
في كل ثقافة ومجتمع، هناك عموماً ما يمكن أن نسميه شكلاً من الاتفاقات أو التواضعات الثقافية، التي يمكن أن تكون نتاج اتفاق ضمني أو صريح أو هما معاً. وهي في الغالب تُبنى على العرف والعادة والتقليد الاجتماعي والثقافي والديني والسياسي وغيره. هذه الاتفاقات توضح ما هو مقبول وما هو غير مقبول معيارياً في مجتمع أو ثقافة ما، أي أنّها نوع من التقييم المعياري الذي يخضع أوّلاً وأخيراً لمنطق سطره وحدده بالدرجة الأولى تاريخ الثقافة المجتمعية لمجتمع ما. وجدير بالذكر أنّ عملية التوصيف حول المقبول والمرفوض المتفق عليه ثقافياً، بمعنى ما، تحمل إلزامية ضمنية تحايث كل سلوكاتنا اليومية. والإلزام هنا يستمد شرعيته من عملية الاتفاق المؤسس لهذا العرف أو التقليد الثقافي. إنّ الأمر إذن يتعلق هنا بالمقاربة المعيارية التي تعتمدها جلّ الثقافات، غير أنّ الوعي بها يختلف من ثقافة إلى أخرى.
الفرق ما بين الواقعة والقيمة
المقاربة المعيارية تشير، بشكل خاص، إلى الفرق ما بين الواقعة والقيمة؛ أي مثنوية الواقعة والقيمة وطبيعة أو نمط العلاقة بينهما، وهو أمر ارتبط بالمفهوم الأخلاقي الكثيف، الذي نحته برنارد وليامز لأول مرة في كتابه "الأخلاق وحدود الفلسفة" الصادر عام 1985. إذ ميّز بين نوعين من المفاهيم المعيارية/الأخلاقية: المفاهيم الأخلاقية الكثيفة، والمفاهيم الأخلاقية الخفيفة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ المفكر السوري حسام الدين درويش له السبق في إصدار كتابين بهذا الصدد بشكل مفصل؛ حيث انتقل من رصد معرفي ونظري للمبحث إلى جهد تطبيقي لمجموعة من المفاهيم التي نتداولها بشكل يخلط بين الجانب المعرفي والمعياري في سياقنا العربي الإسلامي. من خلال هذا المبحث يتم التمييز ما بين المفاهيم الأخلاقية الخفيفة التي تحيل على ضآلة بعدها الوصفي، أمّا الكثيفة فتعكس حضور البُعد الوصفي والتقييمي. والجدير بالذكر أنّ المقاربة المعيارية تنخر كل مناحي السلوكات الإيمانية والمعيشية؛ وهنا يحضر هاجس العلاقة بين الوصف والتقييم، اللذين يتشابكان في وحدة لا تنفصم عراها في ثنايا ثقافة تغذي هذا الالتحام وتشرعنه بصورة تحجب ضرورة مساءلته.
لهذا، فعندما نثير هنا مفهوم الطقس الديني في الوعي الجمعي الإسلامي، نموذج عيد الأضحى، أو عيد المولد النبوي، أو عيد الفطر، رمضان، عاشوراء،.....؛ بما هو شعيرة دينية تعكس التحام الديني بالدنيوي، أي إنزال الطقس الديني إلى الشرط الدنيوي دون أن يفقد قدسيته ويُدنّس بنواقص المعيش اليومي، فإننا نثير بالأساس إشكالية الإنزال ذاته التي غالباً لا تتوافق والشرط الدنيوي الخاضع لإكراهات اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها. ممّا يجعل عملية الإنزال عملية تعسفية تفرغ المقدّس من روحانيته لصالح تحقيق بالدرجة الأولى التوالف الثقافي للمجتمع. لهذا فإنّ قدسية الشعيرة قد لا تحمل في بُعدها الروحي قدسية مادية مرتبطة بإجبارية التحقق أو التنفيذ الواقعي وفق نمط ثقافي محدد، لأنّ هذه القدسية لا توافق الشرط الاجتماعي الخاضع لمنطق التجارب الزمنية والسياقية؛ وإلّا ستلبس الشعيرة الدينية هنا توصيفاً وقالباً ثقافياً يُرتّب وفق معايير محددة تجعل منه شعيرة استهلاكية مفرطة في بذخها الدنيوي الذي يرنو إلى إعلاء قيمة الانصهار العام على الانفلاتات الفردية التي تعزز الاختلاف وتهدد لحمة التبعية للكل المجتمعي. وبذلك نهمش الجانب القيمي الأخلاقي في تكوين الفرد لصالح القالب الخارجي المنحصر في أداء الشعيرة، وهو ما يخلق شعوراً بالتخلص من ثقل الذنب الديني (ضرورة الطقس الديني في قلب المعيش اليومي) ويزكي بالمقابل حس النفاق والتظاهر الاجتماعي الذي غالباً ما يحجب بأمل الخلاص الإلهي، وكذا تحمل مسؤولية الفعل للراعي أو السلطة القائمة، فيتحرر الفرد من المسؤولية الدنيوية عبر إنزال الشعيرة الدينية.
ما يسمح لنا بالقول:
- إنّ قراءة المقدّس لا تتم خارج معيارية الثقافة المجتمعية، إذ يتم استحضار الشعائر الدينية في ثنايا الممارسة الحياتية للفرد بمنطق العادة التي تضمن له استمرارية الانتماء الثقافي. فحتى وإن اختلفت أساليب أو أشكال الممارسات الشعائرية، يظل الأهم هو إمكانية الانتماء إلى هذا التوصيف الثقافي المحدد لها، بغضّ النظر إن كان ذلك شكليّاً أو فعليّاً. وقد يكون مبدأ الاختلاف في ممارسات الشعائر الدينية في المجتمع الواحد دليلاً على ذلك. فهناك طبقات لا تمارس الشعيرة بل تأخذها كمناسبة للاستمتاع خارج ضغوط الحياة اليومية، وآخرون لا يلتزمون بهذا التوصيف لكن لا يسمح لهم بإعلان توصيف مغاير لما هو متفق عليه. في حين هناك من يلتزمون بعملية الذبح دون الانصهار في تبعاتها الاحتفالية، لكن هناك أيضاً طبقة كبيرة تمارس الشعيرة بمنطق الخلاص الظرفي من الإكراهات المعيشية. لكن يظل الرابط بين الجميع الإقرار بإلزامية الشعيرة بغضّ النظر عن كيفيات تحققها أو قراءتها؛ إذ حضر هنا منطق الانتماء إلى الجماعة أو أفضلية وأسبقية الكل على الفرد.
-إنّ ممارسة الشعيرة تفرض سطوة الجانب الثقافي والعرفي، لهذا لا تحقق المرجو منها في الرفع من قيمة المقدّس روحياً، كما هو مرجو دينياً، بقدر ما تترجم الوضعية السوسيوسياسية والاقتصادية للأفراد المشكلين للمجتمع. لهذا فكلما تحقق الاكتفاء الذاتي السوسيواقتصادي، ارتفعت قيمة الاستغناء أو التهميش والابتعاد عن الممارسة البدائية للشعيرة الدينية مقارنة مع الممارسة، التي تحضر بشكل كثيف عند العامة، والتي في الغالب تتماهى مع الشعيرة ظاهرياً أو حرفياً لترفع من قيمة إلزامية تطبيق الشعيرة وما يتبعه من احتفالية على حساب معنى ودلالة وتاثير الشعيرة سياقياً وزمنياً.
-إنّ التوصيف الثقافي للشعيرة الدينية يغلب الجانب الوصفي والتقييمي معاً، فننزع عن الشعيرة سياقها ودلالتها ومغزاها وننجر لعملية إنزالها لأحداث تماهي ما بين الديني والدنيوي بغضّ النظر عن استحالة هذا الامر، إذ يستحيل أن يستوعب الدنيوي الديني؛ وإلّا فقد الديني قدسيته لترتديه العادة والتقليد الاجتماعي بغرض تجاوز البؤس المعيشي وفتح بوابة الاحتفال بالمكافأة الدينية وفق الشرط المعيشي، فتحضر الفائدة الثقافية المؤلفة أو المهيكلة لنظام الوصاية العامة ويغيب بالمقابل الجانب الأخلاقي القيمي القادر على بناء سلوك أخلاقي مسؤول لدى الأفراد.
-إنّ البُعد المعياري هو المسيطر على استحضار الشعيرة الدينية في سياقنا المجتمعي، ممّا ينقل الشعيرة من مظهر أو أداة دينية لها أبعاد روحية إلى مستوى إيديولوجي محض يختص في رسم بقعتنا الثقافية، رسم هذه البقعة يضفي عليه نوعاً من الإحساس بالاصطفاء الديني قصد مواجهة التغير وصد الاختلاف الذي غالباً ما ترسم حدوده خارجاً مخافة مقاومة أو صد داخلي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_26.jpg.webp?itok=FsHM-4Gc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

