا ودفع بها إلى حرب عالمية طاحنة، حتى صار هاجس الأوروبيين الدائم كيف نضمن ألا يتكرر ذلك؟ لكن إذا دمج هذا الخطاب الشوفيني بخطاب ديني ليتحول إلى عقيدة دينية فإن الكارثية تكتسي بالصلابة وفرص الديمومة أو البقاء فترة طويلة.
كانت القضية التي أثارت فتنة وأزمة كبرى في صفوف الإخوان المسلمين ثم امتدت إلى الساحة الإسلامية هي ما يمكن تسميته التأسيس للمفاصلة مع المجتمعات والانظمة السياسية القائمة، ما أنشأ حالة متماسكة من الرفض والصراع مع كل البيئة والثقافة المحيطة، وفي حالة العولمة التي مرّ بها العالم كان هذا الفكر المنفصل عن المجتمعات والثقافات ملائما لعمل عولمي رافض للعالم! أو ما يسميه أصحابه "الجبهة الإسلامية العالمية"..
ويبدو واضحاً بالطبع أنّ مسألة الحكم والحاكمية هي مبتدأ الأزمة الكبرى في عالم الإسلام، سواء تلك الأزمة بين الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية السياسية بعامة وبين الأنظمة السياسية والمجتمعات، أو الأزمة الاجتماعية بين المتدينين تديناً "إخوانياً أو قطبياً" وبين مجتمعاتهم وأسرهم والعالم المحيط بهم.
وحول مسألة الحاكمية على النحو الذي بدأ يفهمه الإخوان والجماعات الإسلامية في ستينيات القرن العشرين؛ نشأت جماعات منظمة وأفكار منتشرة بين الأفراد والمجتمعات وفي المساجد والمناهج التعليمية كما في الثقافة والإعلام، وهي باختصار اعتبار أنظمة الحكم والمجتمعات القائمة غير إسلامية. وهو فهم تشكل أساساً حول مجموعة من الآيات القرآنية، مثل قوله تعالى: "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" (المائدة، الآية 44)، وقوله سبحانه: "أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ" (المائدة، الآية 50).

الأفكار الدينية في كتاب سيد قطب منحت التعصب والكراهية مسوغات دينية تجعلها فضيلة

إنّ اعتبار الأمة خارجة على الدين وفق هاتين الآيتين، هو فهم طارئ ومفاجئ لمعظم المسلمين. وقد وقع فيه من قبل الخوارج، عندما اعتبروا الأمة كلها خارجة عن الإسلام؛ فما من مسلم سواهم. وأنشأ بعض المعاصرين بينهم إخوان مسلمون، ومن حزب التحرير، والجماعة الإسلامية، والجهاد، والتكفير والهجرة، وبعض السلفيين.. حكماً على الأمة بالردة صراحة أو ضمناً؛، بل إن بعضهم اعتبر الأمة في ردة شاملة دخلت فيها منذ قرون عدة. وتمكن هذا الفكر في صفوف الإخوان، وصار مهيمنا على كثير من قادتها وأعضائها.
وعلى الرغم من أنّ المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين حسن الهضيبي (تجب الملاحظة أنّ الهضيبي قدم إلى قيادة الجماعة من خارجها) أصدر كتاب "دعاة لا قضاة" في أواخر الستينيات (1969)، ردّاً على هذا الفكر الذي انتشر وما يزال مؤثراً. فإن كتاب دعاة لا قضاة ظل مهمشاً وشبه مجهول في صفوف الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية السياسية والقتالية حتى بين الذين يعتبرون منهم معتدلين أو مختلفين عن ومع فكر سيد قطب. والأكثر غرابة في الأردن أنّه يمثل إضافة إلى كونه رأياً دينياً، مزاجاً انفصالياً أو احتجاجياً لأسباب اجتماعية وسياسية لا علاقة لها بالدين. ومن عجب أن ترى منطق الأحكام والمواقف الانفصالية نفسها تجمع بين متشددين دينيين ولا دينيين!
يقول الهضيبي استناداً إلى التراث الفقهي السائد إن حكم الناطق بشهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) مسلم تجري عليه أحكام المسلمين، وليس لنا أن نمحص صدق شهادته، ولم ترد "الحاكمية"؛ "حاكمية الله" في الكتاب والسنة، فهو مصطلح حديث. ولكن ورد لفظ الحكم "إن الحكم إلا لله" (يوسف، الآية 40)، وهناك أيضاً قوله تعالى: "فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا" (النساء، الآية 65).
ويقول الهضيبي: "وقد توهم البعض في قول المودودي (المصطلحات الأربعة في القرآن) أنّ من مقتضى الإيمان ألا يكون الحكم والأمر والتشريع إلا بيد الله، استحالة أن يأذن الله على للناس أن يضعوا لأنفسهم بعض التنظيمات أو التشريعات التي تنظم جانبا من حياتهم.. وهذا فهم خاطئ. كما أنّ عقولنا ليست حاكمة على الله بشيء، فلا يجوز لمسلم أن يجعل من عقله حدّاً لسلطة الله تعالى، والذي ينفي أن يكون الله عز وجل حق الإذن للناس في وضع بعض التشريعات أو التنظيمات إنما يحد بعقله من سلطان الله.. والحق أن الله عز وجل ترك لنا كثيراً من أمور دنيانا ننظّمها حسبما تهدينا إليه عقولنا في إطار مقاصد عامة وغايات حددها سبحانه وتعالى وأمر بتحقيقها، وبشرط ألا نحل حراماً أو نحرّم حلالاً".
ولا يملك أحد أن يبيح محرماً. أما المباحات، فإنّ للمسلمين أن يسنّوا فيها من الأنظمة التي قد تتخذ شكل قرار أو لائحة أو قانون، وهي تشريعات لا يجوز أن يزعم أحد أنها من تشريع الله.

اقرأ المزيد...

الوسوم: