وفي عودة حمالة الحطب توكل كرمان.. ألا تتفكرون!

وفي عودة حمالة الحطب توكل كرمان.. ألا تتفكرون!

وفي عودة حمالة الحطب توكل كرمان.. ألا تتفكرون!


20/08/2026

ظهور الإخوانية اليمنية توكل كرمان في نيويورك، حتى وإن مُنعت من دخول قاعة مجلس الأمن الدولي وتقديم كلمة لها، يعني بعثًا هائلًا للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان.

ويعني أن هناك عملية ارتداد لرجيع الصحة الإسلاموية، وأن ما يجب النظر إليه باهتمام أن كرمان، التي توارت عن الظهور حتى 2026، بعد أن قصفت السعودية القوات الجنوبية في حضرموت والضالع وأعلنت عن قرارات أحادية تجاه المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، خطوات من بعدها رُصدت لكرمان أنشطة إعلامية في زهو ما أعتقده حزب الإصلاح أنه يصب في مصالحه.

التحول الأهم كان فعليًا في تصنيف الولايات المتحدة لفروع الجماعة الإخوانية في مصر والأردن ولبنان ثم السودان ضمن التنظيمات والكيانات الإرهابية، وبقي استثناء فرع اليمن دون تفسير واضح، غير أن ارتباط اليمن مع خارطة الطريق الأممية تبدو هي أحد أهم المسببات حتى لا يختل التوازن في حال اشتمل التصنيف الفرع اليمني، الذي وجد من بعد حادثة حضرموت 2025 و2026 الفرصة المثالية ليوسع سيطرة عناصره على الأمن والجيش وحتى الإدارات التنفيذية، مستغلًا الفراغ الذي حصل بعد الضربة التي حصلت للمجلس الانتقالي الجنوبي، الخصم اللدود لجماعات الإسلام السياسي.

بكثير من الواقعية، فاليمن يعيش جنوبًا وشمالًا حالة سيولة أكبر من حتى التي عرفها مع ما يسمى «الربيع العربي» المسموم، والتي كانت توكل كرمان نفسها إحدى أهم علاماته في المشهد اليمني الزنداني، غير أن هذا الاضطراب السياسي والعسكري يعيد فرزًا للقوى السياسية، فمن الشقوق خرجت الحية كرمان، فهي ترى ارتفاعًا ملحوظًا في أنشطة التنظيم الدولي الذي كان قد أصدر تأييدًا للسعودية في قصف الجنوبيين، وكذلك أصدر بيانًا داعمًا لاتفاق مكة الذي أعلن عنه كحلف بين الثالوث (السعودية وباكستان وتركيا).

هذا المشهد لا يجب فيه إهمال توسع أنشطة حكومة البرهان في بورتسودان، فهناك أيضًا ما يجب النظر إليه باهتمام، فلم يكن يومًا فرع السودان بعيدًا عن فرع اليمن. هنا ولابد من التذكير بأن ما بعد انقلاب 1989، الذي صعد فيه البشير والترابي إلى السلطة السودانية، كان من مهامه آنذاك استقبال «الأفغان العرب»، وكانت المهمة إعادة توزيعهم على مناطق الحروب، وكان جنوب اليمن المحطة الرئيسية التي اختارها أسامة بن لادن من بعد حرب التكفير في صيف 1994، وأسس بعدها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.

ارتباط فرع السودان باليمن يعد الأقوى بعد الفرع المصري، ولعب الزنداني والترابي أدوارًا كبيرة في تأصيل العلاقة بين الفرعين، لكن الخطأ سيكون النظر إلى هذه الشبكة من خلال الخرطوم وصنعاء وحدهما، فالجغرافيا نفسها تقودنا جنوبًا، عبر باب المندب وخليج عدن، إلى الصومال والقرن الأفريقي، وهناك تتضح صورة أكثر اتساعًا لما يجري.

في الصومال، تقف حركة الشباب باعتبارها الفرع الأكثر قوة لتنظيم القاعدة في القرن الأفريقي، فيما تمتلك جماعة الإخوان امتداداتها التاريخية داخل المشهد الإسلاموي الصومالي عبر تنظيمات وحركات مختلفة. لا يعني ذلك وجود تطابق تنظيمي بين الإخوان وحركة الشباب، غير أن التجربة الصومالية تقدم دليلًا صارخًا على ما يحدث عندما تنهار الدولة وتتفوق الأيديولوجيات والجماعات المسلحة على مؤسساتها؛ تتكاثر التنظيمات، وتتقاطع المصالح، وتتمدد شبكات الإرهاب والتهريب والقرصنة، حتى تتحول الفوضى نفسها إلى اقتصاد قائم بذاته.

وهنا تحديدًا يجب أن ننظر إلى البحر، فالذي يحدث على اليابسة في السودان واليمن والصومال لا يبقى على اليابسة. البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب والمحيط الهندي منظومة أمنية واحدة، وأي اضطراب على إحدى ضفتيها ينتقل سريعًا إلى الممرات البحرية.

لهذا تبدو عودة القراصنة الصوماليين أكثر من مجرد استعادة لمشهد اعتقد العالم أنه تجاوزه قبل أكثر من عقد. لقد عادت شبكات القرصنة إلى إظهار قدرتها على الوصول إلى السفن التجارية واحتجاز البحارة، فيما يؤكد المكتب البحري الدولي أن القراصنة الصوماليين ظلوا في النصف الأول من 2026 قادرين على تنفيذ عمليات بعيدة عن الشاطئ، وأنهم كانوا مسؤولين عن النسبة الساحقة من البحارة الذين أُخذوا رهائن في حوادث القرصنة المسجلة.

وفي يوليو/تموز  وحده، ظهرت صورة شديدة الدلالة عندما اختطف قراصنة صوماليون ناقلة قبالة الساحل اليمني بعد مغادرتها ميناء المكلا، ثم اقتادوها عبر خليج عدن إلى المياه المقابلة لإقليم بونتلاند. هنا تتوقف الجغرافيا عن كونها خطوطًا على الخريطة؛ اليمن والصومال وخليج عدن أصبحوا مسرحًا أمنيًا واحدًا.

وفي الوقت ذاته، تقاتل حركة الشباب الدولة الصومالية والقوات الأفريقية، وتحافظ على قدرة عسكرية أجبرت الولايات المتحدة على تكثيف عملياتها الجوية خلال 2026. إنها مفارقة لا يمكن المرور عليها سريعًا؛ فكلما تراجعت سلطة الدولة في القرن الأفريقي وجنوب البحر الأحمر، تقدمت القوى التي تعيش على الفراغ، سواء حملت راية التنظيم الإرهابي أو مارست القرصنة أو بنت شبكاتها السياسية تحت مظلات أيديولوجية.

لهذا فإن قراءة عودة نشاط الإخوان في السودان واليمن بمعزل عن القرن الأفريقي ستكون قراءة ناقصة.

في الصومال، خرجت حركة الشباب من البيئة الإسلاموية التي أنتجت اتحاد المحاكم الإسلامية، قبل أن تصبح الذراع الأقوى لتنظيم القاعدة في القرن الأفريقي، وفي اليمن، وفرّ حزب الإصلاح المظلة السياسية الأوسع للإسلاميين، فيما تمددت في البيئة ذاتها القاعدة وواجهتها «أنصار الشريعة»، ثم داعش.

لا يحتاج الأمر إلى افتراض غرفة عمليات واحدة، فالأخطر هو التشابك التاريخي بين السياسي والدعوي والإرهابي، واستفادة هذه الدوائر من بعضها كلما ضعفت الدولة واتسعت الفوضى.

هناك قوس جغرافي شديد الحساسية يبدأ من بورتسودان، وينزل بمحاذاة البحر الأحمر إلى باب المندب، ثم يمتد عبر عدن والمكلا وخليج عدن وصولًا إلى بونتلاند والصومال، وعلى هذا القوس تتجاور الحرب السودانية، والحوثيون، وحزب الإصلاح اليمني، والحركات الإسلاموية الصومالية، وحركة الشباب، وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وشبكات القرصنة والتهريب.

لا يعني التجاور وجود غرفة عمليات واحدة، وهذه نقطة ضرورية، وإنما يعني أن الفراغ الذي يغذي أحدها يمنح الآخرين القدرة على الحركة أيضًا.

وهنا يمكن فهم لماذا كانت معركة الإمارات ضد الإسلام السياسي والإرهاب منذ 2015 مرتبطة أيضًا بأمن البحر.

لم تكن استعادة عدن والمكلا ومواجهة تنظيم القاعدة وتأسيس قوات جنوبية متخصصة في مكافحة الإرهاب وتأمين السواحل ملفات يمنية محلية، وإنما كانت جزءًا من حماية الحزام البحري الممتد من بحر العرب وخليج عدن إلى باب المندب والبحر الأحمر.

وإذا كانت السنوات الماضية قد أثبتت شيئًا، فهو أن من يترك شبرًا من هذه الجغرافيا للفراغ سيجد من يملؤه؛ مرة باسم الثورة، ومرة باسم التغيير، ومرة باسم الدين، ومرة تحت راية الإرهاب، ومرة يأتي الرجال في قوارب صغيرة يحملون البنادق والسلالم ويصعدون إلى السفن التجارية. الأسماء تختلف، لكن الدولة الوطنية هي التي تدفع الثمن في كل مرة.

وهنا تعود توكل كرمان إلى الصورة، فليس مهمًا أن نقرأ ظهورها في نيويورك كواقعة شخصية، الأهم أن نسأل لماذا تستعيد رموز الإسلام السياسي نشاطها في هذه اللحظة تحديدًا؟ لماذا يبدو حزب الإصلاح أكثر ثقة في اليمن؟ ولماذا تتحرك شبكات الإسلاميين السودانيين بينما يخوض السودان حربًا تهدد وجود الدولة؟ ولماذا يأتي كل ذلك والقرن الأفريقي نفسه يواجه تمددًا مستمرًا لحركة الشباب وعودة للقرصنة في خليج عدن؟

إنها أسئلة عن جغرافيا واحدة أكثر مما هي أسئلة عن تنظيم واحد.

ولهذا يصبح استثناء الفرع اليمني من الإجراءات الأمريكية ضد فروع الإخوان أكثر إثارة للاستغراب، فاليمن لا يقع في هامش هذه الجغرافيا المضطربة، وإنما في قلبها، ومن يسيطر على حضرموت وشبوة وعدن وأبين والمهرة لا يمسك محافظات يمنية وحسب؛ إنه يقف على واحد من أهم الأحزمة البحرية في العالم، الممتد من بحر العرب إلى خليج عدن ثم باب المندب والبحر الأحمر.

وهذا ما يجعل ما حدث في الجنوب خلال 2025 و2026 أبعد من نزاع يمني داخلي، إضعاف المجلس الانتقالي الجنوبي العربي والقوات الجنوبية التي راكمت خبرة طويلة في مكافحة القاعدة وتأمين السواحل يخلق فراغًا لا ينتظر طويلًا كي يجد من يملؤه، وتجارب اليمن والصومال والسودان تقول الشيء نفسه؛ الفراغ السياسي يستدعي الأيديولوجيا، والفراغ الأمني يستدعي الإرهاب، والفراغ البحري يستدعي القرصنة.

لهذا لا يمكن فصل عودة توكل كرمان عن الصورة الأكبر، إنها تظهر في اللحظة التي تتحرك فيها الرمال مجددًا تحت أقدام المنطقة، وفي اللحظة التي يبدو فيها أن بعض العواصم تعيد تدوير رهانات قديمة على الإسلام السياسي، متناسية أن هذه المنطقة دفعت ثمنًا فادحًا عندما جُربت الوصفة نفسها قبل ثلاثة عقود.

ومن الخرطوم إلى صنعاء، ومن مأرب إلى مقديشو، ومن بورتسودان إلى خليج عدن، لا تحتاج المنطقة إلى تجربة أخرى كي تعرف ماذا يحدث عندما تصبح الدولة أضعف من التنظيم، فالحطب موجود بكثرة، والمنطقة شديدة الجفاف، و«حمالة الحطب» عادت، فألا تتفكرون؟!

العين




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية