
صبري سعيد
يقال «وحمة» بمعنى علامة تكون على جسم المرء منذ الولادة ..والوحمة هى علامة خفيفة على الجسد وجمعها وحمات...كما يقال توحمت المرأة الحامل ، بمعنى اشتدت شهوتها إلى بعض أنواع المأكولات ..ويقال توحم الشخص ، أى اشتهى طعاما معينا.. وليست كل وحمة تُرى بالعين، فهناك أوشام لا تستقر على الجلد، وإنما تستقر فى ذاكرة الشعوب. فالأولى قد تكون مجرد بقعة لا تؤلم صاحبها ، أما الثانية فقد تكون أثرا عميقا تتركه تجربة سياسية أو فكرية، فتظل حاضرة فى الوعى الجمعى، كلما أعادت الأحداث استدعاء تفاصيلها. ولهذا تبدو كلمة «وحمة» أكثر ثراء من معناها اللغوي؛ فهى ليست مجرد علامة على الجسد، وإنما قد تصبح رمزا لكل تجربة تركت أثرا يصعب محوه، حتى وإن مضى عليها الزمن. فالأمم، مثل البشر، تحمل على جسدها التاريخى علامات لا تختفى بسهولة. بعضها يرمز إلى أمجاد وانتصارات، وبعضها الآخر يذكرها بلحظات كادت فيها تفقد بوصلتها.. وفى التاريخ المصرى الحديث، هناك تجربة حكم جماعة الإخوان المسلمين بوصفها واحدة من تلك العلامات الفارقة التى تجاوزت كونها مجرد تجربة حكم قصيرة، لتتحول إلى اختبار حقيقى لفكرة الدولة الوطنية فى مواجهة مشروع أيديولوجى مغلق... ومن هنا تبدو استعارة «الوحمة» دقيقة بامتياز فى هذا الخصوص، فالوحمة ليست جرحا مفتوحا، لكنها أثر لا يختفى بسهولة... وفى محاولة جادة لاستنطاق دلالات الوحمة ، خاصة فيما تمر به مصر الآن من محاولات إخوانية تعبث بأمن البلاد واستقرارها ، فان «وحمة الجماعة على جسد الوطن» يحمل قوة رمزية كبيرة.. وبداية ، فإن هناك فرقا بين الجرح والوحمة. فالجرح قد يلتئم بمرور الزمن، أما الوحمة فهى علامة تبقى، لا لأنها تؤلم دائما، بل لأنها تذكر بما كان. إنها بقعة صامتة، لكنها لا تكف عن رواية الحكاية. ولذلك فإن الأمم، مثل البشر، تحمل على جسد تاريخها «وحمات» صنعتها التجارب القاسية، وتحولت مع مرور الوقت إلى إشارات تحذير للأجيال القادمة.
ومصر، التى ظلت آلاف السنين محتفظة باسمها وهويتها ودولتها، لم تكن بمنأى عن هذه القاعدة. فقد مرت عليها احتلالات وغزوات وأزمات وانقسامات، لكنها كانت تمتلك دائمًا قدرة استثنائية على استعادة ذاتها.
إلا أن بعض المراحل التاريخية لا تقاس بطولها الزمنى، وإنما بعمق أثرها فى الوعى الجمعي. ومن هذا المنطلق، فأن تجربة حكم جماعة الإخوان المسلمين كانت واحدة من تلك المراحل التى تركت أثرا بالغا فى الذاكرة السياسية، لأنها أعادت طرح سؤال الدولة والهوية والانتماء بصورة غير مسبوقة.
والبداية كانت عندما تم طرح السؤال الحقيقى وهو، هل تبقى الدولة هى الإطار الجامع الذى يعلو على كل تنظيم، أم يصبح التنظيم هو المرجعية التى تعاد صياغة الدولة وفق رؤيتها؟ فمن هنا بدأ التناقض بين مفهوم الوطن بوصفه وطنا لجميع أبنائه، ومفهوم الجماعة بوصفها تنظيما يقوم على رابطة فكرية وأولويات أيديولوجية.. فالوطن لا يطلب من أبنائه أن يتشابهوا، بل أن يتشاركوا المسئولية. أما التنظيم العقائدى المغلق، فيميل بطبيعته إلى فرز الناس وفق معيار أيديولوجي. ومن هنا تنشأ الفجوة؛ فكلما اتسعت مساحة التنظيم، ضاقت مساحة الوطن، وكلما ارتفع صوت الأيديولوجيا على صوت الدولة، أصبح الانقسام أقرب من التوافق.
ولم يكن هذا التناقض، مجرد نقاش نظرى، بل انعكس على الخطاب السياسى والممارسة العامة خلال تلك المرحلة.. فقد شعر قطاع واسع من المجتمع بأن الهوية الوطنية المصرية، بتاريخها الممتد وتنوعها الثقافى، لم تعد تحظى بالمكانة التى تستحقها أمام مشروع سياسى ذى مرجعية تنظيمية. ولهذا اكتسبت تلك التجربة بعدا رمزيا ظل حاضرا فى النقاش العام حتى بعد انتهائها.. لكن الوحمات لا تبقى بسبب الماضى وحده، وإنما بسبب كل محاولة لإعادة إنتاجه... ولهذا فما نراه هذه الفترة من استمرار بعض الخطابات التى تقوم على التشكيك الدائم أو استثمار الأزمات لإضعاف الثقة العامة، يجعل آثار تلك المرحلة حاضرة فى الوعى السياسي.
إن أخطر ما يواجه الأوطان ليس فقط العنف، بل تآكل الثقة. فعندما يتحول الشك إلى منهج، يدخل المجتمع فى حالة إنهاك مستمرة، حتى وإن لم تطلق رصاصة واحدة. ولهذا فإن بناء الوعى الوطنى لا يقل أهمية عن بناء الجسور أو المصانع، لأن الدولة التى تمتلك مواطنا واعيا تمتلك أقوى وسائل الدفاع عن نفسها.
ومع ذلك، فإن الوحمات ليست نهاية الحكاية. فالإنسان لا يعيش أسير العلامة التى يحملها، بل يتعلم منها. وكذلك الأمم؛ فهى لا تنتصر لأنها لم تخطئ، بل لأنها تعرف كيف تحول الخطأ إلى خبرة، والخبرة إلى مناعة، والمناعة إلى مستقبل أكثر استقرارا. ولهذا تبقى «وحمة الاخوان « – بوصفها استعارة فكرية – ليست دعوة للبقاء فى أسر الماضى، وإنما تذكير دائم بأن الوطن لا يحتمل الولاءات المتنافسة، وأن الدولة الوطنية لا تستقيم إذا أصبحت مجرد ساحة لتنفيذ مشاريع أيديولوجية.. وحين تستوعب الأجيال هذه الحقيقة، تتحول الوحمة من أثر مؤلم إلى درس تاريخى، ومن ذكرى مثقلة بالانقسام إلى مناعة فكرية تحمى الدولة من تكرار الأخطاء. فالأوطان العريقة لا تنجو لأنها بلا أزمات، وإنما لأنها تعرف كيف تقرأ أزماتها، وكيف تجعل من كل علامة أو «وحمة» على جسدها سببا لمزيد من القوة، لا لمزيد من الانكسار...
الأهرام

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1_1.jpg.webp?itok=o3ONEK_p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_3.jpeg.webp?itok=hc_VaQOg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_1.jpg.webp?itok=ZHdchJGw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_0.jpg.webp?itok=nRwtHFUN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_1.jpeg.webp?itok=zqlZO66d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_1.jpg.webp?itok=fFpTXApw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%85_2_1_1_0_1_3_0.png.webp?itok=B_aqJ73A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_0.jpg.webp?itok=cfMu1WMs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_176.jpg.webp?itok=aL0i-O1b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HSaTjAtPISGoYoJMGPujwOC4TOU0xJpCxDmpRSIBvc94v0l_De8T-XgPsVK83y89ScYt6-eZNtkkH79PtvjpCPcPTj7rf-KLgRq0T-XLWZmYpv2ZBFKC7VkZUaOqa-DgPz2JB57ZYQ8qfZZWf2ouSpGZooyHwCrLOuSfjGM47wAu0fXuAiBcRoKuGuk__yv3%20%281%29.jpg.webp?itok=GGyp2cTN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
