
لم تعد التحولات الأوروبية في التعامل مع جماعة الإخوان وشبكات الإسلام السياسي منفصلة عن تداعيات الصراعات الإقليمية، التي أعادت منذ هجوم حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأوّل/أكتوبر 2023 تشكيل حسابات الأمن الداخلي بين دول التكتل. فالحرب في غزة وما صاحبها من استقطاب سياسي وإيديولوجي، واتساع حملات التحريض المعادية للقيم الليبرالية والمدنية الحقوقية ودولة القانون بمؤسساتها، وتزايد المخاوف من انتقال التعبئة الرقمية إلى العنف المادي، دفعت الحكومات الأوروبية إلى إعادة النظر في طبيعة التهديدات التي تواجهها، وحدود الفصل بين النشاط الإيديولوجي وشبكات التطرف العنيف وآليات تمويلها العابرة للحدود.
مواجهة التطرف الناعم
ولم يعد مصدر القلق الأوروبي مقتصرًا على التنظيمات التي تخطط لاعتداءات مباشرة، بل بات يشمل بيئة أوسع تتداخل فيها الدعاية المتطرفة، والتجنيد عبر الإنترنت، والتحريض ضد المدنيين، إلى جانب مخاطر الأفراد الذين يتبنون أفكارًا متشددة ويتحركون بصورة مستقلة عن قيادة تنظيمية واضحة. وقد حذرت المفوضية الأوروبية، في تقريرها بشأن منع التطرف الصادر في شباط/ فبراير العام الحالي، من التحديات التي يفرضها المتطرفون المحليون الذين ينفذون هجمات منفردة، ومن استغلال منصات التواصل الاجتماعي في التعبئة والتجنيد والاتصال. ورصدت عدة تقارير عن اتجاهات الإرهاب في الاتحاد الأوروبي لعام 2025 تأثير حرب غزة في التهديد الإرهابي، واتساع دوائر التطرف الرقمي، وتزايد انخراط صغار السن في أنشطة متطرفة.
وتقدّم بريطانيا مثالًا واضحًا على تداخل هذه المخاطر، فقد ارتفع مستوى التهديد الإرهابي الوطني إلى "شديد" في 30 نيسان/أبريل 2026، عقب الهجوم الذي استهدف منطقة غولدرز غرين في شمال لندن، في سياق أوسع من تصاعد التهديدات المرتبطة بالتطرف الإسلامي واليمين المتطرف. وفي تشرين الأوّل/أكتوبر حذّر رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني MI5 من تهديدات متعددة تشمل الإرهاب والتدخلات المرتبطة بدول أجنبية، مشيرًا إلى استهداف المصالح الإسرائيلية والمجتمعات اليهودية، وإلى مخاطر توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في أنشطة عدائية.
وتعزز الأرقام حجم هذه المخاوف؛ إذ سجلت مؤسسة أمن المجتمع، المعنية بحماية اليهود في بريطانيا، 3700 حادثة معاداة للسامية خلال عام 2025، بزيادة 4% مقارنة بعام 2024، وأظهرت بيانات النصف الأول من 2026 استمرار ارتفاع الحوادث.
من ثمّ، تتجه المقاربة الأوروبية تدريجيًا نحو توسيع نطاق المواجهة من ملاحقة المنفذين والخلايا النشطة إلى تفكيك البنى التي قد تتيح للتطرف الانتشار والاستمرار، منها شبكات التمويل، والواجهات المؤسسية، ومسارات التحويلات المالية، ومنصات التجنيد والدعاية، والروابط العابرة للحدود. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في ظل ما تثيره بعض التحقيقات الأمنية من تساؤلات بشأن تقاطعات بين تيارات الإسلام السياسي السنّي وقوى ميليشياوية ولائية شيعية مرتبطة بإيران، أو بشأن استخدام أطراف إقليمية ووكلاء محليين أدوات التأثير والتهديد في دول أوروبية.
من هنا، يمكن فهم تصاعد الدعوات الأوروبية إلى استراتيجية أكثر تنسيقًا تجاه الإخوان وشبكات الإسلام السياسي بوصفه جزءًا من مراجعة أمنية أوسع فرضتها تداعيات الصراعات الإقليمية وتداخلها مع التهديدات الداخلية.
خطوة أمريكية حاسمة
من اللافت أنّه في 26 تموز/يوليو أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إدراج محمود الأبياري، أحد كبار مسؤولي جماعة الإخوان المسلمين، في قائمة العقوبات. وتكتسب هذه الخطوة أهمية لسببين؛ أوّلهما أنّ استهداف الأبياري جاء على خلفية صلاته بجماعة الإخوان المسلمين، وليس بسبب علاقاته بحركة حماس، الفرع الفلسطيني للجماعة، وهو السبب الأكثر شيوعًا في مثل هذه الإجراءات. أمّا السبب الثاني، فهو أنّ الأبياري يقيم في المملكة المتحدة، إحدى أقرب حلفاء الولايات المتحدة. وتستهدف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جماعة الإخوان بصورة مباشرة، بعدما صنّفت أربعة من فروعها، وتسعى إلى دفع الحكومات الأوروبية للمشاركة في هذه الجهود من خلال التعامل مع الكيانات المحلية المرتبطة بالجماعة داخل بلدانها، بحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.
وعلى مدى سنوات أخفقت الحكومات الأوروبية في صياغة سياسات متماسكة للتعامل مع الإخوان الذين يعارضون النظام الديمقراطي الغربي ويسعون إلى استقطاب المجتمعات على أسس دينية، كما يشير المركز ذاته، ومقرّه واشنطن، وتابع: "في المرحلة الراهنة ينبغي للدول الأوروبية تجاوز تحفظاتها إزاء أسلوب إدارة ترامب الحاد، والاستفادة من الاهتمام الأمريكي المتزايد بهذه القضية. ويتعين على القادة الأوروبيين تكليف الأجهزة الأمنية بإعداد صورة استخباراتية شاملة عن شبكات الإخوان ونشاطهم داخل بلدانهم. وقد تقتصر الإجراءات، في بعض الحالات، على جمع المعلومات وتحليلها، إذ يتعين على الدول الأوروبية التعايش مع وجود تيارات إسلامية سياسية، حتى تلك التي ترفض جوانب عديدة من الديمقراطية الأوروبية. لكن في حالات أخرى ينبغي الاستناد إلى المعلومات الاستخباراتية لإغلاق جمعيات خيرية صورية تُستخدم في تمرير الدعم إلى جماعات مثل حماس".
وينبغي للدول الأوروبية تبادل المعلومات الاستخباراتية فيما بينها ومع الولايات المتحدة، بما يتيح اتخاذ إجراءات فعالة بحق الأفراد الذين يدعمون حماس وغيرها من الجهات التي تلجأ إلى العنف. ويمكن لهذه المعلومات أيضًا أن تساعد الحكومات في تطوير مقاربة للتعامل مع الجهات الإيديولوجية المعادية التي تنشط دون بلوغ عتبة الإرهاب القانونية. ويشمل ذلك مواجهة الخطابات التي تدفع نحو التطرف، وتعطيل أنشطة التجنيد والاستقطاب. إذ ينشط الإخوان في أوروبا منذ ستينيات القرن الماضي، حين وصلوا إليها عبر طلاب أسسوا جمعيات وروابط إسلامية داخل الجامعات.
وتعمل الجماعة في صورة شبكة عابرة للحدود، تتسم أحيانًا بالمرونة والترابط غير المحكم، وتكيّف فروعها المحلية سلوكها وفقًا لمدى التساهل الذي تتيحه البيئة التي تنشط فيها. وداخل هذه الشبكة تضطلع مجموعة من الناشطين المحليين، الذين تربطهم صلات عبر منظمات غير حكومية ووسائل إعلام ومؤسسات مجتمع مدني، بدور في تحديد توجهاتها الاستراتيجية. ولا تمثل جماعة الإخوان كيانًا موحدًا ومتماسكًا في جميع البلدان، كما يشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، حيث إنّه في أوروبا يتركز نشاطها بدرجة أكبر على الدعوة ونشر الأفكار، بينما تُعدّ حماس، الفرع الفلسطيني للجماعة في الشرق الأوسط، منظمة إرهابية، ولجأت فروع أخرى من الإخوان إلى العنف ضد إسرائيل، على النحو الموضح لاحقًا.
وعلى سبيل المثال، تنص المادة الثانية من ميثاق حماس لعام 1988 على أنّها "جناح" لجماعة الإخوان في فلسطين. وقد حُذفت هذه الإشارة من وثيقة حماس المعنونة "وثيقة المبادئ والسياسات العامة" الصادرة عام 2017، لكنّ المساعدة العملية والتنظيمية ما تزال قائمة، بحسب الكاتب. وتُظهر الملفات التي استندت إليها الولايات المتحدة لتبرير قرارات التصنيف أنّ علاقة الإخوان المسلمين بالعنف أكثر تعقيدًا ممّا يُفترض أحيانًا. وعلى الرغم من الاختلافات بين الفروع المحلية، يرى الكاتب أنّ خيطًا مشتركًا يربط أنشطة الجماعة، يتمثل في السعي إلى التأثير في توجهات المسلمين، وإضعاف ارتباطهم بالدولة الوطنية، وتعزيز الهوية الدينية داخل دوائر نفوذها. وتقدّم الجماعة الشريعة الإسلامية باستمرار باعتبارها أفضل من القوانين التي يسنّها البشر.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%860_3.jpg.webp?itok=FeVkbJLh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_12.jpg.webp?itok=tNCoiTb0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_90.jpg.webp?itok=ytL6U7PQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%865_3.jpg.webp?itok=JjKHUFRc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D8%BA%D9%84%D9%8A_3.jpg.webp?itok=v3-Jj5ND)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%861_0.jpg.webp?itok=aKF6K7yj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_10.jpg.webp?itok=3HMNhHUB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_5.jpg.webp?itok=7uGf2l1w)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_15.jpg.webp?itok=9kXH8O3k)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B43.png.webp?itok=0k55cBuV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_134.jpg.webp?itok=yj3tf4dU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B7%D9%88%D9%81%D8%A7%D9%86_2_2_1.jpg.webp?itok=zaxTGWW5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA_1.jpg.webp?itok=_8ByqYRl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_4.jpg.webp?itok=T1yEzk0R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A99.png.webp?itok=Pr0UJDCb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_4.jpg.webp?itok=PL5imNTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_39.jpg.webp?itok=zUad_I_U)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_2.png.webp?itok=zIM7ZHbc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%83%D8%A7%D8%A1_0.jpg.webp?itok=zmMt-g73)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=SXMpXSdR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_19.jpg.webp?itok=tsPUuxGM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
