
تثير تحركات ومبادرات لتأسيس أقاليم جديدة في ليبيا مخاوف واسعة من انخراط البلاد في تداعيات جديدة لواقع الانقسام السياسي ببن الفاعلين المحليين في البلاد، ويعيد رسم خريطة الدولة الليبية على أسس جهوية وقبلية، في وقت ما تزال فيه البلاد تئن من انقسام مؤسساتي بين الشرق والغرب وتواجه تحديات بنيوية من بعض القوى السياسية التي تتحرك فقط نحو هدف الاستمرار في المشهد العام.
لقاء تكالة وشيوخ زليتن... رسائل مباشرة أم أداة للضغط السياسي؟
إلى ذلك، التقى رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة بمقر المجلس في العاصمة طرابلس، وبحضور عضو المجلس عبد العاطي أبو كتيف، عددًا من شيوخ وأعيان وشباب بلدية زليتن.
وخلال اللقاء استمع رئيس المجلس إلى جملة من المشكلات والتحديات التي تواجه بلدية زليتن في مختلف القطاعات والمجالات الخدمية والتنموية، مؤكدًا حرص المجلس على متابعة أوضاع البلديات والاستماع إلى احتياجات المواطنين في مختلف أنحاء البلاد.
وأعرب رئيس المجلس عن اهتمام المجلس الأعلى للدولة بكامل التراب الليبي، مشيرًا إلى أنّ مدينة زليتن تمثل جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني الليبي، وتحظى باهتمام ومتابعة المجلس شأنها شأن جميع المدن والمناطق الليبية.
بدا تطور الأحداث خلال شهر حزيران/ يونيو الجاري من خلال إعلان مدينة مصراتة غرب ليبيا عن تأسيس ما سمّي بـ "إقليم المنطقة الوسطى"، وبعد ذلك بأسبوع خرجت أصوات سياسية واجتماعية أخرى تتحدث عن مشاريع مماثلة في مناطق أخرى، حيث أعلن رئيس حزب القمة عبدالله الناكر عن قرب تأسيس "إقليم الحمادة الكبرى"، في خطوة زادت من الجدل بشأن مستقبل شكل الدولة الليبية.
وأوضح بعض القائمين على هذه المشاريع أنّ الهدف منها يتمثل في ضمان حقوق سكان هذه المناطق وتحقيق العدالة في توزيع الفرص والخدمات والتنمية، مؤكدين أنّ مبادراتهم لا تحمل أيّ طابع انفصالي، بل تندرج ضمن مطالب توسيع اللامركزية وتعزيز الإدارة المحلية.
وتذهب آراء وتعليقات بعض المحللين إلى أنّ المخاوف من مثل تلك الدعوات تعود إلى أنّها ليست جديدة على الواقع الليبي، وغالبًا ما تتجدد مع ارتفاع منسوب الإحباط من الواقع السياسي، وزيادة معدلات الشعور بالتهميش لدى المواطنين، وتراجع مستوى الخدمات وجودة الحياة، نتيجة تدنّي قدرات الأجهزة التنفيذية للحكومات المتعاقبة على توفير الخدمات وتحقيق التنمية.
ومن الصعوبة بمكان الفصل بين الأهداف السياسية لبعض التنظيمات وتحركاتها في المجال العام الليبي، وخاصة أذرع الإخوان التي تنشط بصورة واسعة في مدن غرب ليبيا، ومدى ارتباط هذه التحركات وعلاقاتها بحكومة السيد عبد الحميد الدبيبة. وهو ما يثير سؤالًا آخر: هل يمثل استقبال محمد تكالة لأعيان وشيوخ بلدية زليتن نقطة توازن جديدة في إدارة المشهد السياسي مع الحكومة؟
ولا شك أنّ مثل هذه الدعوات يمكن قراءتها في إطار ضعف السلطة المركزية القوية القادرة على إدارة محيطها الجغرافي والإداري وتحقيق مصالح جميع المواطنين، الأمر الذي يدفع بعض الأطراف إلى السعي لتحقيق تلك الأهداف عبر صيغ ووسائل أخرى.
إلى ذلك، يقول الحقوقي الليبي عصام التاجوري: إنّه، في مشهد ليبي تتداخل فيه الحسابات المحلية مع صراعات النفوذ الوطني، لم يكن لقاء رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة بشيوخ وأعيان بلدية زليتن مجرد اجتماع ذي طابع اجتماعي أو خدمي، بل بدا أقرب إلى محطة سياسية تحمل رسائل متعددة الاتجاهات، خصوصاً أنّه جاء عقب إعلان تسع بلديات، من بينها مصراتة وزليتن والخمس وترهونة، تأسيس ما سُمّي بـ "إقليم المنطقة الوسطى"، في خطوة أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية منذ عام 2011، وهي قضية شكل الدولة الليبية وحدود اللامركزية وإدارة النفوذ والثروة.
اللامركزية في ليبيا... هل تعكس هشاشة عدالة توزيع الموارد أم تكشف عن صراع على النفوذ؟
ولفت التاجوري في تصريحات لـ (حفريات) إلى أنّ هذا الحراك النشط يُقدَّم ظاهرياً باعتباره محاولة لتعزيز التنمية المكانية المتكاملة ومنح البلديات قدرة أكبر على إدارة شؤونها بعيداً عن مركزية القرار في طرابلس، إلا أنّ أبعاده السياسية تتجاوز بكثير الخطاب الإداري والخدمي. وأشار إلى أنّ لقاء تكالة منح عملياً غطاءً سياسياً ومؤسساتياً لهذا التكتل الوليد، رغم ما يواجهه من انتقادات قانونية تتعلق بعدم استناده إلى تشريعات نافذة تنظم إنشاء المحافظات أو الأقاليم، فضلاً عن مخاوف متزايدة من أن تتحول هذه المبادرات إلى مدخل لإعادة رسم الخارطة الإدارية خارج الإطار التاريخي التقليدي للأقاليم الليبية الثلاثة: طرابلس وبرقة وفزان.
وفي العمق، لا تبدو المسألة منفصلة عن الصراع على الموارد والنفوذ الاقتصادي. وأضاف التاجوري أنّ بلديات كبرى في المنطقة الوسطى والغربية، خاصة مصراتة وزليتن والخمس، ترى أنّ ثقلها السكاني والاقتصادي لا ينعكس على حجم مشاركتها في القرار التنفيذي أو نصيبها من مشاريع التنمية والإنفاق العام. لذلك فإنّ خطاب "الإقليم" لا يحمل فقط مضموناً إدارياً، بل يعكس أيضاً مطالبة ضمنية بإعادة توزيع النفوذ المالي وتقليص احتكار العاصمة لمفاصل القرار الاقتصادي والخدمي.
وضمن هذا السياق يرى التاجوري أنّ تيار الإسلام السياسي، الحاضر بقوة داخل أروقة المجلس الأعلى للدولة، ينظر إلى هذه التحركات باعتبارها أداة ضغط استراتيجية موجهة أساساً نحو حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة. وأوضح أنّ التلويح بتشكيل أقاليم أو تكتلات بلدية متماسكة في الغرب والوسط يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أنّ استمرار المركزية وتأخر معالجة ملفات التنمية وتوزيع الثروة سيدفع القوى المحلية إلى بناء تحالفات جغرافية أكثر استقلالية، بما يُضعف احتكار طرابلس للقرار السياسي والإداري ويفرض على الحكومة تقديم تنازلات تنموية وسياسية أوسع للمكونات البلدية والجهوية.
وتابع أنّ هذه التحركات لا تعكس بالضرورة صداماً مباشراً بين المجلس الأعلى للدولة وحكومة الدبيبة، بقدر ما تكشف محاولة دقيقة لإعادة ضبط توازن القوى داخل المعسكر السياسي نفسه. وأردف أنّ تكالة يتحرك في مساحة سياسية حذرة يسعى من خلالها إلى توسيع حضوره الشعبي والمؤسساتي عبر إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع البلديات والأعيان والفاعلين الاجتماعيين، بينما يمنحه تبنّي قضايا الأقاليم المستحدثة قدرة أكبر على المناورة السياسية من موقع الندية، بما يمنع استفراد الحكومة بالقرار الاقتصادي والخدمي، خاصة في ظل استمرار الجمود السياسي وتعثر الوصول إلى تسوية وطنية شاملة.
وأشار إلى أنّ هذه الدعوات تحمل رسائل غير مباشرة إلى المجتمع الدولي والبعثة الأممية، مفادها أنّ استمرار تعطيل المسار السياسي قد يدفع ليبيا تدريجياً نحو نماذج حكم محلي موسعة أو شبه فيدرالية بحكم الأمر الواقع.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الحراك المرتبط بـ "إقليم المنطقة الوسطى" ليس فقط كمطلب إداري أو تنموي، بل أيضاً كجزء من إعادة تموضع سياسية داخل معسكر الغرب الليبي نفسه في ظل تصاعد التنافس على النفوذ والموارد.
إلى جانب ذلك، يُحذّر المحامي الليبي عصام التاجوري من خطر تحوّل هذه الدعوات إلى "عدوى تفتيتية"، خاصة مع بدء آخرين نحو التلويح بمشاريع موازية مثل "إقليم الحمادة الكبرى"، وهو ما يثير مخاوف من وقوع ليبيا في خبيئة التشظي الجغرافي والسياسي إذا غابت المعالجة الدستورية المتوازنة لقضية اللامركزية.
الإقليم الرابع... بين إعادة تشكيل النفوذ السياسي وحسابات الثقل الانتخابي
من جانبه، قال المحلل السياسي عبد الله الغرياني: إنّ مسألة "الإقليم الرابع" تُعدّ قضية مرفوضة، مؤكداً أنّه لا يوجد لها أيّ سياق تاريخي أو سند قانوني يستند إليه هذا الطرح.
وتابع الغرياني في تصريحاته لـ (حفريات) أنّ الدعوة الحالية إلى إنشاء "الإقليم الرابع" لا يمكن تفسيرها، بحسب اعتقاده، إلا باعتبارها محاولة للاستحواذ على مناطق النفوذ التي كان يتمتع بها الراحل سيف الإسلام القذافي. وأوضح أنّ البلديات التي جرى ضمها إلى هذا الإقليم تُعدّ، في نظره، من المناطق المحسوبة سياسياً على سيف الإسلام، لافتاً إلى أنّ نتائج بعض الانتخابات البلدية السابقة في تلك المناطق أظهرت حضوراً واضحاً للقوائم التي قيل إنّها مدعومة من أنصاره.
وأشار الغرياني إلى أنّ هذه الخطوة جاءت، وفق تقديره، عبر تحركات يقودها رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، بالتعاون مع أطراف محلية في مصراتة، معتبراً أنّ الهدف منها يتمثل في إعادة رسم موازين النفوذ والسيطرة داخل عدد من البلديات، من بينها ترهونة وبني وليد وزمزم وغيرها.
ولفت الغرياني إلى أنّ مدينة بني وليد، على سبيل المثال، كانت قد أظهرت في فترات سابقة مواقف داعمة لسيف الإسلام القذافي، مستشهداً بتحركات ومواقف شعبية شهدتها المدينة خلال الأشهر الماضية.
ولفت إلى زيارات وتحركات بعض المسؤولين العسكريين والأمنيين في عدد من المدن والمناطق، معتبراً أنّها تأتي ضمن سياق سياسي أوسع يهدف إلى تعزيز النفوذ السياسي للحكومة الحالية وحلفائها.
وحذّر الغرياني من أنّ هذه التحركات قد تؤدي إلى تكريس حالة الاستقطاب السياسي، مؤكداً أنّ الدعوات المتعلقة بإعادة طرح الأقاليم أو الفيدرالية ينبغي النظر إليها بحذر شديد، خاصة في ظل الظروف السياسية الراهنة.
وأضاف أنّ التيار الإسلامي كان من أبرز المعارضين لمشروع الفيدرالية عندما طُرح عام 2012، الأمر الذي يثير، بحسب رأيه، تساؤلات حول أسباب تبنّي بعض الأطراف لهذه الطروحات في الوقت الحالي.
وأكد أنّ هذه الدعوات، وفق تقديره، تخدم أجندات سياسية محددة وتسعى إلى توسيع دائرة النفوذ والسيطرة لصالح أطراف بعينها، مشيراً إلى أنّ مختلف التحركات الجارية تصبّ، في نهاية المطاف، في خدمة السلطة القائمة وتعزيز حضورها السياسي.
واختتم الغرياني حديثه لـ (حفريات) بالتأكيد على أنّ اللقاءات والتحركات المرتبطة بملف "الإقليم الرابع" لا تعدو كونها محاولات للتوظيف السياسي واستغلال بعض المطالب والشعارات لتحقيق أهداف تتعلق بالنفوذ والهيمنة السياسية، داعياً إلى التعامل مع هذه الملفات من منظور وطني يحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها.










![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_0.jpg.webp?itok=Mf-zyZxn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/88888_1_0.jpg.webp?itok=z8gvC3RS)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A8%D9%8A%D8%A8%D8%A9_2_0_1_4_0_0_2_1_0.jpg.webp?itok=JUavmW24)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187.png.webp?itok=cUgosDEz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_7_0_0.jpg.webp?itok=Dz8R7P8M)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)