
في الوقت الذي يهتز فيه قطاع غزة تحت وقع القصف، ويدرك السكان اقتراب الخطر من هدير الطائرات ودوي الانفجارات ونداءات الإخلاء، يعيش الأشخاص الصُّم الحرب في عالم بلا أصوات، فلا يسمعون الطائرة التي تحلق فوقهم، ولا الانفجار الذي يقترب، ولا التحذير الذي قد يمنح الآخرين لحظات قليلة للنجاة، فيضطرون إلى قراءة الخطر من حركة الناس وملامح وجوههم واهتزاز الأرض من حولهم.
وتتحول هذه الفجوة السمعية في لحظات القصف إلى خطر إضافي، خصوصاً داخل أماكن النزوح المكتظة أو عند غياب أفراد الأسرة القادرين على نقل المعلومات، فبينما يتحرك الآخرون استجابة لتحذير سمعوه، قد يبقى الأصم للحظات من دون معرفة ما يجري، منتظراً إشارة بصرية أو شخصاً يشرح له مصدر الخطر واتجاهه، في وقت قد تكون فيه ثوانٍ قليلة حاسمة.
ووفق اليونسيف فإنّ هناك نحو 10 آلاف طفل في غزة يعانون فقدان السمع، بينهم حوالي 5 آلاف طفل يعانون فقداناً سمعياً شديداً، وتقول المنظمة إنّ فقدان السمع الشديد يرتبط في كثير من الحالات بإصابات الحرب وتعطل الخدمات الصحية.
وأوضحت صراحة أنّ الأطفال الذين يعانون فقداناً شديداً للسمع، في ظل نقص أجهزة السمع والبطاريات، يعيشون في ظروف خطرة دون القدرة على سماع الخطر الناتج عن القصف أو التنبيهات المنقذة للحياة التي يطلقها أفراد الأسرة.
ووفق بيانات نقلتها اليونيسف عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تمثل الإعاقة السمعية نحو 20% من إجمالي الإعاقات في فلسطين.
وقدرت منظمة الصحة العالمية أنّ نحو 43 ألف شخص من أصل 172 ألف مصاب في غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 تعرّضوا لإصابات مغيرة للحياة، وهي إصابات قد تؤدي إلى إعاقات طويلة الأمد وتحتاج إلى خدمات تأهيل مستمرة.
حين يغيب الصوت يتأخر الأمان
يقول الأصم مصطفى شاهين (36 عاماً)، من حي الشيخ رضوان بمدينة غزة: إنّ الحرب جعلته أكثر اعتماداً على الأشخاص من حوله لمعرفة ما يحدث، ويوضح عبر لغة الإشارة، التي ترجمها لنا والده: "لا أسمع صوت الطائرات أو الانفجارات، ولا أعرف أنّ القصف بدأ إلا عندما أرى الناس يركضون، وفي تلك اللحظة أحاول أن أفهم ماذا حدث وأين الخطر، لكنّ الوقت يكون قصيراً".
ويضيف شاهين أنّ أصعب اللحظات تكون عندما لا يجد شخصاً يستطيع التواصل معه، قائلاً: "إذا كنت وحدي، فإنّني لا أعرف هل يجب أن أخرج من المكان أم أبقى، ولا أعرف من أين يأتي القصف، فأراقب حركة الناس وأحاول أن أفهم منهم ما يحدث، لكنني أشعر أنني دائماً متأخر عن الآخرين".
ويزداد هذا التحدي مع النزوح المتكرر الذي يفرض على الأسر تغيير أماكنها وفقدان شبكات الدعم التي يعتمد عليها الأشخاص الصم في حياتهم اليومية، ويشير شاهين إلى أنّ "وجود أحد أفراد أسرته أو شخص يعرف لغة الإشارة إلى جواره يمنحه شعوراً أكبر بالأمان، بينما يصبح غيابهم مصدراً إضافياً للقلق، لأنّه يفقد الوسيلة الأسرع لفهم ما يدور حوله".
ويكمل أنّ ما يحتاج إليه الأشخاص الصم في الحرب ليس معاملة استثنائية، وإنّما وسيلة تمكنهم من معرفة الخطر في الوقت المناسب، قائلاً: "نحن لا نسمع القصف، لكننا نشعر بالخوف منه مثل الجميع، ونريد فقط أن تصل إلينا التحذيرات والمعلومات، حتى نستطيع أن نعرف متى نهرب وأين نذهب".
ويشرح شاهين أنّ الصعوبة لا تنتهي بعد مغادرة مكان الخطر، فالوصول إلى مكان جديد يعني بالنسبة إليه البدء من الصفر في بناء وسيلة للتواصل، ويضيف: "عندما ننتقل إلى منطقة جديدة لا أعرف الأشخاص ولا أعرف من يستطيع فهم لغة الإشارة، وأحتاج إلى وقت حتى أجد من أستطيع الحديث معه، وخلال هذا الوقت أشعر أنني منفصل عمّا يحدث حولي".
ويتابع: "حتى في المراكز الطبية أو أماكن توزيع المساعدات أواجه أحياناً مشكلة في شرح ما أحتاج إليه أو فهم التعليمات، وأحاول الكتابة أو استخدام الإشارات، لكن ليس كل شخص يعرف كيف يتواصل معنا، وهذا يجعل أموراً بسيطة بالنسبة إلى الآخرين أكثر صعوبة بالنسبة إليّ، خصوصاً عندما أكون بحاجة إلى خدمة عاجلة".
ويؤكد شاهين أنّ أكثر ما يرهقه هو الشعور بالعجز عن التخطيط لحياته في ظل ظروف تتغير باستمرار، موضحاً: "لا أعرف متى سنضطر إلى الانتقال مرة أخرى، ولا ماذا سيحدث في اليوم التالي، وأحاول أن أبقى قوياً وألّا أكون عبئاً على من حولي، لكنني أحتاج إلى أن أعيش باستقلالية وأن أتمكن من فهم ما يحدث من حولي بنفسي، لا أن أنتظر دائماً شخصاً ليخبرني بما يجري".
تحذيرات لا تصل إلى الصم
ويقول أحمد شاهين والد مصطفى: إنّ ابنه لا يستطيع سماع أصوات الطائرات أو الانفجارات، ولا يدرك أحياناً بدء القصف إلا من خلال اهتزاز المكان أو رؤية الناس من حوله يفرون، موضحاً أنّ "أصعب اللحظات تكون عندما يبدأ القصف فجأة، إذ يحتاج مصطفى إلى من يشرح له سريعاً ما يحدث وأين يكمن الخطر".
ويشير شاهين (59 عاماً) إلى أنّ القصف المفاجئ يضع مصطفى أمام خطر مضاعف، لأنّه لا يسمع النداءات أو التحذيرات التي يعتمد عليها الآخرون، ويوضح: "نحاول الوصول إليه وإبلاغه بما يحدث بأسرع وقت، لكن أحياناً لا يكون هناك وقت كافٍ، خصوصاً عندما يكون القصف قريباً أو الحركة في المكان مضطربة".
وعن طريقة تنبيههم له، يوضح والده أنّهم يعتمدون على الإشارات وحركة اليدين والاقتراب منه أو لمس كتفه لجذب انتباهه، مضيفاً أنّ "الخطر يتضاعف عندما يكون بعيداً عن الأسرة، إذ لا يمكن تنبيهه عبر النداء أو الاتصال الهاتفي كما يحدث مع الآخرين".
ويشير إلى أنّ النزوح المتكرر يزيد مخاوف الأسرة، خاصة عندما يصل مصطفى إلى مكان لا يعرف فيه أحد لغة الإشارة، موضحاً أنّ "رؤية الناس يهربون دون معرفة السبب تجعله مرتبكاً، لذلك نحرص قدر الإمكان على أن يكون إلى جواره شخص يستطيع التواصل معه وشرح ما يحدث".
