"العلاج بالقراءة".. قوة الأدب في مواجهة الألم

"العلاج بالقراءة".. قوة الأدب في مواجهة الألم

"العلاج بالقراءة".. قوة الأدب في مواجهة الألم


22/07/2026

رانيا عبد العاطي

قبل أن يضع القارئ الكتاب في حقيبته أو على رف مكتبته ربما يجدر به أن يجيب عن سؤال بسيط: هل يمكن لكتاب أن يخفف وطأة الحزن أو يبدد القلق أو يساعد إنسانا على فهم نفسه أكثر؟ قد يبدو السؤال أقرب إلى المجاز لكن بيجال شاه تنطلق منه لتبني كتابها “العلاج بالقراءة” الصادر عن دار الكرمة بترجمة إيمان السعودي، ليعيد الكتاب الاعتبار إلى واحدة من أقدم العلاقات الإنسانية وهي العلاقة بين الإنسان والكتاب، ليس بوصفه مصدرا للمعرفة فقط وإنما شريكا في رحلة التعافي واستعادة التوازن.

لم يعد مفهوم العلاج بالقراءة اليوم مجرد فكرة رومانسية يتداولها عشاق الأدب، بل أصبح أحد الأساليب المساندة التي تحظى باهتمام متزايد في المؤسسات الصحية والمكتبات العامة في عدد من الدول، إذ تقوم الفكرة على أن النص الأدبي قادر على فتح مساحات للحوار مع الذات ومساعدة القارئ على فهم مشاعره ومواجهة أزماته عبر التعاطف مع شخصيات وتجارب تشبه ما يعيشه.

في هذا السياق تقدم بيجال شاه كتابا يجمع بين الخبرة العملية والقراءة الواسعة دون أن يسقط في فخ التنظير الأكاديمي أو الوعظ المباشر، فهي لا تتعامل مع الكتاب باعتباره دواء سحريا ولا تدعي أن الأدب يغني عن الطبيب النفسي، لكنها تؤمن بأن القراءة قد تكون بداية الطريق نحو التعافي لأنها تمنح الإنسان لغة يعبر بها عن مشاعره وتجعله يدرك أن ما يمر به ليس استثناء في التاريخ الإنساني.

واحدة من أهم الأفكار التي يطرحها الكتاب هي أن القراءة العلاجية تختلف عن القراءة التقليدية، فليس المطلوب إنهاء أكبر عدد من الكتب أو ملاحقة قوائم الأكثر مبيعا وإنما اختيار النص الذي يناسب الحالة النفسية للقارئ في لحظة معينة، فالرواية التي تمنح الأمل لشخص يعيش تجربة الفقد، قد لا تكون مناسبة لمن يعاني الاحتراق النفسي، وهنا تظهر فكرة الوصفة القرائية التي تشبه إلى حد بعيد وصفة الطبيب، إذ لا توجد وصفة واحدة تصلح للجميع.

لا تكتفي الكاتبة بتقديم قوائم للكتب المقترحة بل تركز على الكيفية التي ينبغي أن يقرأ بها الإنسان، فالقراءة في نظرها ليست استهلاكا للكلمات وإنما حوار مستمر مع النص، ولذلك تدعو إلى التوقف أمام الجمل المؤثرة وإعادة قراءتها وربطها بالتجارب الشخصية بدلا من المرور السريع عليها.

ومن بين أكثر الفصول ثراء ذلك الذي تخصصه للتدوين الأدبي، وهو في تقديري أهم ما يميز الكتاب عن غيره من الكتب التي تناولت العلاج بالقراءة، فبيجال شاه ترى أن القراءة تظل نصف تجربة ما لم تتحول إلى كتابة، لأن الإنسان عندما يكتب ما أثاره النص فإنه لا يعيد تلخيص الكتاب، بل يعيد اكتشاف نفسه.

تقترح الكاتبة مجموعة من التمارين البسيطة التي يمكن لأي قارئ ممارستها مثل كتابة يوميات القراءة وتسجيل الاقتباسات التي تركت أثرا داخله، ثم محاولة تفسير سبب هذا الأثر أو كتابة رسالة إلى إحدى الشخصيات الروائية أو تخيل نهاية مختلفة للأحداث أو حتى كتابة حوار مع الذات بعد الانتهاء من الكتاب، وهي تمارين تبدو في ظاهرها أدبية لكنها في حقيقتها أدوات للتأمل وإعادة ترتيب المشاعر.

وتكمن قيمة هذا التدوين في أنه يحول القارئ من متلق سلبي إلى مشارك في إنتاج المعنى، فالنص الأدبي لا يعود شيئا خارجيا بل يصبح مرآة يرى فيها الإنسان مخاوفه وأحلامه وأسئلته وربما لهذا السبب تؤكد الكاتبة أن صفحات دفتر القراءة أهم أحيانا من صفحات الكتاب نفسه لأنها تكشف الرحلة الداخلية التي خاضها القارئ.

ويحسب للكتاب أيضا أنه يبتعد عن النخبوية، فلا يحصر العلاج بالقراءة في الكلاسيكيات أو الأعمال الفلسفية، بل يفتح الباب أمام الرواية والشعر والمذكرات وأدب الأطفال وحتى الكتب المصورة، فالعبرة ليست بنوع الكتاب وإنما بقدرته على ملامسة تجربة القارئ وإثارة حوار داخلي معه.

ورغم ثراء الأفكار فإن الكتاب لا يخلو من بعض الملاحظات إذ يميل أحيانا إلى الإكثار من الأمثلة على حساب التحليل كما أن الكثير من الترشيحات تنتمي إلى البيئة الغربية، وهو ما يدفع القارئ العربي إلى التساؤل عن حاجتنا إلى قوائم مشابهة تستند إلى الأدب العربي الذي يزخر بنصوص قادرة على أداء الدور نفسه، وربما تكون هذه هي الخطوة التالية التي ينبغي أن يلتفت إليها المهتمون بهذا المجال في العالم العربي.

وتبدو أهمية هذا الكتاب في اللحظة الراهنة أكبر من مجرد التعريف بمفهوم جديد، ففي عالم تتراجع فيه معدلات القراءة لحساب الشاشات السريعة يأتي ليذكرنا بأن الكتاب لم يكن يوما وسيلة للثقافة وحدها، بل كان دائما مساحة للنجاة أيضا، وأن الإنسان قد يجد بين الصفحات ما يعجز أحيانا عن قوله لأقرب الناس إليه.

لا يعد كتاب العلاج بالقراءة القارئ بحياة خالية من الألم لكنه يذكره بأن الأدب كان عبر العصور أحد أشكال مقاومة هذا الألم وأن رواية واحدة قد تمنحنا الشجاعة لنواصل الطريق وقصيدة قد تساعدنا على تسمية مشاعر عجزنا عن فهمها، وسطر واحد قد يكون بداية مصالحة طويلة مع الذات.

ولهذا فإن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن في عدد الكتب التي يرشحها ولا في التمارين التي يقترحها بل في الفكرة التي يتركها عالقة في ذهن قارئه بعد الصفحة الأخيرة، وهي أن القراءة ليست هروبا من الحياة كما يظن البعض وإنما قد تكون في أحيان كثيرة الطريقة الأكثر عمقا للعودة إليها.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية