
مع كل صفارة سيارة إسعاف تشق الطريق بين الركام، تبدأ معركة أخرى لا تقلّ ضراوة عن محاولة انتشال المصابين من تحت الأنقاض؛ معركة البحث عن كيس دم قد يصنع الفارق بين الحياة والموت.
وفي قطاع غزة لم تعد بنوك الدم مجرد مرافق صحية، بل تحولت إلى خطوط دفاع أخيرة تواجه نزيفاً بشرياً متواصلاً، في ظل ضغط غير مسبوق على المخزون، واحتياجات طبية تتزايد بوتيرة تفوق القدرة على التعويض.
تترجم الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة أزمة نقص الدم، وتبين البيانات عمق الفجوة بين ما يحتاج إليه الجرحى وما هو متوفر فعلياً، إذ تحتاج المنظومة الطبية يومياً إلى 350 وحدة دم ومكوناته الحيوية كحد أدنى، أي ما يصل إلى 10 آلاف وحدة دم شهرياً، تذهب لتغطية غرف العمليات الطارئة وأقسام العناية المكثفة والحاجات الثابتة للمستشفيات الميدانية العاملة في مناطق النزوح.
هذا الرقم المرتفع يعود بالأساس إلى طبيعة الإصابات المعقدة التي تسببها الخروق الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، إذ تشير السجلات الطبية إلى أنّ الجريح الواحد في الحالات الحرجة وحالات بتر الأطراف قد يستهلك قرابة 40 وحدة دم خلال ساعات قليلة، لإنقاذ حياته من صدمة النزف.
ووفق مدير عام المستشفيات في وزارة الصحة منير البرش فإنّ قدرة بنوك الدم على الجمع الميداني تراجعت بنسب قياسية، فالحملات التي كانت ترفد المختبرات بمئات الوحدات يومياً، باتت بسبب الظروف الأمنية وسوء التغذية لا تكاد تجمع سوى 10 إلى 15 وحدة في الأسبوع، ممّا خلق فجوة اتسعت لتهدد بوقف العمليات الجراحية غير الطارئة.
ويقول البرش: إنّ 87% من المستهلكات الطبية ومواد الفحص المخبري باتت رصيداً صفرياً، أي غير متوفرة تماماً في المستودعات المركزية وبنوك الدم، وهذا النفاد الشامل طال كواشف الفحص الفيروسي الخماسي وأكياس الدم المخصصة للفصل، ممّا يعني بالأرقام أنّ قرابة تسعة من بين كل 10 مستلزمات مخبرية أساس اختفت من الخدمة.
بين الحياة والموت
ويروي المريض تحسين فياض (29 عاماً) تفاصيل الأيام التي غيرت حياته بعد إصابته بجروح بالغة نتيجة قصف إسرائيلي، ممّا أدى إلى فقدانه كميات كبيرة من الدم.
يقول فياض وهو يستعيد بصعوبة تلك اللحظات: "لم أكن أشعر بشيء سوى البرودة، وكنت أسمع أصواتاً حولي، لكنني لم أعد أستطيع تمييز الكلمات، وأخبرني الأطباء لاحقاً أنني فقدت كمية كبيرة جداً من الدم، وأنّ وصول وحدات الدم المناسبة في الوقت المناسب كان السبب الرئيسي في بقائي على قيد الحياة".
ويصمت قليلاً، ثم يتابع: "حين أفقت بعد العملية، كانت زوجتي تجلس إلى جانبي وهي تبكي، ولم أفهم السبب في البداية، لكنّها أخبرتني أنّ الأطباء طلبوا بشكل عاجل متبرعين يحملون فصيلة دمي، وأنّ عشرات الأشخاص لبوا النداء دون أن يعرفوني، وشعرت وقتها أنني مدين بالحياة لأناس لم أرهم يوماً".
ويضيف: "أصعب ما مررت به لم يكن الألم الجسدي، بل رؤية عائلات أخرى تنتظر خارج غرف العمليات، وهي تسأل عن توفر الدم لأبنائها، وكنت أرى القلق في وجوههم، وأدرك أنّ معركة العلاج لا تبدأ في غرفة الجراحة فقط، بل تبدأ من بنك الدم".
ويصف فياض الأيام التالية للعلاج قائلاً: "احتجت إلى عمليات متتابعة، ومع كل عملية كنت أسمع حديث الأطباء عن ضرورة توفير وحدات دم إضافية، فأشعر بالخوف ليس على نفسي فقط، بل على كل مريض ينتظر دوره، وأتساءل: ماذا لو لم يجدوا الدم في المرة القادمة؟".
النجاة بكيس دم
ويرى فياض أنّ تجربة المرض غيّرت نظرته إلى التبرع بالدم بصورة كاملة، ويوضح: "كنت أظن أنّ التبرع بالدم عمل إنساني مهم، لكنني لم أكن أتخيل أنّه قد يكون الحد الفاصل بين الحياة والموت لشخص لا تعرفه، واليوم لو استطعت التبرع لفعلت ذلك كلما سمحت حالتي الصحية".
ويكمل: "في السابق كنت أسمع عن حملات التبرع بالدم، لكنني لم أكن أتخيل أنني قد أكون يوماً الشخص الذي ينتظر هذا التبرع، أمّا الآن، فكلما رأيت كيس دم، لا أفكر فيه كإجراء طبي فقط، بل أفكر في الإنسان الذي خصص جزءاً من وقته ليمنح شخصاً آخر فرصة للنجاة".
ويضيف: "أتمنى أن يدرك الجميع أنّ المتبرع لا يعرف غالباً من سيستفيد من دمه، لكنّ هذا لا يقلل من قيمة ما يقدّمه، فربما ينقذ طفلاً، أو أمّاً، أو شاباً في مقتبل العمر، وربما يمنح أسرة كاملة سبباً جديداً للأمل".
ويؤكد فياض أنّه "عندما تكون في صحة جيدة، قد يبدو التبرع بالدم أمراً عادياً، لكنّه بالنسبة إلى شخص يرقد على سرير المستشفى قد يكون الفرق بين أن يرى أبناءه مرة أخرى أو لا يراهم، فلا أحد يتمنى أن يحتاج إلى الدم، لكنّ كثيرين يحتاجون إليه فعلاً".
بين النزيف والانتظار
وداخل قسم الجراحة بمستشفى الأهلي ترقد الفلسطينية سناء الهندي، وقد بدت ملامح الإرهاق واضحة على وجهها بعد سلسلة من العمليات الجراحية التي أعقبت إصابة بالغة تعرضت لها، وتقول بصوت متقطع، بينما تمسك بيد ابنتها: "لم أكن أتخيل يوماً أن يصبح كيس الدم حلماً، ففي البداية أخبرني الأطباء أنني بحاجة إلى وحدتين فقط، ثم تطورت حالتي وأصبحت أحتاج إلى نقل دم بشكل متكرر بسبب النزيف المستمر".
وتضيف الهندي (33 عاماً): "كنت أراقب وجوه الأطباء وهم يتبادلون النظرات، وأشعر أنّهم يخشون إخباري بأنّ المخزون لا يكفي، وفي تلك اللحظة لا يفكر الإنسان إلا بشيء واحد، هل سأبقى على قيد الحياة حتى يصل متبرع؟".
وتوضح بعد لحظات من الصمت: "كنت أسمع عائلتي تتصل بالأقارب والأصدقاء، وتنشر نداءات عبر الهواتف ومواقع التواصل، بحثاً عن أيّ شخص يحمل فصيلة دمي، ولم يكن الخوف من الجراحة هو الأصعب، بل انتظار الخبر الذي يقول إنّ الدم أصبح متوفراً".
وتتابع الهندي حديثها: "رأيت مرضى آخرين ينتظرون مثلما كنت أنتظر، وهناك أطفال، ونساء، وكبار في السن، جميعهم ينظرون إلى أبواب الأقسام مترقبين وصول المتبرعين، وعندما وصلت أول وحدة دم شعرت كأنّ الحياة عادت إلى جسدي".
نداء للحياة
وتشير إلى أنّ أكثر ما يؤلمها هو الشعور بالعجز أمام معاناة عائلتها، وتوضح الهندي: "زوجي كان يخرج منذ ساعات الصباح يبحث عن متبرعين، ثم يعود منهكاً دون نتيجة، وكنت أخشى أن أفقد حياتي، لكنني كنت أخشى أكثر أن أتركهم وحدهم".
ثم تستطرد قائلة: "كنت أخشى ألّا أرى أطفالي مرة أخرى، وأحاول أن أبتسم حتى لا يشعروا بخوفي، لكنّ الحقيقة أنني كنت أعيش صراعاً داخلياً مريراً، وكنت أقاوم فكرة أن ينتهي كل شيء بسبب عدم توفر وحدات دم".
وتكمل الهندي: "عندما تكون بحاجة إلى الدم، تدرك أنّ حياتك أصبحت مرتبطة بإنسان آخر قد لا يعرفك، لكنّه يستطيع أن يمنحك فرصة جديدة للعيش".
وتواصل: "التبرع بالدم عمل إنساني جميل، لكنني لم أتخيل أنّه قد يكون طوق النجاة الحقيقي لشخص يحتضر، واليوم لو سمحت لي حالتي الصحية، لكنت أول الواقفين في طابور المتبرعين".
وترفع الهندي رأسها قليلاً قبل أن تختم حديثها برسالة مؤثرة: "لا تنتظروا حتى يصبح أحد أفراد عائلتكم هو المريض، فالتبرع بالدم ليس مجرد عمل تطوعي، بل مسؤولية إنسانية، وكل كيس دم قد يكون بداية حياة جديدة لشخص لا تعرفونه، لكنّه سيظل يتذكر أنّ إنساناً مجهولاً منحه فرصة أخرى ليعيش".
حاجة طبية ملحة
يرى أستاذ أمراض الدم في جامعة القدس أشرف الباز أنّ "أبرز الأسباب التي تجعل المرضى بحاجة إلى نقل الدم بشكل عاجل، هي حالات النزيف الحاد الناتجة عن الإصابات، والعمليات الجراحية الكبرى، والنزيف المصاحب لبعض حالات الولادة، إضافة إلى مرضى الثلاسيميا وفقر الدم الشديد وبعض أمراض الدم والأورام الذين يحتاجون إلى نقل الدم بصورة منتظمة للحفاظ على استقرار حالتهم الصحية".
ويضيف الباز: "يزداد الطلب عادة على كريات الدم الحمراء في حالات النزيف الحاد، بينما يحتاج مرضى آخرون إلى الصفائح الدموية أو البلازما بحسب حالتهم، لذلك فإنّ توفر جميع الفصائل ومكونات الدم يُعدّ أمراً ضرورياً لضمان الاستجابة السريعة للاحتياجات العلاجية".
ويوضح: "انخفاض مستوى الدم يشكل تحدياً كبيراً، لأنّه قد يؤخر بعض العمليات الجراحية أو إجراءات العلاج، ويزيد الضغط على الطواقم الطبية في إدارة الحالات الطارئة، لذلك فإنّ وجود مخزون كافٍ من الدم ومكوناته يسهم في تقديم الرعاية الطبية في الوقت المناسب".
ويكمل أنّ "وحدة الدم تمر بعدة مراحل تشمل تقييم أهلية المتبرع، ثم سحب الدم وإجراء الفحوصات المخبرية للكشف عن الأمراض المنقولة بالدم، وتحديد الفصيلة، والتأكد من التوافق مع المريض، قبل حفظه وفق معايير محددة ونقله للاستخدام الطبي عند الحاجة".
ويرى الأكاديمي الفلسطيني أنّ "التبرع بالدم عمل إنساني نبيل، وقد يكون السبب في إنقاذ حياة مريض يحتاج إلى العلاج بشكل عاجل، لذلك ندعو كل من تنطبق عليه شروط التبرع إلى المبادرة بصورة منتظمة، لأنّ الحاجة إلى الدم مستمرة، وكل وحدة يتم التبرع بها قد تمنح مريضاً فرصة جديدة للحياة".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_5_0_2.jpg.webp?itok=YGUlqInh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9%20_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=zKerIkYv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=L1S6eekS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A7%D9%87%D8%B1_7_0_1_0_0.jpg.webp?itok=QNlhhKWY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_21_3_0.jpg.webp?itok=zYqBzaKL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20996_0_3_3.jpg.webp?itok=lMfan2Bz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86_6_2_0_7_0_0.jpg.webp?itok=AW7q4dcB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0.jpg.webp?itok=VpqPRWkI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1_1.jpeg.webp?itok=0RYjyFXI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ZJ1m9LNTV-4FDGvzquwEV3srIpx4zIBNruDRcvcNfO1NMBTtSbigJu6RWhs2Ve3Lza4rhfA-_ZzFR0z0mlliFv2PzsjwVkuWBOlP893R3NAR7C3etNBzEXOdcrNy_uqsTiEXM0jH1BjwRexZVuSe0cWgs7D23OrjKjBAdUrxowfO58V2P61hPNFHrZ8EA9s7.jpg.webp?itok=qvWozWYE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/sBDCydvI1zOBZQidDOfpRQWqxkPOPcm-ol6OGc58PWIJwWgMqLATf3Kf_8ciWHNkrVsabwhqFTOO7vEoPI3BZrkWYpNmGLje0HZdLU9q5DaHPJOsx_qL35g5cjK-oHho8FJkYAtV_TAWwA5rsfBk_6UT0xZn0rgrGZComiZc1hJ49zNDQhY8wWSR-A4Yx6Ga.jpg.webp?itok=E89txo07)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0.jpg.webp?itok=KsUddOOW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D8%AD%D8%A9_0_3_2_4.jpg.webp?itok=qRVy56IE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_3.jpg.webp?itok=KE0VCaW3)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_3.jpg.webp?itok=xVE89XIG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22.jpg.webp?itok=d0zAs0_H)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%81%D9%88%D8%B1_3.jpg.webp?itok=wrsAg3D5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hrmz_1_0_5_1.jpg.webp?itok=TKlST296)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)