ويؤكد شاهين: "لا نطلب معاملة خاصة، وإنّما نريد أن تصل المعلومة إلى الأصم في الوقت نفسه الذي تصل فيه إلى الشخص السامع، لأنّ تأخر التحذير قد يعني تأخر فرصة النجاة".
خطر مضاعف وعزلة قسرية
ويرى مدير جمعية الشمس للمعاقين أمجد ثابت أنّ "الصم يواجهون خطراً مضاعفاً أثناء القصف، لأنّهم لا يسمعون أصوات الطائرات والانفجارات والتحذيرات الصوتية، ممّا يحرمهم من ثوانٍ حاسمة للاستجابة والهرب، وفي حالات عدة لم يدرك أشخاص صم بدء القصف إلا بعد رؤية الآخرين يفرون أو الشعور باهتزاز المكان، ممّا جعلهم أكثر عرضة للتأخر في الإخلاء والإصابة".
ويضيف ثابت: "قبل الحرب كانت الجمعية تقدّم خدماتها لأكثر من 120 شخصاً من الأطفال والأشخاص الصم وضعاف السمع، تشمل التعليم والتأهيل والتواصل بلغة الإشارة والدعم الاجتماعي".
ويشرح أنّه "خلال الحرب تراجعت أعداد المستفيدين القادرين على الوصول إلى الخدمات بصورة حادة، نتيجة النزوح المتكرر وتدمير أو تضرر المراكز وصعوبة التنقل وانقطاع الكهرباء والاتصالات، وأصبح كثير منهم محرومين من خدمات التعليم والتأهيل المنتظمة".
ويؤكّد أنّ "هناك نقصاً حاداً في أجهزة السمع والبطاريات وقطع الغيار وخدمات الصيانة، إلى جانب صعوبة إدخال الأجهزة أو إصلاحها في ظل ظروف الحرب، ففقدان جهاز السمع بالنسبة إلى الأصم ليس مجرد فقدان وسيلة تقنية، بل قد يعني انقطاعه عن أسرته ومدرسته ومحيطه، وتقليص قدرته على فهم ما يجري والاستجابة للطوارئ، مبيناً أنّ توقف الجهاز لفترات طويلة قد يعمّق عزلته ويؤثر على تطوره التعليمي والتواصلي".
ويشدد ثابت على ضرورة إدماج الأشخاص الصم في جميع خطط الحماية والطوارئ، وتوفير أجهزة السمع والبطاريات وقطع الغيار وخدمات الصيانة بصورة عاجلة، إلى جانب ضمان استمرار التعليم والتأهيل وخدمات لغة الإشارة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_3.jpg.webp?itok=1JQXVRZ2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%87_7.jpg.webp?itok=ElHFkX9u)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_2.jpg.webp?itok=0jQfuR3b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_7.jpg.webp?itok=PkAtehE_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84_10_6.jpg.webp?itok=8fN1jnoR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_2_1_2_0.jpg.webp?itok=p93Xsd99)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%86_76.jpg.webp?itok=49_9Dahu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_4.jpeg.webp?itok=CAuXMlOk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_2.jpg.webp?itok=ZhIFSYMU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D9%88%D8%A7%D8%B9%D8%B4_1.jpg.webp?itok=uERasG6R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A7%D9%87%D8%A7%D9%8A.jpg.webp?itok=vDZKlrI8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%85.jpg.webp?itok=rOpfP4ap)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%87%D9%8A%D9%84.png.webp?itok=wBy9RuPe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B4%D9%8A%D9%83.jpg.webp?itok=guPYxGvp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D9%85%D9%8A.jpg.webp?itok=OIS5SU94)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1_12.jpg.webp?itok=IZ6ZBjOJ)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D8%B3%D9%8A.jpg.webp?itok=3W9B1XtB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86_10.jpg.webp?itok=lZKGjScW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_1.jpg.webp?itok=l-buhOgN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
