
تبدو العلاقة بين الإخوان المسلمين والثورة الإسلامية الإيرانية نتاجاً لتاريخ طويل من التفاعل الفكري والتنظيمي، أكثر منها مجرد تقارب فرضته الظروف السياسية الطارئة منذ عام 1979. فالمشروعان، وفق ما يشير مركز "تريندز" في دراسة له، رغم اختلاف المذهب والبيئة الاجتماعية، انطلقا من رؤية متقاربة لدور الدين في السياسة، ومن طموح مشترك لإعادة صياغة السلطة والمجتمع وفق تصور إيديولوجي عابر للحدود الوطنية. لم يقتصر التقارب بين جماعة الإخوان المسلمين والإسلاميين الإيرانيين على تبادل الأفكار، بل سرعان ما تطور إلى مستوى أكثر عمقاً، تمثل في التأثير المتبادل على أساليب العمل التنظيمي والثوري. وقد شكلت اللقاءات التي جمعت قادة الطرفين خلال خمسينيات القرن الماضي نقطة تحول مهمة في بناء جسور التواصل بين المشروعين الإسلاميين، رغم انتمائهما إلى بيئتين مذهبيتين مختلفتين.
الإخوان و"فدائيان إسلام"
ومن أبرز هذه المحطات اللقاء الذي جمع سيد قطب بنواب صفوي، مؤسس حركة "فدائيان إسلام" الإيرانية، خلال زيارة الأخير إلى مصر مطلع الخمسينيات. ففي عام 1953 شارك صفوي في فعاليات المؤتمر الإسلامي بدعوة من سيد قطب الذي كان يتولى آنذاك موقعاً بارزاً في أمانة المؤتمر، قبل أن تتوسع اللقاءات لتشمل قيادات جماعة الإخوان المسلمين ومؤسساتها الفكرية والتنظيمية. ولم تكن هذه الزيارة مجرد مناسبة للتعارف السياسي، بل تحولت إلى محطة مؤثرة في مسار الحركات الإسلامية العابرة للحدود. فقد وجد صفوي في تجربة الإخوان نموذجاً تنظيمياً متقدماً لحركة تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع والدولة انطلاقاً من مرجعية دينية، بينما رأت الجماعة في الحركة الإيرانية الناشئة امتداداً لمشروع إسلامي يتجاوز الحواجز المذهبية التقليدية.
وتكشف بعض التصريحات المنسوبة إلى نواب صفوي حجم الإعجاب الذي تكنّه الحركة الإيرانية المبكرة لتجربة الإخوان المسلمين؛ فقد دعا أتباعه إلى الاستفادة من تجربتهم التنظيمية والفكرية، في إشارة تعكس قناعته بأنّ المشروعين ينتميان إلى فضاء إيديولوجي واحد رغم اختلاف المرجعيات الفقهية. كما أنّ الأهمية الحقيقية لهذه اللقاءات لا تكمن في بعدها الرمزي فقط، وإنّما في انعكاساتها العملية على طبيعة الحركات الإسلامية في المنطقة. فقد أسهم التفاعل بين الجانبين في تعزيز فكرة التغيير الثوري بوصفها أداة للوصول إلى السلطة وإعادة صياغة النظام السياسي. وخلال تلك المرحلة كانت جماعة الإخوان قد راكمت تجربة واسعة في العمل السري والتنظيم الهرمي وبناء الأجنحة الخاصة، وهي التجربة التي جذبت اهتمام العديد من الحركات الإسلامية الأخرى. كما أنّ الخطاب الذي يربط بين إقامة الدولة الإسلامية وضرورة مواجهة الأنظمة القائمة ترك أثراً واضحاً لدى بعض التيارات الإسلامية الإيرانية التي كانت تبحث عن وسائل أكثر فاعلية لإسقاط النظام الملكي. بل إنّ حركة "فدائيان إسلام" اتجهت بصورة متزايدة نحو تبنّي أساليب المواجهة المباشرة والعنف السياسي ضد خصومها، مستندة إلى قناعة مفادها أنّ إزالة العقبات أمام المشروع الإسلامي قد تستلزم اللجوء إلى القوة. وقد تجسد ذلك في سلسلة من عمليات الاغتيال السياسي التي استهدفت شخصيات بارزة في إيران، من بينها رئيس الوزراء الإيراني حاج علي رزم آرا، إضافة إلى المفكر والمؤرخ أحمد كسروي الذي كان من أبرز منتقدي المؤسسة الدينية التقليدية.
العنف عامل مشترك
وبصرف النظر عن الاختلافات التاريخية والظروف المحلية التي أحاطت بكل تجربة، فإنّ مسار الحركتين يكشف عن تشابه في النظرة إلى العنف بوصفه أداة سياسية مشروعة في ظروف معينة لتحقيق أهداف عقائدية أو إحداث تغيير جذري في بنية السلطة. وبالمحصلة، إذا كان حسن البنا قد مثّل مصدر إلهام تنظيمي للإسلاميين الإيرانيين، فإنّ سيد قطب تحول إلى مرجعية فكرية وسياسية أكثر تأثيراً لدى الأجيال التي قادت الثورة الإسلامية لاحقاً. فقد وجدت النخبة الثورية الإيرانية في كتابات قطب تصوراً متكاملاً نظرياً وحركياً للعلاقة بين الدين والسياسة، ولطبيعة الصراع بين المشروع الإسلامي والأنظمة الحديثة. ولذلك لم يكن من المستغرب أن تحظى مؤلفاته باهتمام واسع داخل الأوساط الإسلامية الإيرانية منذ ستينيات القرن الماضي.
كما أنّ المرشد الإيراني علي خامنئي من أبرز الشخصيات التي أبدت اهتماماً مبكراً بأفكار قطب؛ إذ قام بترجمة عدد من مؤلفاته إلى اللغة الفارسية، من بينها "المستقبل لهذا الدين" و"معالم في الطريق"، فضلاً عن أجزاء من تفسير "في ظلال القرآن". وقد أسهمت هذه الترجمات في إدخال المفاهيم القطبية إلى البيئة الفكرية الإيرانية وإعادة إنتاجها ضمن السياق الشيعي الثوري. من ثم، لم يقتصر التأثر على الجانب الفكري فقط، بل امتد إلى تشكيل الرؤية السياسية لدى عدد من قادة الثورة الإيرانية الذين رأوا في كتابات قطب نموذجاً نظرياً للمواجهة مع الأنظمة التي اعتبروها تابعة للغرب أو بعيدة عن المرجعية الإسلامية. وتكشف تصريحات خامنئي حول تأثير نواب صفوي في تكوينه الفكري عن استمرار الخيط الواصل بين التجربة الإخوانية والإسلاموية الإيرانية، عبر حلقات متعاقبة من التأثر الفكري والتنظيمي والثوري.
التأثير المتبادل
وبذلك، فإنّ العلاقة بين الإخوان المسلمين والإسلاموية الإيرانية لم تكن مجرد تقاطع عابر بين جماعتين دينيتين، بل مثّلت حالة من التأثير المتبادل أسهمت في تشكيل ملامح الإسلام السياسي في فترة الصحوية وما تلاها على مستوى النسخة السنّية والشيعية، بينما أنتجت شبكة معقدة من الأفكار والخبرات والتنظيمات التي ما زالت تلقي بظلالها على المشهد السياسي في المنطقة حتى اللحظة.
ولئن كانت إحدى أهم الإشكاليات التي واجهت الإسلاميين الشيعة في القرن العشرين تمثلت في كيفية الانتقال من موقع الانتظار الديني إلى موقع الفعل السياسي، فإنّ أدبيات الإسلام السياسي السنّي، وخاصة أفكار حسن البنا وسيد قطب، شكلت أرضية فكرية مهمة لإعادة بناء مفهوم السلطة الدينية بصورة أكثر ديناميكية، تسمح للحركات الإسلامية بالمطالبة بالحكم المباشر وإدارة الدولة باسم الإسلام.
ورغم الاختلاف الواضح بين طبيعة التنظيم الإخواني وطبيعة الدولة التي أنشأتها الثورة الإيرانية، فإنّ الطرفين تشاركا رؤية تتجاوز مفهوم الدولة الوطنية التقليدية. فالإخوان تبنوا منذ تأسيسهم فكرة التنظيم العالمي الذي يعمل على توحيد المسلمين تحت مظلة مشروع سياسي إسلامي جامع، بينما رفعت الجمهورية الإسلامية شعار "تصدير الثورة" باعتباره وسيلة لنشر نموذجها السياسي خارج الحدود الإيرانية. وفي الحالتين، جرى التعامل مع الهوية الدينية بوصفها رابطة أعلى من الانتماء الوطني، ومع المشروع الإيديولوجي بوصفه إطاراً أممياً عابراً للدول والقوميات. ولهذا لم يكن مستغرباً أن ينظر كل طرف إلى نفسه باعتباره قائداً لمشروع نهضوي إسلامي عالمي، لا مجرد حركة أو دولة ذات مصالح محلية. ولأنّ السيطرة السياسية لا تتحقق عبر المواجهة المباشرة فقط، فقد عمل الطرفان على تأسيس شبكات واسعة من المؤسسات التعليمية والثقافية والخيرية والإعلامية داخل العالم الإسلامي وخارجه.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_252_1.jpg.webp?itok=G77Cy7D-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/c5f68114-ca1d-454f-83dd-8ca2c8611166.png.webp?itok=Xsm_IVKl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ANSRYNTMWNLLJYSHLSWDNY_101921_large.png.webp?itok=tiATu_iz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_9.jpg.webp?itok=xXG1xR3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/216-185433-yemen-brotherhood-chameleon-changing-skins_700x400.jpg.webp?itok=ggt8vZt9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_1_1_0.jpg.webp?itok=6lHiql0u)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9%20_0_4_1.jpg.webp?itok=FaWDSrTj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/216-210430-sudan-war-the-muslim-brotherhood_700x400_0.jpg.webp?itok=InssUKYu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/it3k-iNnoU0d7E6EQAn-bIpz6asYt6Df3AcOAKkODI6Iu6oU8JVtWSnrt8LDAEZuUZCEeF_0dkHn6s3VqcHYV25EXTR6SB7UYUDD80z9aX9-befoUCOLRto4ch2M4PZpyTRBhm3KOBj3Ry-BaRd3-FvLc5JWLDOzx8xLs0TNa8iDEp2c69cDoKWIvbov0RmY.jpg.webp?itok=f6pE12JY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_268.jpg.webp?itok=YQmopl3t)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8VU4uycOSBOxbSE3u7odvgHzAnoTJLQ7yIgyDJEv47dkLsnyniqgZ1vHl4mk5QNF8BVKwdsPfNoZFme_JY1QfUfT9PAzPaNHA-3xSl0jsJiepkvC89BFrlIrY-HpVlmfuN4uufVyUD9etQjSjRq-17jvIXVEoE9fGL0sp8Z_-V4zrM0x4pSJggwg5dduFQvt.jpg.webp?itok=NR2YiNdN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5d49e4b9-5798-4dfd-9ca9-6ea7a8ab168c.png.webp?itok=IDiOyouT)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA1_0.jpeg.webp?itok=H3sT3_hF)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/KqdE2Cu7q-gTzPLWuTdg_VDs36f4kfLPDzy_rm7DTN8DuUti2_0LH5iN68QV7IjITi6BW_neRwUzlVLyuPYAFRS9-nEMMq_o-22BiOfMBvsrtjqUHTiMsg-UsYNJW3fQqnE_etO9FVoGgNJpbfnEIlj6hsd9LzCYhkobGJX9sjh6wQS8QwmMoFZc8O2OJdR8.jpg.webp?itok=bT6cxsdx)








![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)