التداعيات السياسية والعسكرية لتغلغل شبكات الإخوان المسلمين داخل الجيش السوداني

التداعيات السياسية والعسكرية لتغلغل شبكات الإخوان المسلمين داخل الجيش السوداني

التداعيات السياسية والعسكرية لتغلغل شبكات الإخوان المسلمين داخل الجيش السوداني


12/07/2026

عاد ملف النفوذ المتجذر لجماعة الإخوان المسلمين داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة النظامية إلى صدارة الجدل السياسي والأمني في المشهد السوداني. وترافقت هذه التطورات مع تحذيرات قوية ومكثفة حيال مخاطر استمرار هذا الحضور التنظيمي الذي يمتد لعقود؛ حيث وُجهت اتهامات صريحة ومباشرة للسلطات القائمة في العاصمة الإدارية المؤقتة "بورتسودان" بوجود غياب حقيقي للإرادة السياسية الموجهة نحو تنفيذ إصلاحات هيكلية وتفكيك وتطهير مفاصل الدولة، وهو الموقف السلبي الذي أتاح لشبكات النفوذ العقائدية المرتبطة بالتنظيم البقاء والاستمرار داخل مؤسسات الدولة ومفاصلها الأمنية والعسكرية، ممّا أدى إلى إعادة إنتاج أدوارها التأثيرية والسيطرة على قرارات ومسارات الصراع المسلح الراهن.

كواليس غياب الإرادة السياسية وآليات بقاء شبكات النفوذ

في قراءة مفصلة للتطورات الهيكلية المتصلة بهذا الملف، نقلت صحيفة "الاتحاد" عن الطيب يوسف، منسق لجنة تفكيك نظام الإخوان في السودان، تحليلاً لطبيعة المعضلة وتداخلاتها البنيوية؛ إذ أوضح أنّ عجز سلطة بورتسودان عن فرض سيطرة كاملة ومطلقة على مقاليد المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية يعود بالأساس إلى غياب التوجه نحو اتخاذ خطوات حاسمة وجادة لتفكيك مراكز النفوذ والسيطرة المرتبطة بالتنظيم الإخواني منذ الإطاحة برأس النظام عقب ثورة "ديسمبر".

وأكد يوسف أنّ هذا التراخي الإداري والسياسي، وسحب الصلاحيات من اللجان المكلفة بالتفكيك، أفسح المجال كاملاً لرموز وكوادر الجماعة للعودة إلى المشهد واستعادة شبكاتهم الشريانية وتأثيرهم المباشر داخل أروقة الجيش والمؤسسات النظامية ذات الصلة. وبحسب القراءة النقدية، فإنّ غياب أطر التفتيش والمحاسبة سمح لشبكات التمكين القديمة بتجديد أدواتها وتكييف حضورها وفق متطلبات المرحلة، ممّا أضعف قدرة مؤسسات الدولة الرسمية على ضبط حركة تلك الشبكات المتشابكة أو التنبؤ بمسارات تحركها.

وأضاف الطيب يوسف أنّ اعتماد سلطة بورتسودان على عناصر وجماعة الإخوان بصفتهم حلفاء سياسيين وميدانيين في المرحلة الراهنة قد قيد وقمع قدرتها على اتخاذ أيّ خطوات مواجهة حقيقية أو العمل على تقليص نفوذهم الداخلي. وشرح أنّ هذا النهج المعتمد على التكتيك والتصالح مع تلك الشبكات لغرض الحفاظ على التوازنات قد أدى بشكل مباشر إلى تراجع المفهوم الجوهري لبناء "جيش قومي مهني" محايد يُعبّر عن تطلعات أطياف الشعب السوداني بمختلف مكوناته.

وحذّر يوسف من أنّ هذا التوجه أسفر عن تقديم الحسابات السياسية والإيديولوجية الحزبية الضيقة على المبادئ العقائدية والمؤسسية للجيش؛ الأمر الذي أدى إلى إعادة تشكيل الرؤية العسكرية وتوجيه التحالفات القائمة على الأرض وفق بوصلة تنظمها مصالح وأهداف الجماعة، بدلاً من الارتهان للواجب الوطني المهني المحض المتجرد من الاستقطاب الحزبي.

الكتائب الموازية وتردي مستوى الانضباط العسكري

على الصعيد الميداني والتنظيمي، كشف منسق لجنة التفكيك عن أنّ شبكات الإخوان تمكنت خلال السنوات الماضية، ولا سيّما مع اندلاع الحرب الأخيرة، من استعادة مواقع قيادية ومؤثرة داخل أجهزة الدولة والمؤسسات النظامية، وذلك في ظل غياب أيّ حزم أو مواجهة فعلية للتمكين السابق.

وأشار يوسف إلى أنّ الاستعانة الميدانية والأمنية بمجموعات وكتائب مسلحة ذات خلفيات إيديولوجية وعقائدية صارخة "مثل كتائب البراء بن مالك والمجموعات الجهادية الموازية" أسهم بوضوح في خلق وتغذية مراكز نفوذ موازية داخل البنية العسكرية؛ وهي مراكز لا تخضع بشكل كامل أو مطلق لأوامر وتسلسل القيادة العسكرية الرسمية. واعتبر أنّ هذا التعدد في مراكز القوة والتأثير ينعكس سلباً وبشكل مباشر على وحدة القرار الميداني، ويتسبب في تآكل مستوى الانضباط والتراتب المتماسك الذي يمثل الركيزة الأساسية لأيّ مؤسسة عسكرية نظامية.

وسلط التقرير الضوء على التبعات الخطيرة لاستغلال الظرف الأمني والنزاع المسلح؛ حيث حذر يوسف من أنّ استمرار ظروف الحرب المشتعلة أضحى يُتخذ كذريعة سياسية وأمنية متكررة ومريحة لتأجيل كافة حزم الإصلاح الهيكلي والمؤسسي المطلوبة لتنقية المؤسسات من عناصر النظام السابق.

وأدى هذا المنحى السلبي إلى تثبيت الواقع القائم وتكريس اختلالاته البنيوية بدلاً من الشروع في معالجتها وفق أطر مهنية وقانونية ووطنية. وقد تسبب هذا التأجيل المتكرر بطبيعة الحال في تآكل وتراجع ثقة قطاعات واسعة ومقدرة من الشارع والمواطنين السودانيين والقوى المدنية في استقلالية وحياد المؤسسة العسكرية، ومدى قدرتها المستقبليّة على حماية التحول الديمقراطي والممارسة السياسية دون تحيز أو توجيه إيديولوجي.

واختتم منسق لجنة تفكيك نظام الإخوان قراءته بالتأكيد على التبعات الاستراتيجية لهذا الملف المحوري، مشدداً على أنّ استمرار وتمدد نفوذ الإخوان داخل المؤسسة العسكرية بات يمثل ـ بحسب تقديره المباشر ـ أحد أبرز العقبات والعوائق الهيكلية التي تحول دون الوصول إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة تنهي الأزمة السودانية وتوقف الحرب. ونبّه إلى أنّ اتساع هذا التغلغل التنظيمي أضحى يثير مخاوف حقيقية ومطردة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية؛ حيث تُبدي أطراف دولية عدّة تخوفها من نجاح التنظيم في استعادة زمام التحكم الكامل بمفاصل الدولة ومؤسساتها، وإعادة توجيه مسار مستقبلها السياسي والخيارات الخارجية وفق مرجعيات عقائدية حصرية، ممّا يُعقد فرص الوصول إلى سلام واستقرار دائمين في السودان والمنطقة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية