
لم يكن توظيف الدين في تجربة جماعة الإخوان المسلمين مجرد حضور دعوي موازٍ لنشاطها السياسي، بل ارتبط منذ نشأة التنظيم بتصور أوسع أراد من خلاله مؤسس الجماعة حسن البنا أن يجعل الدين إطارًا جامعًا للحركة الاجتماعية والسياسية والتنظيمية.
ووفق ما عرضه تقرير لبرنامج «الساعة 6» على شاشة «الحياة»، فإن الجماعة اعتمدت على توظيف الدين لخدمة أهداف سياسية وتنظيمية، وربطت بين النشاط الدعوي وبين بناء قاعدة قادرة على دعم مشروعها في الوصول إلى السلطة.
وتكمن أهمية هذه الفكرة في أن المسجد لم يكن بالنسبة إلى الجماعة مجرد فضاء للعبادة، وإنما تحول إلى إحدى الأدوات التي يمكن من خلالها نشر الأفكار واستقطاب الأفراد وجمع التبرعات وبناء الحضور التنظيمي. ويشير التقرير إلى أن هذا الاستخدام جاء في إطار تصور أيديولوجي ارتبط بتأسيس الجماعة، بما جعل الخطاب الديني جزءًا من عملية بناء التنظيم وليس نشاطًا منفصلًا عنه.
وتتجاوز القضية كذلك حدود استخدام المنابر والمساجد، إذ يتناول التقرير توظيف مفاهيم دينية بصورة انتقائية في سياقات التحريض والعمل السياسي والعنف، مع التركيز على مفاهيم مثل الحاكمية والجهاد، مقابل تهميش قيم التسامح والتعايش.
الدين كمدخل لبناء التنظيم
ارتبط تأسيس جماعة الإخوان منذ بدايته بمحاولة بناء تنظيم يتجاوز النشاط الوعظي التقليدي، من خلال إقامة شبكة واسعة من الأفراد والمؤسسات والأنشطة التي تسمح للجماعة بالانتشار داخل المجتمع. ووفق ما أورده تقرير صحيفة «الوطن»، فقد جرى التعامل مع الدين باعتباره أداة سياسية رئيسية تساعد على تحقيق أهداف الجماعة التنظيمية والسياسية، وهو ما جعل الدعوة جزءًا من مشروع أوسع وليس غاية منفصلة بذاتها.
وفي هذا السياق، احتلت المساجد موقعًا مهمًا في نشاط الجماعة، فالمسجد يوفر مساحة تجمع اجتماعيًا واسعة، ويمنح الخطاب الديني قدرة كبيرة على الوصول إلى شرائح مختلفة من المجتمع، ولذلك أصبح استخدامه بالنسبة إلى التنظيم وسيلة للتواصل والاستقطاب وبناء العلاقات. ويشير التقرير إلى أن الجماعة استخدمت المساجد للدعوة والتجنيد وجمع التبرعات تحت شعارات دينية.
ويكشف هذا الأسلوب عن العلاقة الوثيقة التي نشأت بين الخطاب الديني والعمل التنظيمي، فكلما اتسعت دائرة المتلقين، أمكن تحويل التأثير الدعوي إلى روابط تنظيمية، ومن ثم إلى قاعدة بشرية يمكن توجيهها وفق أهداف الجماعة.
وتزداد خطورة هذا التداخل عندما يصبح الانتماء إلى التنظيم مرتبطًا في وعي بعض الأفراد بالانتماء إلى الدين نفسه. ففي هذه الحالة يمكن أن يتحول الاختلاف مع الجماعة إلى خلاف يبدو، في الخطاب الموجه إلى الجمهور، وكأنه اختلاف مع مرجعية دينية، وهو ما يمنح التنظيم قدرة إضافية على حماية صورته وتحصين مواقفه أمام النقد السياسي.
وهنا تظهر إحدى أبرز الإشكاليات التي يطرحها نموذج الإخوان كما عرضه التقرير: الفصل بين الدعوة والتنظيم السياسي لا يعود واضحًا، بينما يصبح الخطاب الديني وسيلة لتوسيع المجال السياسي للجماعة.
ومع انتقال الدين من مساحة الإرشاد إلى أداة تعبئة واستقطاب، تتغير وظيفة الخطاب نفسه، ويصبح جزءًا من عملية بناء القوة السياسية والتنظيمية.
الحاكمية والجهاد.. انتقاء المفاهيم في خدمة الصراع
لا يقف توظيف الدين، بحسب التقرير، عند حدود المساجد والدعوة والتجنيد، وإنما يمتد إلى طريقة تقديم المفاهيم الدينية للجمهور. ويشير التقرير إلى اعتماد الجماعة على توظيف النصوص الدينية بصورة انتقائية، مع تضخيم مفاهيم مثل الحاكمية والجهاد، مقابل تهميش قيم التسامح والتعايش.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن المفهوم الديني عندما يُنتزع من سياقه الكامل ويقدم باعتباره مبررًا لموقف سياسي محدد، يمكن أن يتحول إلى أداة تعبئة. فبدل أن يكون النص الديني مجالًا للفهم المتعدد والاجتهاد، يصبح في هذه الحالة وسيلة لإنتاج موقف واحد، ثم تقديم هذا الموقف باعتباره امتدادًا مباشرًا للدين.
ويؤدي هذا الأسلوب إلى تضييق مساحة الاختلاف. فإذا جرى تقديم قضية سياسية باعتبارها قضية دينية، فإن معارضتها قد تُصور باعتبارها موقفًا ضد الدين نفسه، وهو ما يرفع تكلفة النقد ويجعل الحوار السياسي أكثر صعوبة. ومن هنا تتحول المرجعية الدينية إلى عنصر في الصراع السياسي بدل أن تكون مجالًا مستقلًا عنه.
أما استخدام مفهوم الجهاد في سياقات التحريض والعنف، كما أشار التقرير، فيمثل انتقالًا أكثر خطورة، لأن المفهوم الديني يمكن أن يخضع لإعادة تفسير تخدم أهدافًا تنظيمية، وتوفر غطاءً فكريًا لممارسات لا تتصل بالعبادة أو العمل الدعوي وإنما بالصراع السياسي والعمل المسلح.
وتشير هذه الآلية إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في المفاهيم التي يجري استخدامها، وإنما في طريقة اختيارها وتقديمها للجمهور. وعندما يتم التركيز على مفاهيم الصدام وإقصاء قيم التعايش والتسامح، فإن الخطاب الديني يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى خطاب تعبئة، ويصبح قادرًا على إنتاج بيئة فكرية تساعد على تقبل التطرف.
التحريض وإنتاج بيئة التطرف
يربط التقرير بين توظيف الدين وبين ممارسات التحريض وإثارة الثورات والعمل المسلح، معتبرًا أن الجماعة استخدمت الخطاب الديني في سياقات مرتبطة بالعنف.
وتكتسب هذه النقطة أهميتها من كون التحريض لا يبدأ بالضرورة بالدعوة المباشرة إلى العنف، وإنما قد يسبقه بناء خطاب يقسم المجتمع إلى معسكرات، ويقدم الخصومة السياسية باعتبارها صراعًا بين الحق والباطل.
وعندما يصبح الخصم السياسي جزءًا من تعريف ديني للصراع، فإن مساحة التفاهم تضيق، لأن الخلاف لم يعد حول برنامج أو سياسة أو انتخابات، وإنما يتحول إلى مواجهة ذات طابع عقائدي. وفي هذه الحالة يمكن للخطاب السياسي أن يستفيد من قوة المشاعر الدينية لتعبئة الجمهور وإعادة تعريف الخصوم.
كما أن الانتقائية في تقديم النصوص تساهم في تكوين صورة أحادية عن الدين، فإذا جرى تضخيم النصوص والمفاهيم التي تتحدث عن الصراع، بينما يجري تهميش قيم التسامح والتعايش، فإن المتلقي يتلقى صورة غير متوازنة يمكن أن تؤثر في نظرته إلى المجتمع والآخر المختلف معه.
ويحذر التقرير من النتائج التي يمكن أن تترتب على هذا النهج، معتبرًا أنه ساهم في إنتاج وعي مشوه لدى بعض المتلقين، وفتح المجال أمام بيئة خصبة لتفشي الأفكار المتطرفة. وهذه النتيجة تكشف أن توظيف الدين لا يبقى محصورًا في حدود التنظيم نفسه، بل يمكن أن تنتقل آثاره إلى البيئة الاجتماعية المحيطة به.
وبذلك يصبح التحريض جزءًا من سلسلة تبدأ بتوظيف المرجعية الدينية، ثم تحويلها إلى خطاب تعبئة، ثم استخدام هذا الخطاب في الصراع السياسي، وصولًا إلى تبرير العنف أو خلق المناخ الفكري الذي يسمح بانتشاره. وكلما تراجعت الحدود بين الدعوة والعمل التنظيمي والسياسي، ازدادت قدرة الخطاب المتشدد على التأثير في الجمهور.
حين يصبح الدين غطاءً لمشروع السلطة
هذا ولا يتعلق توظيف الدين سياسيًا فقط باستخدام شعارات أو عبارات دينية في الخطاب العام، وإنما ببناء علاقة تجعل المرجعية الدينية جزءًا من آليات التنظيم والتعبئة والحشد. وهذا ما يفسر أهمية العودة إلى تجربة الإخوان عند دراسة العلاقة بين الخطاب الديني والعمل السياسي، خصوصًا عندما يصبح الهدف النهائي هو الوصول إلى السلطة وتحقيق أهداف تنظيمية.
ووفق «الوطن»، فإن هذا المسار بدأ مع تصور جعل الدين أداة سياسية رئيسية، ثم امتد إلى المساجد والدعوة والتجنيد وجمع التبرعات، قبل أن ينتقل إلى استخدام مفاهيم دينية في التحريض والصراع والعنف. وتكشف هذه المراحل عن تداخل واضح بين المجال الديني والمشروع التنظيمي.
المشكلة الأساسية في هذا النموذج تتمثل في تحويل المقدس إلى وسيلة لإسناد مشروع بشري قابل للنقد والمراجعة. فالعمل السياسي بطبيعته يخضع للمحاسبة والاختلاف وتبدل المواقف، بينما يمنح إلباس المواقف السياسية ثوبًا دينيًا التنظيم قدرة على تقديم خياراته باعتبارها أكثر من مجرد برامج سياسية.
ويؤدي هذا التداخل أيضًا إلى إعادة تشكيل علاقة الفرد بالمجتمع والدولة والخصوم السياسيين. فبدل أن تكون المواطنة هي الإطار الجامع، يمكن أن يصبح الانتماء إلى التنظيم هو معيار القرب والبعد، بينما يتحول الخلاف السياسي إلى اختبار للولاء الفكري والديني.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_0.jpeg.webp?itok=pOj_zz6V)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_24_0_0_0.jpg.webp?itok=_8GVUFtm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86_6_2_0_4_1_0.jpg.webp?itok=3BWgxlXr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%AA%D9%8A_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=BPVEcBqw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%A7%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D8%A8_0_0.png.webp?itok=JmXKBBAU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1591977953393945200_0_0_0_0.jpg.webp?itok=wJPMbiER)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A5%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%20%D9%8A%D9%82%D8%AA%D8%B1%D8%AD%D9%88%D9%86%20%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9%20%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86%20%D9%84%D8%AD%D8%B8%D8%B1%20%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%82%D8%B9%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%83%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A9_1.jpg.webp?itok=A9BdK_zM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0_0.jpg.webp?itok=Ch-mrl3u)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%A6_0.jpg.webp?itok=TYlXPcoT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_2_0.png.webp?itok=M3unTI3i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_10_0.jpg.webp?itok=6-BCnQiw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31_0.png.webp?itok=aWbKcAYD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4%20_0_0.jpg.webp?itok=uoeFySPp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_3.jpg.webp?itok=ZtcTiEs_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%86_19_0_0_0_0.jpg.webp?itok=_tJT6dEv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_5_0_3.jpg.webp?itok=3aAe4Gpw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/188-160100-175426-0_700x400_0_0_1_1_2.jpg.webp?itok=VJeqzj3Z)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%83_1_0_0.jpg.webp?itok=0mP0eL9Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3_22_4_0.jpg.webp?itok=MvMKGF4p)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
