
لم يكن الصياد محمد أبو ريالة (52 عاماً) يتوقع يوماً أن يصبح باب منزل مهدم جزءاً من قارب يحمله إلى البحر، أو أن تتحول عارضة خشبية كانت تسند سقف غرفة معيشة إلى دعامة لهيكل مركبه الصغير، غير أنّ الواقع الذي فرضته الحرب، وندرة الأخشاب البحرية ومواد الصيانة، دفع كثيراً من صيادي غزة إلى إعادة تدوير ما بقي من ركام المنازل لإعادة الحياة إلى قواربهم.
على شاطئ غزة يرسو القارب متواضعاً، تبدو على هيكله آثار اختلاف ألوان الأخشاب، فكل قطعة تحمل حكاية منزل آخر، ورغم ذلك يظل القارب قادراً على الإبحار، ولو لمسافات محدودة، ليؤمن له فرصة البحث عن رزق في بحر لم يعد يمنح الصيادين سوى القليل.
وكان قطاع الصيد في غزة يوفر مصدر رزق لنحو 5 آلاف صياد، إلا أنّ عدد العاملين فيه تراجع اليوم إلى نحو 400 صياد فقط، يضطرون للعمل على قوارب صغيرة جداً ضمن مساحة بحرية لا تتجاوز 800 متر من الشاطئ، في ظل تهديدات يومية متواصلة من البحرية الإسرائيلية.
وأفاد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بأنّ الثروة السمكية تعرضت لضرر كامل، فقد تضرر 100% منها نتيجة استهداف قوات الاحتلال لمناطق الصيد.
وبموجب اتفاقية "أوسلو" الموقعة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل عام 1993، كان من المفترض أن يمتد المجال البحري المخصص لغزة إلى 20 ميلاً بحرياً.
وتقلصت هذه المساحة منذ عام 2006 إلى 6 أميال بحرية، ثم انخفضت بشكل أكبر بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 لتقتصر على عمق لا يتجاوز 3 كيلومترات، ومع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، حددت المسافة المسموح بالصيد فيها بـ 800 متر فقط.
قارب من بين الأنقاض
يقول أبو ريالة: "عندما تضرر قاربي كنت أعتقد أنّ رحلتي مع البحر انتهت، فبحثت في كل مكان عن ألواح خشبية بحرية، فلم أجد، وإن وجدت كانت أسعارها خيالية، وكنت أمر يومياً بجوار مناطق الركام، ولاحظت أنّ بعض الأبواب والنوافذ والأعمدة الخشبية ما زالت متماسكة رغم الدمار، عندها خطرت لي الفكرة".
ويضيف: "لم أكن واثقاً من نجاحها، لكنني كنت مقتنعاً بأنّ الانتظار لن يعيد القارب إلى البحر، فجمعت بعض الأخشاب، واستعنت بصديق يعمل في النجارة، وبدأنا نفككها ونزيل عنها الإسمنت والدهانات القديمة، ثم نحاول تشكيلها بما يناسب أجزاء القارب".
ويوضح أبو ريالة: "استغرق الأمر أسابيع طويلة، لأننا كنا نتعلم أثناء العمل، فكل قطعة كانت تحتاج إلى قياس وتجربة، ولم تكن هناك مواد حديثة تساعدنا، بل أدوات يدوية وخبرة تراكمت مع الأيام".
ويتابع: "قبل أن أذهب إلى البحر، أذهب إلى الركام، أبحث عن الخشب الصلب الذي لم يتشقق، وعن المسامير والمفصلات والقطع المعدنية، وأحياناً أجد قطعة صغيرة، لكنّها توفر عليّ مبلغاً لا أستطيع دفعه".
ويؤكد أنّ "الارتفاع الهائل في أسعار الأخشاب هو وجه آخر للأزمة، فالقطعة التي كانت تباع قبل الحرب بأسعار بسيطة أصبحت اليوم سلعة نادرة، فلوح الخشب الذي كان سعره 10 شواكل (نحو 3.3 دولارات) أصبح ثمنه 200 شيكل (نحو 67 دولاراً)"، لافتاً إلى أنّ معظم هذه الأخشاب ليس مخصصاً أصلاً لصناعة القوارب، بل إطارات أبواب ونوافذ تفكك ثم يعاد تشكيلها داخل الورش".
ويكمل: "ليست كل الأخشاب صالحة، فبعضها يكون قد احترق أو امتص الرطوبة، لذلك أصبحنا نميز بالنظر واللمس أيّ قطعة يمكن أن تتحمل البحر، ناهيك عن عملية الجمع فهي مرهقة، لكنّها أصبحت جزءاً من يومنا، فلم يعد الصياد صياداً فقط، بل أصبح نجاراً وحداداً وعامل صيانة في الوقت نفسه".
ويواصل: "كل لوح خشبي يحمل قصة بيت كان مليئاً بالحياة، ودائماً أتساءل: لمن كان هذا الباب؟ ومن كان يجلس خلف هذه النافذة؟ وأشعر بحزن كبير، لكنني أشعر أيضاً أنّ هذه الأخشاب لم تمت، لقد انتقلت من حماية البيوت إلى حماية الصيادين في البحر".
ويبين أبو ريالة: "بعد كل رحلة أقوم بإصلاحات جديدة، فالمياه المالحة تؤثر بسرعة، وبعض الأجزاء تحتاج إلى تبديل مستمر، لكن رغم ذلك، يبقى هذا أفضل من البقاء على الشاطئ بلا عمل، فكلما خرجت إلى الصيد، أتذكر أنّ هذا القارب وُلد من الدمار، لكنّه ما زال يمنحنا فرصة للحياة".
ويتمنى أبو ريالة أن يأتي يوم يتمكن فيه من بناء قوارب بمواد مخصصة لها، لا من بقايا البيوت، لكن إلى أن يتحقق ذلك، سيواصل العمل بما هو متاح.
قوارب تولد من الركام
هذه الحال لا تختلف لدى الصياد منصور الهسي الذي صنع قارباً جديداً، بظل من قاربه الذي دمره الاحتلال خلال الحرب المستمرة، مستخدماً أخشاباً من ركام المنازل المدمرة.
ولم تكن الفكرة لدى الهسي (44 عاماً)، خياراً هندسياً أو اقتصادياً، بل كانت نتيجة مباشرة لانعدام البدائل. يقول: "عندما تعرّض قاربي للتدمير، بحثت عن أخشاب جديدة فلم أجد، وإن وجدت فإنّ أسعارها أصبحت فوق طاقتي".
ويوضح: "عندها بدأنا ننظر إلى ما حولنا، فاكتشفنا أنّ بعض ألواح الأبواب والنوافذ التي بقيت سليمة بين الركام يمكن الاستفادة منها بعد تنظيفها ومعالجتها. في البداية شعرنا بالخوف من الفكرة، لأنّ البحر لا يرحم، والقارب يحتاج إلى مواد تتحمل الرطوبة والملوحة، لكنّ الحاجة كانت أقوى من التردد، فبدأنا نجرب قطعة بعد أخرى، ونتعلم من الأخطاء، حتى أصبحت لدينا خبرة في اختيار ما يصلح وما لا يصلح".
ويكمل الهسي: "نخرج منذ ساعات الصباح الباكر إلى المناطق التي تعرضت للدمار، لا نأخذ شيئاً إلا بعد التأكد من أنّه لم يعد صالحاً لأصحابه أو بعد الحصول على موافقتهم عندما يكون ذلك ممكناً، ونفتش بين الأنقاض عن ألواح خشبية متماسكة، أو قطع حديد مستقيمة، أو مسامير يمكن إعادة استخدامها".
ويتابع: "بعد نقلها إلى الميناء تبدأ مرحلة شاقة من العمل، ننظف الأخشاب من بقايا الإسمنت، ونزيل الصدأ عن الحديد، ثم نقيس كل قطعة بدقة حتى تتناسب مع الجزء المطلوب إصلاحه في القارب".
ويضيف: "الصعوبة ليست في تركيب القطعة فقط، وإنّما في ضمان قدرتها على الصمود داخل البحر، ونقضي يومين كاملين في إصلاح جزء صغير، ثم نكتشف بعد أول رحلة أنّ المياه بدأت تتسرب، فنعود إلى العمل من جديد".
إصلاحات قسرية
ويواصل: "كثير من الأدوات التي كنا نستخدمها لم تعد متوفرة، وبعض مواد الطلاء والعزل الخاصة بالقوارب غير موجودة، لذلك نضطر إلى ابتكار حلول بسيطة، لكنّها لا تمنحنا الجودة نفسها، حتى شباك الصيد ارتفعت أسعارها بشكل جنوني، ولفة الغزل التي كانت تباع بـ 100 شيكل (نحو 34 دولاراً)، بات سعرها اليوم يتجاوز 2500 شيكل (نحو 844 دولاراً)، بينما يفتقر الصيادون للمال لإعادة بناء ما دمرته الحرب".
ويلفت: "هذا الشح الحاد انعكس قفزة هائلة في الأسعار بلغت ما بين 4 إلى 7 أضعاف السعر القديم، فصندوق السمك الذي كان يباع بـ 3 إلى 5 شواكل قبل الحرب، أصبح الكيلو الواحد من النوع الرديء نفسه يباع اليوم بـ 20 إلى 35 شيكلاً".
ويبين: "كان الصياد في الماضي يخصص معظم وقته للبحر، أمّا اليوم فقد أصبح يقضي وقتاً طويلاً في إصلاح قاربه أكثر ممّا يقضيه في الصيد، وغالباً ما نعمل أسبوعاً كاملاً حتى نتمكن من الإبحار لساعات معدودة".
ويتابع: "كل يوم يتأخر فيه القارب عن البحر يعني يوماً بلا دخل، فلدينا أسر تنتظر ما نعود به، ولذلك نحاول إصلاح القارب بأيّ وسيلة ممكنة، مشيراً إلى أنّها حلول اضطرارية وليست مثالية، فهذه الأخشاب المستخدمة ليست مخصصة للقوارب، والحديد المستخرج من الركام يحتاج إلى معالجة، لكن عندما تكون الخيارات معدومة، يصبح الهدف الأول هو إعادة القارب إلى العمل".
ويؤكد الهسي أنّ "كل قطعة خشب نثبتها في القارب تمنحنا شعوراً بأننا نعيد بناء جزء من حياتنا، وليس مجرد وسيلة للصيد، فالقارب بالنسبة إليّ ليس مجرد وسيلة عمل، بل هو تاريخ عائلتي، وعندما أقف على متنه أشعر أنني أحافظ على مهنة ورثناها جيلاً بعد جيل".
انهيار قطاع الصيد
بدوره يؤكد رئيس النقابة العامة للعاملين في الصيد والإنتاج البحري، ومسؤول لجان الصيادين في قطاع غزة، زكريا بكر، أنّ "الحرب دمرت معظم مقومات قطاع الصيد، بعدما فُقد نحو 95% من مراكب الصيد، وغرف الصيادين، ومصنع الثلج، وسوق السمك المركزي".
ويضيف بكر أنّ "القطاع كان يضم قبل الحرب أكثر من 5 آلاف صياد، يعملون على نحو 1050 مركباً مزوداً بمحركات، بينها 96 مركباً كبيراً، إضافة إلى نحو 1000 قارب صغير يعمل بالمجاديف، إلا أنّ معظم هذه المراكب خرج من الخدمة بعد تعرضها للتدمير".
ويلفت إلى أنّ "الإنتاج السمكي شهد تراجعاً حاداً، إذ انخفض من نحو 15 إلى 20 طناً يومياً قبل الحرب إلى ما يقارب 10 أطنان فقط شهرياً، بعدما كان الإنتاج السنوي للقطاع يلامس 4 آلاف طن، ولم يتبقَّ منه اليوم سوى نحو 2%، في ظل القيود الإسرائيلية المشددة على حركة الصيادين داخل البحر".
وفيما يتعلق بالخسائر البشرية، يؤكد بكر أنّ "الحرب أسفرت عن مقتل أكثر من 232 صياداً، بينهم 67 قتلوا أثناء مزاولة عملهم، إضافة إلى إصابة أكثر من 100 آخرين، واعتقال ما يزيد على 100 صياد، وما يزال أكثر من 30 منهم رهن الاحتجاز في السجون الإسرائيلية".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/E2uZwA1X0AI7hoK.jpg.webp?itok=yAYiaTZB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D8%B4%D9%82_3_0_1_0_0_0_3.jpg.webp?itok=9GN-vDYs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/it3k-iNnoU0d7E6EQAn-bIpz6asYt6Df3AcOAKkODI6Iu6oU8JVtWSnrt8LDAEZuUZCEeF_0dkHn6s3VqcHYV25EXTR6SB7UYUDD80z9aX9-befoUCOLRto4ch2M4PZpyTRBhm3KOBj3Ry-BaRd3-FvLc5JWLDOzx8xLs0TNa8iDEp2c69cDoKWIvbov0RmY.jpg.webp?itok=f6pE12JY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Mostafa_Elfeki_0.png.webp?itok=4x7KWF2O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%89_4.jpg.webp?itok=nhTH27kZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/d35b4222-7b2b-4f86-bbd3-cb45f76333f9.png.webp?itok=2NSfnwgy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B4%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=cwho5vGR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/08dcVfVjDKDCg_OiqKsNeY9LuHnuBRg959oSPfTY9zclhCU0i1G9ddNcCaoflxmRKtwzWZZ8O8b7Nfc1rlLigrMqe6fWOI8HB5XeAEsmcXsLVu58OfHbxlu88ejuDQxqrhtLAz55q68qC5A_ZPf_y2vOHb0mUkEkwYe_iGjbNxDcfYioapjhP7awQg3TOpuE.jpg.webp?itok=_MlULBr0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/KAsHQSagKE5vVmyTgq2vEaGekqdVgGxRM7zwgBiLozHLat-eXm7s_Rz5adPiXjMvuovK-PJPan5xWutc2_5YDjBXQAjhDfwrTmc8vtYSV_DOLjWUpzgZhCzj1llc9Ofkc5B8SS1ae530fIWL5Siu_KtwjOjndYjH0oaVDmYc6z91y-DFRcUw2hH9oqu_5-mv.jpg.webp?itok=dFw_BOW1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_1.jpg.webp?itok=5fl84KZ4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85%20%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A_1_0_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=RKsaxLQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/KqdE2Cu7q-gTzPLWuTdg_VDs36f4kfLPDzy_rm7DTN8DuUti2_0LH5iN68QV7IjITi6BW_neRwUzlVLyuPYAFRS9-nEMMq_o-22BiOfMBvsrtjqUHTiMsg-UsYNJW3fQqnE_etO9FVoGgNJpbfnEIlj6hsd9LzCYhkobGJX9sjh6wQS8QwmMoFZc8O2OJdR8.jpg.webp?itok=bT6cxsdx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA1_0.jpeg.webp?itok=H3sT3_hF)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)