
ما حدث في عمّان ليس الأول من نوعه، ففي عام 2019 عاشت لندن قصة تكاد تكون مطابقة.
عثمان خان شاب بريطاني أُدين عام 2012 بالمشاركة في مخطط إرهابي كان من أهدافه تفجير بورصة لندن. حُكم عليه بالسجن 16 عاماً ثم أُفرج عنه في ديسمبر 2018 بعد قضاء نحو نصف المدة تحت المراقبة وبسوار إلكتروني في قدمه.
داخل السجن شارك في برامج "إعادة التأهيل" و"نزع التطرف" وكان يبدو متعاوناً وهادئاً. وكثيرون اعتبروه قصة نجاح.
وبعد أقل من سنة على خروجه دُعي إلى مؤتمر في قاعة Fishmongers’ Hall وسط لندن ينظمه برنامج تابع لجامعة كامبريدج يهدف إلى دمج السجناء في المجتمع عبر التعليم. البرنامج الذي آمن به ومدّ له يده.
في استراحة المؤتمر أخرج سكينين وبدأ يطعن الحاضرين. قُتل شابان من فريق البرنامج نفسه وكلاهما في العشرينات ونذرا حياتهما لمساعدة السجناء على بدء حياة جديدة، وأصيب آخرون.
لاحقه الحاضرون إلى جسر لندن واشتبكوا معه بما وجدوه أمامهم ثم أطلقت الشرطة النار عليه وتبيّن أن الحزام الناسف الذي كان يرتديه مزيف.
تفسير علمي لحالة سفارة سريلانكا..
وصلتني رسائل من الشباب تسأل السؤال نفسه: "كيف يتحول مهندس من عائلة طيبة، سمعتها حسنة، إلى قاتل يطعن شرطياً؟".
السؤال مشروع، ويحتاج إلى جواب هادئ. وفهم الظاهرة لا يعني تبريرها. نحن نفهم المرض كي نقاومه لا كي نتعاطف معه.
تكشف الوثائق القضائية المنشورة أن المنفذ لم يتطرف فجأة، فقبل سنوات اقتنع بفكر داعش وحاول السفر للالتحاق به، فلما فشل السفر خطط مع شخصين آخرين لمهاجمة مركز أمني. قُبض عليه عام 2020 وحُكم عليه بالسجن تسع سنوات. وبعد خروجه نفّذ ما خطط له قديماً، ضد الهدف نفسه وهو "رجل أمن".
يقدّم عالم النفس Arie Kruglanski تفسيراً قائماً على ثلاثة عناصر إذا اجتمعت صنعت متطرفاً عنيفاً:
1. الحاجة: "أريد أن أكون شخصاً مهماً". كل إنسان يحتاج إلى أن يشعر بقيمته. فإذا شعر بالإهانة أو التهميش أو أن الحياة ظلمته، اشتدت هذه الحاجة حتى تصبح جوعاً حقيقياً.
تخيّل شاباً درس الهندسة، وتعب، وأسرته مستورة، ويرى أنه يستحق أكثر مما يحصل عليه. المشكلة ليست الفقر نفسه، بل الشعور بأنك أقل مما تستحق. وهذا الشعور أخطر من الفقر.
2. السردية. هنا تأتي داعش وتقنعه أنت لست مهندساً عاطلاً أو مظلوماً، أنت "مجاهد" مختار. والدولة ليست وطنك، والشرطي ليس إنساناً، بل "عدو" يجوز قتله. داعش تنزع الإنسانية عن الضحية، فتقنع الشخص أن الذي أمامه ليس إنساناً فيصبح القتل عنده "واجباً" بدل أن يكون جريمة. هذه السردية جذابة لنوع معين من العقول، العقول التي لا تحتمل الغموض وتريد إجابات قاطعة يا أبيض يا أسود، معنا أو ضدنا. ولهذا وجدت بعض الدراسات أن نسبة المهندسين بين أعضاء الجماعات الجهادية مرتفعة. ليس العيب في الهندسة، بل في عقلية تبحث عن نظام مغلق لا مكان فيه للأسئلة.
