
الحروب تكشف حقيقة القوى السياسية أكثر مما تكشفه الخطب والشعارات. فعندما تطول المأساة يصبح السؤال بسيطًا ومباشرًا: من يدفع الثمن ومن يعيش بعيدًا عن النيران؟
في السودان تتكرر الصورة نفسها منذ اندلاع الحرب. آلاف الأسر فقدت أبناءها وبناتها، وتشرد الملايين داخل البلاد وخارجها، وتحولت حياة الناس إلى رحلة يومية من الخوف والجوع والمرض. وفي الوقت نفسه تنتشر صور ومقاطع لقيادات وكوادر الحركة الإسلامية وهم يعيشون في دول مختلفة وسط حياة مستقرة، ويقيمون حفلات الزواج والمناسبات الاجتماعية في الفنادق والصالات الفارهة، وكأن السودان لا يحترق.
هذه المفارقة لا يمكن تجاهلها لأنها تعكس الفجوة الأخلاقية بين الخطاب الذي يطالب بالتضحية والواقع الذي يعيشه أصحاب هذا الخطاب. الذين يطلبون من الآخرين الصمود والقتال لا يظهرون في ساحات الحرب ولا يرسلون أبناءهم وبناتهم إليها. الذين يصلون إلى المنصات للتحريض يعيشون في مدن آمنة، بينما يواجه أبناء الفقراء الموت كل يوم.
وخلال الأيام الماضية ظهرت مقاطع فيديو تُظهر عمليات لتجنيد الفتيات والنساء مع أناشيد تحمل خطابًا تعبويًا مستمدًا من أدبيات الإسلام السياسي التي ارتبطت بالحركة الإسلامية طوال سنوات حكمها. هذه المشاهد تثير أسئلة خطيرة حول الجهة التي تدفع بالفتيات إلى هذا الطريق، وحول المسؤولية الأخلاقية لمن يستخدم الدين والعاطفة لتغذية الحرب وإطالة عمرها.
المشهد الأكثر إيلامًا أن أغلب الفتيات اللواتي يظهرن في تلك المقاطع ينتمين إلى البيئات الفقيرة والمهمشة. وجوه أنهكتها الحرب، وأجساد أضعفها الجوع والنزوح وانعدام الرعاية الصحية. هؤلاء لا يمتلكن المال ولا النفوذ ولا فرصة الهروب إلى الخارج. وجدن أنفسهن في قلب المأساة وأصبحن مادة سهلة للتعبئة والاستغلال.
في الجهة الأخرى تعيش كثير من نساء الحركة الإسلامية حياة مختلفة تمامًا. يقمن في عواصم آمنة ويتمتعن بالاستقرار، ويشاركن في حفلات ومناسبات اجتماعية، ويظهرن في حياة مرفهة بعيدة عن أصوات المدافع. لا أحد يطالبهن بإرسال بناتهن إلى الجبهات، ولا يطلب منهن تقديم التضحيات التي يطلبونها من بنات الفقراء.
هذه المفارقة ليست تفصيلًا عابرًا، إنها تكشف طبيعة العلاقة بين القيادة والقاعدة داخل هذا المشروع السياسي. هناك من يدير المعركة من مسافة آمنة، وهناك من يقدم أبناءه وبناته وقودًا لها. وهناك من يملك فرصة السفر والنجاة، وهناك من لا يملك سوى البقاء تحت القصف.
إذا كانت الحرب قضية وجود بالنسبة للحركة الإسلامية، فلماذا لا تبدأ التضحيات من داخل بيوت قياداتها؟ ولماذا لا يظهر أبناء وبنات الصف الأول في ساحات القتال كما يظهر أبناء القرى والأحياء الفقيرة؟ ولماذا يبقى نصيب الفقراء هو الموت والنزوح، بينما يبقى نصيب أصحاب النفوذ هو الأمن والرفاهية؟
السودان اليوم يحتاج إلى أصوات تعمل على إيقاف الحرب، لا إلى حملات تعبئة جديدة تستغل مشاعر الناس وفقرهم. يحتاج إلى مشروع يعيد الحياة إلى المدارس والمستشفيات والأسواق، لا إلى أناشيد تدفع جيلًا جديدًا إلى ساحات الموت.
الحروب لا تنتهي عندما يزداد عدد المقاتلين، بل تنتهي عندما تتقدم إرادة السلام على مصالح الذين يربحون من استمرارها. وكل يوم تستمر فيه هذه الحرب يدفع ثمنه السودانيون البسطاء، بينما يواصل المستفيدون حياتهم بعيدًا عن الدمار الذي صنعته حساباتهم السياسية.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85_13_0_0.jpg.webp?itok=zM_2p5AG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B7%D8%A7%D8%B1%D9%82%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%A8%D9%8A%D8%B4%D9%8A_5.jpg.webp?itok=V_LtmeJb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1_0.jpeg.webp?itok=y3SeYLL3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/vnXftEgrfkO1CGM4zGgpuo55bYYqqWhVbB03QWvXHraNNsEDZ2aVBAkUs5c2tU8YcfGycikZJ3jMOhlWlLJq0O-lOyXc0dnbNuOSEjJet2NJ0V3SFV4xt-hJbQFQIeCDow379WL_U-cB-oSyAfJ_qgitFMqtv5XFbMJ-YOK5wHYavNyGtfEhkusfmBbCSYbf.jpg.webp?itok=F8oCHltZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_11_0_1_0.jpg.webp?itok=IWdVqLIR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88.png.webp?itok=eu5RJzX1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_0_0_0.jpeg.webp?itok=CuBtOjGE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_11_0.jpg.webp?itok=iFMtJzCq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_64_0_0_0.jpg.webp?itok=J6-HjAus)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_1.jpg.webp?itok=PcOhi24A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1_0.jpg.webp?itok=gmXBdafb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_1.jpg.webp?itok=Ph3gYkX2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_170_0_0.jpg.webp?itok=uBanyx7g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-07-22%20121756.png.webp?itok=Tg08poTc)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/998f23e6-96f8-411e-9bf2-790b602921ca.png.webp?itok=8qzm2hkp)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_3_0.jpg.webp?itok=4fNjnbd7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/news-240423-sudan.harb__0_0_0_0_1_0.jpg.webp?itok=IaVQN1E4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

