
لم تكن الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وليدة لحظتها السياسية المباشرة؛ بل جاءت تتويجاً لتحوُّلات فكرية متراكمة أعادت صياغة علاقة الدين بالمجتمع والسلطة، ونقلت الخطاب الديني من أفق الإصلاح إلى الاحتجاج، وصولاً إلى إعادة طرح سؤال السلطة من داخل الدين. وفي هذا السياق، يتتبّع الباحث المتخصص بالشأن الإيراني، حارث أبو بديوي، في مقال تحليلي منشور له في معهد "السياسة والمجتمع" بعنوان "من الأفغاني إلى شريعتي.. قراءة في تكوّن المجال الفكري الإيراني"، الصيرورة الفكرية والشخصيات المفصلية التي أسهمت، على امتداد قرن، في تشكيل الوعي الإيراني الحديث، وانتهاء بلحظة الثورة وتأسيس الدولة.
وبحسب قراءة أبو بديوي، فإنّ المجال الفكري الإيراني الحديث لم يتشكل دفعة واحدة مع الثورة الإسلامية، كما لم يكن نتاجاً خالصاً للمؤسسات الدينية في قم ومشهد وطهران، وإنّما تبلور عبر طبقات متراكمة من الإصلاح والاحتجاج وإعادة تفسير الدين.
ويضع الباحث، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعلي شريعتي، في مسار فكري واسع، مع التوقف عند الإرث الصفوي وتطور موقع الفقيه بوصفه خلفيّة أقدم لفهم التحوُّل الذي ستشهده إيران لاحقاً.
الأفغاني... بداية السؤال الإصلاحي
يبدأ أبو بديوي من شخصية جمال الدين الأفغاني، الذي يقول إنّ الدراسات المرجعية ترجّح أنّه إيراني المولد والنشأة الأولى، وأنّه ولد في أسد آباد داخل بلاد فارس، فيما عُرف في الأدبيات الإيرانية باسم سيد جمال الدين أسد آبادي، ويرى الكاتب أنّ تبنّي الأفغاني الانتساب إلى أفغانستان كان، على الأرجح، جزءاً من قدرته على التحرُّك في الفضاء الإسلامي الأوسع، بعيداً عن حساسيّات الانتماء المذهبي.
ولا يقدّم أبو بديوي، الأفغاني، بوصفه صاحب نسق فقهي مكتمل، وإنّما يراه موقظاً للأسئلة الكبرى؛ إذ تمثلت قوّته في التحريض على النهوض ومقاومة الاستبداد والاستعمار أكثر من تأسيس منظومة فقهية مغلقة؛ وبهذا ارتبط أثره بما يصفه الكاتب بـ "الإيقاظ السياسي" للإيرانيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وفي علاقته بإيران القاجارية، يبرز البُعد السياسي لهذا الإصلاح؛ فقد ارتبط الأفغاني بعلاقة متوترة مع ناصر الدين شاه، معارضاً الاستبداد والارتهان للقوى الأجنبية، قبل أن يُغتال الشاه عام 1896 على يد ميرزا رضا كرماني، الذي عُرف بتأثره بالأفغاني. ولا يقصد الكاتب اختزال مشروع الأفغاني في حادثة الاغتيال، وإنّما يستدل بها، وفق تحليله، على أنّ إصلاحه لم يكن منفصلاً عن سؤال السلطة، وأنّ نقد الاستبداد اقترب في بعض لحظاته من إرادة التغيير السياسي.
عبده وانتقال الفكرة إلى صيغة إصلاحية
يتجاوز محمد عبده، بحسب أبو بديوي، حدود التلمذة التقليدية للأفغاني، ليتحوّل إلى شخصية أعادت توجيه ذلك القلق الفكري نحو مسار إصلاحي مختلف؛ فبينما كان الأفغاني أكثر اشتعالاً وحركة واحتكاكاً مباشراً بالسلطة، اتجه عبده بدرجة أكبر إلى البناء الإصلاحي؛ إصلاح التعليم، وتحرير الاجتهاد، ومراجعة طرائق فهم الدين، والدفاع عن الإسلام بلغة تستوعب العصر من دون أن تنكسر له، وبهذا انتقلت أسئلة أثارها الأفغاني إلى المجال المصري، واكتسبت هناك صياغة أكثر اتزاناً ومنهجية.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية أبعد من حدود تجربة الرجلين؛ لأنّها تكشف، وفق الكاتب، أنّ حركة الأفكار لم تكن تسير داخل حدود وطنية أو مذهبية مغلقة؛ فجمال الدين الأفغاني، الذي ترجح الدراسات التي يعتمد عليها أبو بديوي إيرانيّته، حمل أسئلته إلى المجال الإسلامي الأوسع، ومنها مصر، حيث أعاد عبده صياغة جانب منها ضمن مشروع إصلاحي مختلف.
وبذلك، لا يصبح تاريخ الفكر الإيراني الحديث تاريخاً داخلياً خالصاً، بل يصبح جزءاً من حركة "ذهاب وإياب"، وفق وصف أبو بديوي، بين إيران ومصر والنجف وإسطنبول وغيرها من مراكز المجال الإسلامي والمشرقي، وتصبح العلاقة بين الأفغاني وعبده واحدة من الحلقات التي تكشف هذا التداخل؛ فالسؤال الذي خرج من المجال الإيراني مع الأفغاني لم يبقَ على صورته الأولى، وإنّما أعيدت صياغته في مصر، ثم دخلت هذه الصياغات لاحقاً في دوائر النقاش الإيراني ضمن سياقات مختلفة.
الإرث الصفوي وسؤال الفقيه
غير أنّ الكاتب يرى أنّ خصوصية إيران تكمن في ثقل بنيتها التاريخية والمذهبية؛ فالدولة القاجارية المضطربة، والمركز الديني المرتبط بالنجف وسامراء، والتقاليد الإمامية، إلى جانب الإرث الصفوي الذي جعل العلاقة بين المذهب والدولة جزءاً من بنية التاريخ الإيراني، كلّها عوامل جعلت الإصلاح الديني أكثر التصاقاً بسؤال السلطة.
وفي هذا السياق، يعود أبو بديوي إلى العصر الصفوي، حين سعت الدولة إلى ترسيخ التشيع الاثني عشري ديناً للدولة، مستحضرة عدداً من علماء جبل عامل، ومن أبرزهم المحقق علي بن عبد العال الكركي.
ويرى الكاتب أنّ الكركي أسهم في توسيع وظائف الفقيه وربطها بالشرعية الصفوية، لكنّ ولايته، وفق هذا التحليل، لم تكن مساوية للولاية المطلقة التي ستظهر في الفكر الخميني؛ فقد ارتبطت بوظائف دينية وقضائية وشؤون عامة ضمن نطاق محدد.
ومن هنا يُحذّر أبو بديوي من اختزال المسافة بين الكركي والخميني في مسار تطوري مستقيم؛ ففي تقديره، تكمن النقلة الأساسية في انتقال الولاية من وظيفة فقهية محدودة إلى نظرية سيادة سياسية شاملة مع الخميني، ثم تبلورت في صيغة الولاية المطلقة التي تجعل الفقيه في موقع مركزي من الدولة والمجال العام.
شريعتي... من إصلاح الدين إلى تعبئة التشيع
مع علي شريعتي، يصل المسار الذي يتتبعه الباحث إلى نقطة انعطاف أساسية؛ فشريعتي، وفق أبو بديوي، ليس امتداداً حرفياً للأفغاني أو لمحمد عبده، لكنّه وريث لذلك القلق الإصلاحي، وقد أعاد صياغته بما يتلاءم مع إيران القرن العشرين، مستخدماً مفردات العدالة والاستعمار والاغتراب والهوية والشهادة وكربلاء.
ويضع أبو بديوي، شريعتي، بين أبرز المثقفين الذين أسهموا في التمهيد الفكري للثورة الإيرانية، لا لأنّه دعا إلى الثورة فحسب، وإنّما لأنّه أعاد تأويل التشيُّع نفسه؛ فقد طرح مفهوم "التشيُّع الأحمر" في مواجهة ما اعتبره "تشيُّعاً أسود" ساكناً، محوّلاً كربلاء والشهادة من رموز للذاكرة والطقس إلى عناصر في خطاب الاحتجاج والفعل الاجتماعي.
وبحسب أبو بديوي، تجاوز تأثير شريعتي الحوزات إلى الجامعات والمدن والطبقات الوسطى؛ لأنّه قدّم للشباب الإيراني لغة دينية تتفاعل مع أسئلة الاستعمار والعدالة والاغتراب والهوية، وهكذا لم يعد التشيُّع مجرد تقليد مذهبي أو ذاكرة مظلومية، فقد غدا، في تأويل شريعتي، وسيلة لفهم الواقع وتغييره.
وهنا يحدد الباحث الفارق بين المراحل الثلاث: الأفغاني سعى إلى إيقاظ المسلمين ومقاومة الاستبداد والاستعمار، ومحمد عبده اتجه إلى إصلاح فهم الدين وأدواته، بينما حاول شريعتي جعل الدين نفسه قوة تعبئة ثورية؛ وبذلك، انتقل السؤال من إصلاح الدين إلى إصلاح التاريخ عبر الدين.
حين أصبح الإصلاح سؤال دولة
تنتهي قراءة أبو بديوي إلى اللحظة الخمينية، حين انتقل سؤال سلطة الفقيه من المجال الفكري إلى مجال الشرعية السياسية، وهنا يرى أنّ المسار الطويل، من الإصلاح إلى إعادة تأويل التشيُّع، انتهى إلى تحويل جزء من هذا الإرث إلى مشروع ثوري ودولة ذات شرعية دينية.
لكنّ السؤال الذي يظل مفتوحاً، بحسب الكاتب، يتصل بما حدث لهذا الإرث الفكري عندما غادر مجال الجدل ودخل حيّز السلطة؛ فالتاريخ الفكري الإيراني، في هذه القراءة، هو أيضاً صراع حول من يملك حق تمثيل التاريخ باسم الدين، ومع انتقال هذا الصراع إلى الدولة، لم يعد الإصلاح الديني منفصلاً عن أسئلة الثورة والحكم والشرعية، وهي أسئلة يرى أبو بديوي أنهّا ما تزال حاضرة حتى اليوم.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%A7_0_0.png.webp?itok=BsM4Iq_v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_6.jpg.webp?itok=EsVeCQX5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D8%A7_2_0.jpg.webp?itok=gEEoXs-V)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_11.jpg.webp?itok=9L9S_2wV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_0.jpg.webp?itok=N_aCWXGK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_2.jpeg.webp?itok=Ng4oI5y5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_6.jpg.webp?itok=-FQICele)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_2.jpg.webp?itok=mV34BdbS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%87_6.jpg.webp?itok=ZCrxB8qM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1_22_0_1.jpg.webp?itok=RcLnwTah)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D9%89_3.png.webp?itok=ENLd8V9t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_177.jpg.webp?itok=9nox5R_K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%A7_4_3_0.jpg.webp?itok=xQv18Phv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D8%B3%D9%8A.jpg.webp?itok=3W9B1XtB)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_1.jpg.webp?itok=l-buhOgN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86_10.jpg.webp?itok=lZKGjScW)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