3. الشبكة: "لست وحدك". انتبه، الأفكار وحدها لا تصنع إرهابياً فهي تحتاج إلى رفاق يصدّقون عليها ويشجعون validation. المنفذ لم يخطط وحده في المرة الأولى بل كان معه اثنان. هكذا يحدث الأمر، مجموعة صغيرة من الأصدقاء أو قناة على تيليغرام أو حساب يتابعه الشاب كل ليلة تتحول تدريجياً إلى عالمه الوحيد.
لماذا لم يغيّره السجن؟ هذا أهم سؤال في القصة. والعلم يقدّم له ثلاثة أجوبة:
1. تصبح الفكرة "مقدسة". يقول عالم الأنثروبولوجيا Scott Atran إن الفكرة حين تتحول عند الشخص إلى "قيمة مقدسة" لا يعود العقاب يخيفه، بل قد يزيده تمسكاً بها لأنه يرى السجن "ابتلاءً" يثبت أنه على الحق.
2. تذوب الذات في الجماعة. بعض المتطرفين تندمج هويتهم الشخصية بالفكرة تماماً فيصبح التخلي عنها كأنه انتحار نفسي. ولهذا لا يكفي أن تقول له "أنت مخطئ" لأنك في نظره تطلب منه أن يمحو نفسه.
3. الهدوء لا يعني التغيّر. يفرّق الباحث John Horgan بين شخص توقف عن الفعل وشخص تخلّى عن الفكرة. الأول قد يبدو هادئاً ومنضبطاً سنوات والقناعة في داخله كما هي تنتظر فرصتها.
ملايين الناس يحملون أفكاراً متشددة ولا يؤذون أحداً. ويشبّه الباحثان McCauley وMoskalenko ذلك بهرمين: هرم للأفكار وهرم للأفعال. "القلة القليلة" فقط تصعد إلى قمة هرم الفعل، لذلك رأينا ثلاثة في الكرك، وواحد في إربد، وهذه الأعداد قليلة جدًا وإن كانت مؤثرة. هؤلاء الأشخاص صعدوا من "أنا مقتنع" إلى "أنا أخطط".
التطرف لا يبدأ بالسلاح، بل بسؤال لم يجد جواباً وبشعور بالظلم لم يجد من يسمعه وبشاب وحيد وجد "أصدقاء" في المكان الخطأ.
الحوار يحمي. الجماعات المتطرفة تنتصر حين تكون هي الوحيدة التي تجيب عن أسئلة الشباب. فلنكن نحن من يجيب، بصدق وعمق ودون استخفاف.
أن تفهم كيف يعمل الفكر المتطرف خطوة أولى كي لا يجد طريقه إليك ولا إلى من تحب.
رحم الله الشهيد، وحفظ الأردن وأهله.
عن صفحة الكاتبة الشخصية في فيسبوك

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%861_3.jpg.webp?itok=vZbYSOPs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_9.jpg.webp?itok=7AwW3F0G)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_3.jpg.webp?itok=rfCMiddx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%841_1.png.webp?itok=qt5F6OTQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7_164.jpg.webp?itok=VZvYYr3p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%862_5.jpg.webp?itok=QPGD_gnp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86_6_4_0_6.jpg.webp?itok=cLMCOwo_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_13.jpg.webp?itok=sMjJZXHe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_18.jpeg.webp?itok=9-4WtHN5)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A700_0.png.webp?itok=wydvPSgk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0000000000.png.webp?itok=DzXDSLlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%88%D8%A7%D8%AF.jpg.webp?itok=XnWBh_S7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_6.jpg.webp?itok=11pAsKF_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_10.jpg.webp?itok=rh6QLO-u)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B41_1.png.webp?itok=cL9qRILG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81_24.jpg.webp?itok=0tK2KDv7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=HcrUiimq)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D8%B5%D9%88%D8%B1%20%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3_1.jpg.webp?itok=c9g40geO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_17.jpg.webp?itok=xYu1_I5l)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A.jpeg.webp?itok=hFotDXCm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_7.jpeg.webp?itok=K8Lv-QOz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8_3.jpg.webp?itok=t9lBWJnB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%865_4.jpg.webp?itok=kPFtr5y3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%84%D9%81_2_4_1_1.jpg.webp?itok=V8hLmgWo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)