القيصر يعترف بهشاشته

القيصر يعترف بهشاشته

القيصر يعترف بهشاشته


14/06/2026

كاظم الساهر ليس مجرد مطرب استطاع أن ينقل الأغنية العراقية إلى الساحة العربية والعالمية، بل هو أحد أبرز الأصوات التي حافظت على مكانة الأغنية العربية في العقود الأخيرة. وفي زمن شحّت فيه الأسماء الفنية الكبيرة، مثّل كاظم حالة من الإشباع الجمالي الخالص لعشاق الموسيقى العربية، وسدّ فراغًا خلّفه رحيل كثير من رموز الغناء الكبار.

ولكاظم منطقته الخاصة التي لا ينافسه فيها أحد؛ فهو لا يبدو منشغلًا بمجاراة الآخرين بقدر انشغاله بتجاوز نفسه. وقد كشفت لقاءاته التلفزيونية كثيرًا من ملامح شخصيته، ولا سيما لقاؤه الأخير مع الإعلامي الإماراتي أنس بوخش في برنامج ABtalks، الذي أعاد كاظم الإنسان، لا الفنان فحسب، إلى دائرة الضوء.

الإنسان خلف الصورة الفنية

على مدار ساعتين، بدا الرجل متواضعًا، حزينًا، ومستسلمًا لبعض قلق العمر. وكأنه أراد أن يخفف عن نفسه حمولة سنوات طويلة امتلأت بالنجاح والعطاء والإبداع، لكنها حملت أيضًا نصيبها من الفقد والحرمان والندم. شعرت وأنا أتابع اللقاء أن كاظم كان يحاول مصارحة جمهوره، ذلك الجمهور الذي طالما وصفه بعائلته، وأن يكمل حالة الصدق التي حملتها أغنياته، ويمدها إلى الزوايا المعتمة من حياته. لم يقدّم نفسه بوصفه إنسانًا مثاليًا؛ كانت له إخفاقاته الإنسانية وأخطاؤه في الحب، ذلك الحب الذي تعلمنا، نحن أبناء جيل كامل، أولى أبجدياته على وقع ألحانه، وتربينا عاطفيًا على خلفية صوته.

تحدث كاظم عن هواياته التي يكشف تعددها عن كون كاظم حالة إبداعية عميقة ووجودًا مرهفًا، فقد امتدت أصابعه للرسم والعزف وكتابة الشعر إضافة للغناء. تحدث عن الخيال في بواكير طفولته، وكيف أسس تلك الطفولة الفقيرة بذلك الخيال، فقد منحه الخيال والابتكار الثراء الذي تحتاجه روحه الواسعة، فصنع لنفسه وأخواته الألعاب من تلال القمامة، ورسم على سطح منزله مستخدمًا بقايا الدهانات التي كان يستعملها والده. لقد حاول كاظم أن يستعمل كل الممكن، حتى خرج لنا بهذه الاستحالة المتفردة والجميلة من الإبداع.

كاظم الذي وصف طفولته بكلمة "الحرمان" هو نفسه من أغدق على قلوب العشاق الملتاعة في العالم العربي كله، فكيف للإنسان الذي حُرم أن يحمل في روحه عزاءً لأرواح لم تجمعهم به غير مساحة الفن؟ ربما لهذا السبب تحديدًا بدت أغنياته صادقة، لأنها لم تصدر عن وفرة بل عن نقص، ولم تولد من الطمأنينة الكاملة، بل من شعور مبكر بالخذلان.

لم يكن في حديثه عن فقره وضيق حال أسرته ما يشعرك برغبته في استجداء التعاطف أو الشفقة أو التباهي أمام جمهوره: "أين كنت وأين وصلت؟"، كان يتحدث بعفوية وزهد، كرجل يتحدث مع حبيبته التي لم يعد بينهما أي فروق أو توقعات، وهو يعرف أنه سيفهم تمامًا عندها، وكأنه يريد أن يقول: لم أكن بطلًا، لم أكن ملاكًا أيضًا، كنت إنسانًا لحمًا ودمًا.

المرأة والظل الإنساني

تحدث كاظم عن المرأة، وكانت هذه النقطة أثرى ما كان في الحوار، فقد وضع المرأة في أغانيه موضع الملكات والملهمات وربات الحسن والحكمة والدلال والجمال. فأين كان مكانها في عالمه الحقيقي؟ من منّا ينسى ذلك المقطع: "إني أعاني إني أموت إني حطام... حاشاك عمري أن أفكر بانتقام.. فأنا لكِ قلبٌ وحبٌ واحترام".

تفجعك اعترافاته، فقد كانت لأمه قصة قريبة فصولها من قصة أي امرأة عربية في أي قطر؛ تزوجت صغيرة جدًا، ولم تكمل شهرها الثالث حتى فاجأها زوجها بعروسه الجديدة، وأفجعها مرات أخرى بزيجات أخرى. وهي نفسها التي قطعت ذات يوم طريق الملك مستجدية للإفراج عن زوجها المحكوم عليه بالإعدام، ليعود للبيت في صباح اليوم التالي. استيقظ ذلك الزوج في أواخر سنواته وانكب على قدميها يقبّلهما أمام أبنائه.

تحملت هذه المرأة الفقر والفقد وعدم مراعاة شعورها، وفقدها لابنتها شقيقة كاظم في عمر صغير بلدغة ثعبان خرج من أحد شقوق المنزل البائس الذي ضم طفولة القيصر. وقد حاول كاظم أن يعوضها عما عاشته من عذاب وآلام وعوز بعد شهرته وصعوده، وهو ما أقر بأنه لم يمهله القدر الوقت الكافي ليفعله مع زوجته.

أما زوجته التي كانت ابنة عمه كذلك، فقد انطوى قلب كاظم على حزن وندم كبير نحوها، خاصة بعد وفاتها. حين وصل الحديث إليها اختنقت الكلمات وتقطعت. تحدث عن تفاصيل سفره بالشهور لعروض أغنياته وتركه لها ولأولاده. ربما لم يكن هذا فقط؛ لقد تعذبت هذه المرأة التي كانت زوجة واحد من أهم مطربي العالم العربي، ورجل لا يخلو من وسامة وجاذبية ملفتة. ربما ذلك أيضًا ما جعله يصرح بأن "الخيانة رجل" وبأن الرجال "أكبر قاهرين للمرأة".

لكن تمنيت لو أنّ المذيع قال له إنّ الفن لا يخلو من القسوة على حيوات دراويشه؛ فمنذ لحظة ولادته الأولى حتى تلقي فيوضه وإذاعته يحتاج لجهد يستغرق الفنان ويأخذ من وقته وروحه، فالفن شريك خفي للزوجة في زوجها، وشريك خفي للصديق في صديقه، وهذه طبيعة الفن. ولعل كثيرًا من الفنانين لا يخونون أحبّاءهم عمدًا، بقدر ما يخطفهم ذلك النداء الغامض الذي لا يكف عن مطالبتهم بالمزيد.

ظل كاظم متمسكًا طوال حديثه باللهجة العراقية، تحدث عن وطنه بانتماء قال إنه يسكن كل قصائده حتى العاطفية منها، تحدث عن خجله وتربيته، وعن المجتمع العراقي الذي كان مسؤولًا فيه كل الكبار عن التربية. قال إنه وإخوته بهم بعض الحدب والميل في ظهورهم لأنهم تعودوا على الانحناء وهم يمشون في حاراتهم حتى لا يلمحوا أطراف النساء. الخجل سر من جاذبية كاظم؛ رجل بكل هذه الشهرة والمرغوبية ويعرف معنى الحياء.

لقد تحدث كاظم كثيرًا عن حياته وقليلًا عن فنه، وقليلًا جدًا عن الفن العربي وتوقعاته لمستقبل الأغنية العربية. ربما لم يكشف لقاء أنس بوخش لنا جديدًا عن كاظم الساهر الفنان بقدر ما كشف لنا شيئًا عن كاظم الإنسان؛ ذلك الرجل الذي حمل الحرمان طويلًا، وغنّى للحب طويلًا، ثم جلس أخيرًا ليعترف بأن الشهرة لا تعفي أحدًا من هشاشته، وأن أكثر الأصوات قدرة على مواساة الآخرين قد تكون هي نفسها الأكثر احتياجًا إلى العزاء.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية