
أسامة أحمد المصطفى
إن ما جرى في منطقة أم قرفة بولاية شمال كردفان، وفق المقاطع المصورة المتداولة وشهادات السكان، يثير شبهة بالغة الخطورة حول طبيعة الذخائر التي ألقتها طائرة من طراز أنتونوف، بعد أن تصاعد من موقع سقوطها دخان أصفر كثيف.
وهذه الوقائع، وإن كانت لا تكفي وحدها لإثبات استخدام أسلحة كيميائية، فإنها تفرض، قانونًا وأخلاقًا، فتح تحقيق دولي عاجل ومستقل، لأن مجرد الاشتباه في استخدام وسائل قتال محرمة دوليًا يعد مسألة لا يجوز تجاهلها أو التقليل من شأنها.
فليست الدول الرشيدة هي التي تقاس بقوة ترساناتها العسكرية، وإنما بمدى احترامها للقانون الدولي، والتزامها بالحدود التي رسمتها الإنسانية للحروب والنزاعات. فالدولة التي تستخف بالمواثيق الدولية لا تعلن تحديها لخصومها فحسب، بل تعلن تمردها على الضمير الإنساني، وتضع نفسها في مواجهة المجتمع الدولي بأسره.
والأكثر إثارة للدهشة أن هذه الواقعة تأتي بعد أيام فقط من دخول المرحلة الثانية من العقوبات الأمريكية على السلطة القائمة في بورتسودان حيز التنفيذ، عقب إعلان واشنطن أنها توصلت إلى استنتاج يفيد باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية خلال الحرب الدائرة ، فإذا كانت هذه الاتهامات صحيحة، فإن تكرار الوقائع التي تستدعي الشبهة لا يمكن تفسيره إلا باعتباره استهانة بالعواقب القانونية والسياسية، وكأن السلطة في بورتسودان تتعامل مع القانون الدولي بوصفه مجرد نصوص لا قوة لها، أو قرارات لا تستحق الاكتراث.
إن القانون الدولي ليس بيانًا سياسيًا يمكن تجاهله، ولا توصية دبلوماسية قابلة للتفاوض، بل منظومة قانونية ملزمة نشأت فوق أنقاض ملايين الضحايا الذين قضوا اختناقًا بالغازات السامة في الحروب الكبرى. ولهذا جاءت اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لتغلق الباب نهائيًا أمام استخدام هذه الوسائل، ولتجعل أي شبهة باستخدامها تستوجب التحقيق والمساءلة، لا الإنكار أو الاستخفاف.
إن البراميل المشبوهة التي تتطاير فوق القرى لا تحمل الموت وحده، بل تحمل معها رسالة سياسية غاية في الخطورة، مفادها أن القوة يمكن أن تحل محل القانون، وأن السلاح يمكن أن يتقدم على العدالة. وهذه رسالة لا تضر بالضحايا وحدهم، بل تؤكد انهيار ما تبقى من صورة حكومة تسيير الأعمال في بورسودان في أعين العالم، وتضعها في موضع الاتهام الأخلاقي قبل أن تكون في موضع الاتهام القانوني.
وإذا صحت الاتهامات المتعلقة بما حدث في أم قرفة، فإن السلطة في بورتسودان لا تكون قد ارتكبت مخالفة قانونية فحسب، بل تكون قد وجهت ضربة قاصمة لما تبقى من ثقة المجتمع الدولي في قدرتها على احترام قواعد الحرب. فالقانون الدولي الإنساني لا يبيح استهداف المدنيين، ولا يسمح باستخدام وسائل قتال من شأنها إحداث معاناة غير مبررة أو آثار لا يمكن السيطرة عليها.
إن أخطر ما في الاستخفاف بالقانون الدولي أنه يبدأ بإنكار المسؤولية، ثم يتحول إلى عادة سياسية، قبل أن ينتهي إلى عزلة كاملة. والعالم اليوم لم يعد كما كان قبل عقود؛ فالأقمار الصناعية توثق، والهواتف تنقل، والمنظمات الدولية ترصد، والملفات تُفتح، وقد تتأخر العدالة، لكنها لا تتوقف عند حدود الزمن.
إن السلطة التي تراهن على الإفلات من المحاسبة قد تكسب جولة إعلامية، لكنها تخسر معركة التاريخ. فالقوانين الدولية لا تسقط بالتقادم، وجرائم الحرب، متى ثبتت بالأدلة والإجراءات القضائية، تظل تلاحق مرتكبيها، لأن العدالة الدولية، مهما تباطأت، لا تعترف بالنسيان.
فالاستهزاء بالقانون الدولي ليس دليل قوة، بل اعتراف ضمني بضعف السياسة، وإفلاس الأخلاق، وعجز الدولة عن الانتصار إلا خارج حدود الشرعية. وكل سلطة تجعل من المواثيق الدولية مجرد أوراق مهملة، إنما تكتب بيدها أول فصول عزلتها وسقوطها ، وآخر صفحات مشروعيتها.
العين

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85_13_0_0.jpg.webp?itok=zM_2p5AG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B7%D8%A7%D8%B1%D9%82%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%A8%D9%8A%D8%B4%D9%8A_5.jpg.webp?itok=V_LtmeJb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1_0.jpeg.webp?itok=y3SeYLL3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/vnXftEgrfkO1CGM4zGgpuo55bYYqqWhVbB03QWvXHraNNsEDZ2aVBAkUs5c2tU8YcfGycikZJ3jMOhlWlLJq0O-lOyXc0dnbNuOSEjJet2NJ0V3SFV4xt-hJbQFQIeCDow379WL_U-cB-oSyAfJ_qgitFMqtv5XFbMJ-YOK5wHYavNyGtfEhkusfmBbCSYbf.jpg.webp?itok=F8oCHltZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_11_0_1_0.jpg.webp?itok=IWdVqLIR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88.png.webp?itok=eu5RJzX1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_0_0_0.jpeg.webp?itok=CuBtOjGE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_11_0.jpg.webp?itok=iFMtJzCq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_64_0_0_0.jpg.webp?itok=J6-HjAus)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_1.jpg.webp?itok=PcOhi24A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1_0.jpg.webp?itok=gmXBdafb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_1.jpg.webp?itok=Ph3gYkX2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_170_0_0.jpg.webp?itok=uBanyx7g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-07-22%20121756.png.webp?itok=Tg08poTc)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/998f23e6-96f8-411e-9bf2-790b602921ca.png.webp?itok=8qzm2hkp)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_3_0.jpg.webp?itok=4fNjnbd7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/news-240423-sudan.harb__0_0_0_0_1_0.jpg.webp?itok=IaVQN1E4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

