الدراما المصرية بين تراجع الرسالة وهيمنة السوق

الدراما المصرية بين تراجع الرسالة وهيمنة السوق

الدراما المصرية بين تراجع الرسالة وهيمنة السوق


29/06/2026

تُعدّ الدراما التلفزيونية واحدة من أهم المغذيات الإبداعية لعوام الناس ومتميزيهم، فسهولة النص الحواري وتجسيده على الشاشة تُسهم في سهولة التلقي لكافة الطبقات والشرائح الاجتماعية. ولطالما تميزت الدراما التلفزيونية في مصر بأعمال أسهمت في صناعة ذكريات مُشتركة للشعب بكل أطيافه، وامتدت إلى الوطن العربي، فكانت، بشكل أو بآخر، سببًا في لُحمة اجتماعية وصناعة تقاليد وأعراف ثابتة في أبناء الأمة المصرية، وظلت وسيلة من وسائل التهذيب والترقي؛ تهذيب النفوس والضمائر، وترقي الذوق، وترسيخ القيم النبيلة.

كانت الأسرة المصرية تنتظر مسلسل التاسعة مساءً، يلتفون حول شاشة التلفزيون جميعًا بعد أن يكون انتهى الأب والأم والأطفال والأجداد من أعمالهم خارج المنزل وداخله، يشتبكون مع المسلسل التلفزيوني في أحاديث نقاشية ممتعة، يكون العمل الدرامي قد وصّل رسالته بسحر الفن وإبداعه، ويؤكد الآباء أمام الأبناء على قضاياه المطروحة، وبذلك يُصبح الفن واحدًا من أهم وسائل التربية العظيمة، ليست المباشرة الجافة ولا الوعظية، وإنّما تلك الناعمة التي تلعب على أوتار القلب والروح، فتصل رسالته عميقة، ويكون زاد عمر كامل.

إنّ أجمل أزمنة الدراما المصرية هي التي ولت، وأكثر مسلسلاتها تأثيرًا في القلوب مضى على صناعته عقد أو يزيد، وليس هذا بسبب توقف العمل التلفزيوني، وإنّما لأنّ معظم الدراما المقدمة حاليًا لم تعد تأخذ من وجدان الشعب المصري وتعطي له. توقفت عملية التعاطي هذه، فلم تعد الدراما تنقل عن كفاحنا اليومي وأحلامنا البسيطة، وتناقضاتنا الإنسانية القريبة من واقع المشاهد، لم نعد نرى قصة الموظف الشريف، أو المعلم المكافح، أو الطبيب الممتحن في ضميره، لم نعد نرى الأسرة المصرية بيومياتها، وكأنّ بابا ونيس وعائلته أسرة لم تعد موجودة في الواقع.

تبدل كل شيء بشكل مخيف، فلم تعد الحوارات بمستوى الرقي القديم نفسه، ولم تعد هناك قضايا، واختفت الجدية والعمق والرسالة. لم يعد البطل في مستوى "أبو العلا البشري"، وإنّما وجدنا أنفسنا أمام شخص مُبتذل وسطحي وبلطجي يفتح أزرار قميصه، ويتحدث بصوت عالٍ، ينظر إلى الكاميرا بحدة، وعيناه تتسعان وتحدقان بتحدٍ، أيًا كان المشهد، استعراض مخيف للقوة والعنف.

 اختفاء الإنسان العادي من الشاشة

تراجع حضور الطبقة المتوسطة في المسلسلات، الطبقة التي هي قلب الشعب المصري، والتي يمثل أفرادها منظومة القيم ورمانة الميزان. واقتصرت معظم كادرات التصوير على حارات يسكنها بلطجية بمستويات تعليمية متواضعة، كلامهم ليس سطحيًا فقط، بل مخارج ألفاظهم مشوهة، ويأتون بحركات تنبو عن الذوق.

أو كادر شهير آخر، يُظهر الأبطال يسكنون كمبوندات مغلقة، ومخارج ألفاظهم مشوهة أيضًا، ويتعمدون قول كلمتين إنجليزيتين وسط الحديث، ومع الأحداث تشتبك الطبقتان معًا في قضايا تكاد تكون محفوظة في كل المسلسلات، وهي: البلطجة، والعنف، والمخدرات، والنساء، والثراء السريع، والخيانات.

وبذلك، انحصرت مساحات واسعة من الدراما بين عالمين متطرفين؛ حارات يغلب عليها العنف والبلطجة والفوضى، ومجتمعات مغلقة يغلب عليها الثراء الفاحش والاستهلاك المبالغ فيه. وبين هذين الطرفين غابت المساحة التي يعيش فيها أغلب المصريين. وتكررت الموضوعات ذاتها حتى كادت تصبح قوالب محفوظة.

المرأة في الدراما الحالية أصبحت أداة استهلاك ومتعة، بداية من الحضور الصناعي المبالغ فيه على الشاشة، من مكياج وملابس، حتى إذا كان المشهد على سرير مشفى أو في وسط ماكينات مصنع، كأنّ صانع المحتوى الدرامي يريد أن يقول هذه هي المرأة المصرية دائمًا، لا تظهر بوجه مغسول من المساحيق إطلاقًا، حتى على خشبة الموت. وتبرز دائمًا كساعية بابتذال وسحق كرامة خلف رجل، مُهمشة أمام أحلام بطلها، الذي لا يعدو عن كونه بلطجيًا يفاجئها بين حين وآخر بمشهد رومانسي مبتذل.

وأحيانًا نراها وسط فوضى من المشاعر والخيانات، بأهداف ضائعة وكيان مهتز، وأصبحت سيدة كـ "أبلة حكمت" و"فاطمة تعلبة" منفية عن الدراما الحالية.

لم يعد للمرأة المصرية على الشاشة ذلك الظهور الهادئ في جماله وحركته، وأصبحت البطلة رقيقة الصوت وعميقة الصورة بعيدة عن أزمنة الستينيات والسبعينيات، وغابت السيدة المثقفة ذات الشعور بمسحة كبرياء أنثوي منيع، كتلك التي كنا نراها في زمن جميل ما، بل أصبح الحضور الصاخب والجريء سِمة معممة.

اختفت سيدة القصر، وأصبح المؤلف يقدم لنا ملكة جمال العشوائيات والأخربة، بحمرة شفتيها الفاقعة، وشعرها المصبوغ بصبغة رخيصة، هو سيد الحال.

على أنّ المشكلة ليست في الأحياء الشعبية أو العشوائية، وليست في سكان المناطق المغلقة، فلطالما كان الفن حاضرًا في هذه البيئات، وإنّما الإشكال في الرداءة التي أصبح لها سوق وجمهور.

السؤال الأهم ليس: لماذا تغيرت الدراما؟ بل هو: أين ذهب الإنسان العادي في الدراما؟ وهل هذه المسلسلات التلفزيونية تمثل الواقع الحقيقي للمجتمع، أم أنّها تعرض لشريحة مجتمعية صاخبة أصبحت تفرض ذوقها وثقافتها على المجتمع المصري بأكمله؟ هل يعرف مقدمو المحتوى الدرامي أنّ الفن الذي لا يأخذ عن الناس ومنهم سيفقد القدرة على التأثير فيهم؟ هل يدرك المنتج الدرامي أنّ اعتياد هذه النوعية من الفن سيجعل الناس يُطبِّعون مع الرداءة، وسيصبح لدينا، إن لم يكن حدث بالفعل، جيل كامل من المراهقين والأطفال يجدون في البطل العنيف الذي يغتني فجأة قدوة وحلمًا؟

لكن، هل المشكلة كلها في رأس المال الدرامي، وفي الرؤية الإبداعية الحالية، أم أنّ هناك اتهامًا للجمهور وللذائقة المتلقية التي أصبحت تستوعب كل ما يقدم لها كعقل ضعيف لا يستطيع أن ينتقد ويميز الغث من الثمين؟ ومن هنا يصبح السؤال: هل تراجعت الدراما لأنّ المجتمع تغير فعلًا، أم أنّ الدراما نفسها شاركت في إعادة تشكيل الذوق العام وتطبيع أنماط جديدة من السلوك والقيم؟

الرأسمالية تحول الفن إلى سلعة

إنّ هذه الحيرة يفضها الاندهاش الذي يتركه علينا سماع مشهد من مسلسل قديم. هذه المشاهدة تجعلنا نعقد جدول مقارنة لا إراديًا، نستوعب أمام هذا الجمال الأصيل أنّ الذائقة مرضت، وأنّ الدراما أصبحت مثلها مثل الـ"fast food"، تعرضت للعولمة وضغوط الحداثة والرغبة في المشاهدة السريعة وصدمة اللحظة والتأثير الصاخب الضعيف في امتداد أثره. لم تعد عملية التراكم الهادئ للأحداث الدرامية موجودة؛ فالدراما أيضًا تعيش حالة من السيولة وفوضى الـ "Reels". ومع هذا، تظل لأعمال التلفزيون المصري القديمة ثقلها حتى اللحظة الراهنة، وما يزال جمهور كبير من الكبار والصغار يتلقى فيوض جمالها. أعرف كثيرين يتابعون مسلسلات الفترة الذهبية للدراما مرات ومرات.

لكن هل ما تواجهه الدراما المصرية هو ذاته ما تواجهه كل أشكال الفن العالمي، متأثرة بضغوط الرأسمالية؟

فقد حدث أن كانت لفلسفة الاستهلاك والاكتناز والإنتاج من أجل الإنتاج تأثيرًا كبيرًا على الفن العالمي، وأصبح للصورة الباهرة ووعود الثراء والراحة والرخاء مفعول السحر على الإنسان المعاصر، وبطبيعة الحال كان للدراما نصيب من هذا التأثر.

لكنّ الدراما، بوصفها الفن اليومي الشعبي الذي يدخل كل البيوت، كان من المفترض أن تكون ساعة الصفاء للمواطن الكادح طوال النهار، وليست موعد تنغيصه بكل ما فاته، ولا تعذيبه بواقعه الصعب وحدود عالمه المحدود أمام عوالم الثراء والوفرة حد الغرابة التي تُطل بها الشاشة عليه داخل مسكنه المتهالك.

إنّ الدراما كأنّها تريد أن تقول، بطريقة أو بأخرى، إنّ الفقر المدقع المحاط بالعنف والجريمة والابتذال هو مصير منتظر لكل من لم يلحقوا بقطار الرأسمالية. فالرأسمالية لم تعد مجرد نظام اقتصادي، وإنّما فلسفة حياة جعلت كل شيء خاضعًا لمنطق السوق، حتى الفن نفسه، فصار الإبداع، الذي أول اشتراطاته أن يكون حرًا، أصبح خاضعًا لمنطق الربح والخسارة والإعجابات وعدد الإعلانات ونسب المشاهدة، وقابليته للتجزئة والنشر كمقاطع تسويقية سريعة، وبذلك أصبح الإنتاج الدرامي محكومًا بسؤال: ما الذي يجذب المشاهد أكثر؟ وليس: ما الذي يجب أن يقال؟

وفي ظل هذا السؤال تراجعت الحكاية البسيطة لصالح الإثارة السريعة، وتراجع البناء الهادئ للشخصيات لصالح الصدمة والمفاجأة، وأصبح المشاهد مستهلكًا أكثر منه متلقيًا، يطلب جرعات متلاحقة من التشويق والانفعال، بينما تتراجع قدرته على الصبر والتأمل ومتابعة الأعمال التي تتطلب وقتًا كي تنمو في القلب والعقل.

ومع ذلك، فإنّ تحميل الجمهور وحده مسؤولية هذا التراجع يبدو حكمًا متعجلًا. فالذائقة ليست كيانًا مستقلًا يولد مكتملًا، وإنّما تتشكل بما يُعرض عليها عبر سنوات طويلة. وكما أسهمت الدراما المصرية في عقود سابقة في ترسيخ قيم معينة وصناعة نماذج إنسانية نبيلة، فإنّها تملك اليوم أيضًا القدرة على إعادة الاعتبار للجودة والعمق إذا توفرت الإرادة والرؤية. فالجمهور الذي أحب "ليالي الحلمية"، و"الشهد والدموع"، و"أبو العلا البشري"، و"لن أعيش في جلباب أبي" لم يختف، بل ما زال يعود إليها بعد عشرات السنين بحثًا عن شيء لا يجده في كثير من الأعمال الجديدة.

لذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا تغيرت الدراما؟ بل كيف يمكن أن تستعيد وظيفتها الثقافية والإنسانية دون أن تفقد قدرتها على الترفيه؟ وكيف يمكن أن توازن بين ضرورات السوق ومسؤوليتها تجاه المجتمع؟ فالفن ليس درسًا أخلاقيًا جافًا، لكنّه أيضًا ليس سلعة خالصة. وبين هذين الطرفين تكمن تلك المساحة التي صنعت مجد الدراما المصرية يومًا ما، التي ما يزال كثيرون يأملون أن تعود إليها من جديد.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية