كيف صنع الإخوان نفوذاً في ماليزيا؟ دراسة حديثة تجيب

كيف صنع الإخوان نفوذاً في ماليزيا؟ دراسة حديثة تجيب

كيف صنع الإخوان نفوذاً في ماليزيا؟ دراسة حديثة تجيب


15/09/2026

تبحث دراسة "الإخوان المسلمون في ماليزيا: الجذور الفكرية والتكيّف المحلي والتناقضات البنيوية وأفول الوظيفة السياسية"، الصادرة حديثاً عن مركز "تريندز للبحوث والاستشارات" في 13 أيلول/سبتمبر الجاري، للباحثة بدرية الريامي، في كيفية انتقال المرجعية الإخوانية إلى البيئة الماليزية، وحدود تأثيرها في المجالين السياسي والاجتماعي، وما الذي يحدث للأفكار العابرة للحدود عندما تنتقل إلى دولة وطنية متعددة الأعراق والأديان.

وتنطلق الدراسة من حقيقة أساسية مفادها أنّ ماليزيا لا تضم امتداداً تنظيمياً مباشراً لجماعة الإخوان المسلمين، إلا أنّ الحضور الإخواني ظهر، بحسب الدراسة، على المستوى الفكري والتربوي من خلال قنوات تعليمية ودعوية وشبكات شبابية، وأسهم في تشكيل بعض ملامح الإسلام السياسي الماليزي لدى عدد من الفاعلين، ومن بينهم حركة الشباب الإسلامي الماليزية (ABIM) والحزب الإسلامي الماليزي (PAS). ومن ثم، لا تتعامل الدراسة مع الحالة الماليزية باعتبارها فرعاً تنظيمياً للإخوان، وإنّما باعتبارها حالة لانتقال مرجعية فكرية وحركية إلى سياق وطني مختلف.

كيف انتقلت الفكرة؟

تضع الدراسة عملية انتقال المرجعية الإخوانية إلى ماليزيا في قلب بحثها، وتسأل عن العوامل التاريخية والاجتماعية التي هيأت البيئة الماليزية لاستقبال هذا التأثير، والقنوات التي انتقلت عبرها الأفكار والنماذج الحركية، ثم الكيفية التي ظهرت بها هذه التأثيرات في المجالات السياسية والاجتماعية والفكرية.

ولا تقف الدراسة عند سؤال التأثير وحده، وإنّما تنتقل إلى اختبار ما إذا كان انتقال الأفكار الإخوانية إلى ماليزيا قد أدى إلى إنتاج نموذج محلي جديد، أم إلى إعادة إنتاج المشروع الإسلاموي نفسه داخل بيئة مختلفة.

ولهذا تركز الدراسة على مجموعة من المفاهيم التي ترى أنّها تكشف طبيعة هذا الانتقال وحدوده، وفي مقدمتها "عالمية المشروع"، والعلاقة بين الدين والسياسة، ومفهوم الشورى وعلاقته بالديمقراطية، وتصوّر الدولة الإسلامية، إضافة إلى قضية المرأة، ثم تبحث في المآلات المستقبلية لهذا التيار في ضوء المتغيرات المحلية والإقليمية.

منهج متعدد المستويات

تعتمد الدراسة منهجاً نوعياً متعدد المستويات، يجمع بين التتبع التاريخي لتطور السياق الماليزي، والتحليل الوصفي والتفسيري لخطابات الفاعلين الإسلاميين، والتحليل النقدي للتوترات التي تظهر عند انتقال الأفكار من المجال النظري إلى الممارسة، إلى جانب المقارنة بين أنماط الإسلام السياسي داخل ماليزيا.

وتكمن أهمية هذا المنهج في أنّ الدراسة لا تنظر إلى الإسلاموية الماليزية باعتبارها ظاهرة منفصلة عن سياقها، ولا تفترض أنّ الأفكار التي نشأت في بيئة عربية يمكن أن تنتقل إلى بيئة آسيوية متعددة الخصائص من دون أن تتغير. 

PAS في قلب الاستنتاج

يتمحور الاستنتاج الرئيس للدراسة حول الحزب الإسلامي الماليزي (PAS)، إذ ترفض الدراسة النظر إلى الإسلاموية الماليزية بوصفها مجرد "حالة تكيف محلي" لفكر الإخوان المسلمين.

وترى أنّ الحالة التي يمثلها PAS أكثر تعقيداً؛ فهي، بحسب الدراسة، نموذج لإعادة إنتاج الإسلاموية داخل الدولة الوطنية من خلال آليات انتقائية وبراغماتية. وتذهب إلى أنّ هذا التكيف لا يؤدي إلى إزالة التناقضات النظرية للمشروع، بل ينتج صيغة تجمع بين الانتقائية في الممارسة واستمرار بعض عناصر الخطاب الإيديولوجي الشامل.

وتصف الدراسة النتيجة التي تصل إليها بأنّها "إشكالية"؛ لأنّ آليات التكيّف المحلية، في تصورها، لا تنهي التوتر بين المرجعية الفكرية والممارسة السياسية، وإنّما تعيد إنتاجه داخل البيئة الجديدة. وبذلك يصبح السؤال، ليس ما إذا كان PAS قد تكيّف مع ماليزيا فحسب، وإنّما ما إذا كان هذا التكيّف قد أحدث تحولًا حقيقيًا في طبيعة المشروع الإسلاموي نفسه.

خطاب عابر للحدود وممارسة محلية

ترى الدراسة أنّ أحد أبرز ملامح التجربة يتمثل في وجود بنية خطابية وسياسية مزدوجة.

فمن ناحية، يستند الخطاب الإيديولوجي إلى مرجعيات عابرة للحدود، وتحديداً مرجعيات مرتبطة بالفكر القطبي والإخواني. ومن ناحية أخرى، تعمل الحركة داخل دولة وطنية، وتتعامل مع مؤسساتها وقواعدها السياسية، وتخضع لمقتضيات التحالف والمساومة والممارسة السياسية المحلية.

وهذه الثنائية هي جوهر تفسير الدراسة للتناقض البنيوي الذي تراه في التجربة، فهي لا تعتبر الفرق بين الخطاب والممارسة مجرد صورة من صور المرونة السياسية، بل ترى أنّه يعكس مشكلة أعمق داخل المشروع الإسلاموي نفسه: كيف يمكن لمشروع ذي مرجعية تتجاوز الدولة الوطنية أن يعمل سياسياً داخل دولة وطنية تعددية، وأن يشارك في نظام سياسي يقوم على التنافس والتحالف والتفاوض؟

وبحسب الدراسة، فإنّ الانتقال إلى المجال السياسي لا يلغي المرجعية الإيديولوجية، وفي الوقت نفسه تفرض الممارسة السياسية تعديلات وانتقائية على الخطاب، ومن هنا تنشأ حالة الازدواج التي ترى الدراسة أنّها لم تُحسم في التجربة الماليزية.

الشورى والديمقراطية... أحد اختبارات التكيّف

تضع الدراسة العلاقة بين الشورى والديمقراطية ضمن الأسئلة التي تختبر من خلالها التناقضات الناتجة عن انتقال المرجعية الإخوانية إلى السياق الماليزي.

فالديمقراطية، في هذه الحالة، ليست مجرد آلية انتخابية يمكن للحركات الإسلامية استخدامها للوصول إلى المجال السياسي؛ إذ تطرح الدراسة سؤالاً أوسع حول مدى انسجام الأدوات الديمقراطية مع التصورات الفكرية التي تنطلق منها الحركات الإسلاموية بشأن طبيعة السلطة والدولة والمجتمع.

ومن هنا يأتي اهتمام الدراسة بالفارق بين المشاركة في المؤسسات الديمقراطية وبين التحول إلى فاعل ديمقراطي مستقر، وتخلص إلى أنّ المشاركة السياسية، في حد ذاتها، لا تكفي لإثبات أنّ المشروع الإسلاموي أصبح متوافقًا بصورة كاملة مع الديمقراطية، لأنّ المعيار الذي تستخدمه الدراسة يتعلق أيضًا بالمرجعيات النظرية التي تحكم تصور الدولة والسلطة.

الدولة الإسلامية والمرأة

تختبر الدراسة كذلك تصور "الدولة الإسلامية" وموقع المرأة ضمن منظومة القضايا التي تكشف حدود التكيّف مع البيئة الماليزية، ويكتسب ذلك أهمية خاصة في حالة ماليزيا، التي تصفها الدراسة بأنّها دولة وطنية تعددية ومعقدة، وبالتالي فإنّ انتقال مشروع سياسي يقوم على مرجعية إسلامية شاملة يثير أسئلة تتعلق بطبيعة الدولة، والعلاقة بين الدين والسياسة، وحدود المشروع الديني في مجتمع متعدد.

ولا تقدّم الدراسة هذه القضايا باعتبارها ملفات منفصلة، وإنّما تربطها بالسؤال المركزي المتعلق بقدرة الإسلاموية على الانتقال من خطاب ذي مرجعية شاملة إلى ممارسة سياسية داخل دولة وطنية.

ومن هذا المنظور، تصبح قضية المرأة جزءًا من اختبار أوسع للكيفية التي تتعامل بها الحركة مع البيئة الاجتماعية والسياسية المحلية، وليس مجرد قضية مستقلة في خطابها.

هل نجح التكيّف أم أعاد إنتاج الأزمة؟

تصل الدراسة في تحليلها إلى نتيجة واضحة: التكيّف المحلي لم يؤدِّ، في تقديرها، إلى تجاوز التناقضات البنيوية للمشروع الإسلاموي، وتذهب إلى أنّ الإسلاموية في ماليزيا، كما تتجسد في PAS، تستخدم آليات انتقائية وبراغماتية تسمح لها بالعمل داخل الدولة الوطنية، لكنّ هذه الآليات لا تقود بالضرورة إلى تحول فكري كامل. ولذلك ترى الدراسة أنّ الخطاب يحتفظ بعناصر إيديولوجية عابرة للحدود، في حين تتحرك الممارسة وفق اعتبارات الدولة والتحالف والمساومة.

ومن ثم، فإنّ التناقض لا يختفي، وإنّما يعاد إنتاجه في صورة جديدة. وهنا تحديداً تختلف الدراسة مع تفسير يمكن أن يرى في التكيّف الماليزي نجاحاً للإسلاموية في الانتقال من الإيديولوجيا إلى السياسة؛ إذ تعتبر أنّ الانتقال ذاته أنتج مشكلة جديدة، لأنّ الحركة أصبحت مطالبة بالعمل وفق قواعد الدولة الوطنية، من دون أن تحسم بصورة نهائية التوتر بين هذه القواعد ومرجعيتها الفكرية.

أفول الوظيفة السياسية

يقود هذا الاستنتاج إلى الجزء الأخير من عنوان الدراسة: "أفول الوظيفة السياسية". فالدراسة لا تقول إنّ الإسلاموية الماليزية اختفت، وإنّما تربط مستقبلها بقدرتها على التعامل مع التناقضات التي أفرزتها تجربتها داخل الدولة الوطنية. وتعتبر أنّ المشكلة الأساسية تكمن في قدرة المشروع على الانتقال من حالة الحضور الإيديولوجي والسياسي إلى مشروع حكم مستقر وقابل للاستدامة.

ولهذا تذهب الدراسة إلى أنّ مستقبل هذا التيار لا تحكمه فقط قدرته على الحفاظ على حضوره السياسي، وإنّما قدرته على تجاوز التناقضات بين مرجعيته الإيديولوجية ومقتضيات الممارسة السياسية.

وتخلص الدراسة إلى أنّ هذه التناقضات لم تُحسم في التجربة الماليزية، وأنّ المستقبل، وفق رؤيتها، سيظل محكومًا بإعادة إنتاجها أكثر من تجاوزها. وهي نتيجة تعود إلى الاستنتاج المركزي للدراسة: الإسلاموية الماليزية ليست مجرد نسخة محلية من الإخوان المسلمين، لكنّها أيضاً لم تنفصل بالكامل عن المرجعيات الفكرية التي أثرت فيها؛ بل أعادت إنتاجها داخل شروط الدولة الوطنية من خلال مزيج من الانتقائية والبراغماتية، مع بقاء ما تعتبره الدراسة طابعًا شموليًا وإقصائياً في الخطاب.

وبذلك تقدّم الدراسة الحالة الماليزية باعتبارها اختباراً لحدود انتقال الإسلاموية عبر الحدود: فانتقال الأفكار لا يعني انتقال التنظيم، والتكيّف مع السياق المحلي لا يعني بالضرورة تحولًا فكريًا، والمشاركة في السياسة الديمقراطية لا تعني تلقائيًا تحول الحركة إلى فاعل ديمقراطي مستقر. وفي الحالة التي تدرسها، ترى الباحثة أنّ هذه المسارات الثلاثة أنتجت صيغة هجينة لم تحسم التوتر بين المرجعية العابرة للحدود ومتطلبات الدولة الوطنية، وهو ما يفسر، في قراءة الدراسة، استمرار التناقضات التي تحكم مستقبل الإسلاموية في ماليزيا.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية