
يُعدّ خيرت الشاطر أحد أبرز الشخصيات التي لعبت دورًا محوريًا في إعادة بناء جماعة الإخوان المسلمين تنظيميًا واقتصاديًا منذ مطلع الثمانينيات حتى وصول الجماعة إلى السلطة عام 2012. فقد جمع بين الموقع التنظيمي الرفيع داخل الجماعة والخبرة في إدارة الأعمال والاستثمارات، الأمر الذي جعله المسؤول الفعلي عن الملف الاقتصادي للتنظيم لعقود طويلة. وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1981 و1991 شهدت الجماعة توسعًا ملحوظًا في أنشطتها الاقتصادية والاجتماعية، حيث استفادت من حالة الانفتاح النسبي التي شهدتها مصر في تلك المرحلة، وتمكنت من بناء شبكة واسعة من الشركات والمؤسسات الاقتصادية والخدمية التي وفرت لها موارد مالية كبيرة.
هذه المرحلة مثلت التأسيس الحقيقي للقوة الاقتصادية للإخوان، حيث إنّ تراكم رأس المال داخل التنظيم لم يكن هدفًا اقتصاديًا بحتًا، بل جزءًا من رؤية استراتيجية طويلة المدى تستهدف الوصول إلى النفوذ السياسي وإدارة الدولة. وفي هذا السياق برز خيرت الشاطر باعتباره مهندس المشروع الاقتصادي للجماعة، والمسؤول عن بناء منظومة مالية واستثمارية متشعبة امتدت إلى قطاعات التجارة والصناعة والعقارات والتعليم والخدمات الصحية وتكنولوجيا المعلومات.
ومع مرور الوقت توسعت البنية الاقتصادية للإخوان لتشمل استثمارات خارج مصر في عدد من الدول العربية والآسيوية والأوروبية. وتشير تقديرات مختلفة إلى أنّ الجماعة نجحت في تكوين شبكة واسعة من الأنشطة الاقتصادية والمشروعات التجارية، واستفادت من شبكات رجال الأعمال المرتبطين بها في الداخل والخارج لتوفير التمويل اللازم لأنشطتها المختلفة، الأمر الذي ساعدها على بناء قوة مالية اعتبرها كثير من الباحثين أحد أهم مصادر نفوذها السياسي والتنظيمي.
وتشير تقديرات متداولة إلى أنّ الإيرادات السنوية للتنظيم قبل وصوله إلى السلطة كانت تُقدر بمليارات الجنيهات، موزعة بين اشتراكات الأعضاء والتبرعات والزكاة وأرباح المشروعات الاقتصادية داخل مصر وخارجها. واستفادت الجماعة من شبكة واسعة من الجمعيات الخيرية والأنشطة الاجتماعية التي وفرت لها موارد إضافية، فضلًا عن دورها في تعزيز الحضور التنظيمي داخل الأحياء والقرى والمناطق الشعبية.
ومن أبرز المجالات التي استثمرت فيها الجماعة قطاع الخدمات الاجتماعية، حيث أنشأت أو دعمت عددًا كبيرًا من المستوصفات الطبية والعيادات والمراكز الصحية والمدارس والجمعيات الخيرية. وقد أتاحت هذه المؤسسات للإخوان تقديم خدمات مباشرة لفئات واسعة من المواطنين، خاصة في المناطق الفقيرة والمهمشة. ورأى منتقدو الجماعة أنّ هذه الخدمات كانت جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز النفوذ الاجتماعي والتنظيمي، في حين اعتبر أنصارها أنّها تمثل دورًا مجتمعيًا مشروعًا لسد فجوات الخدمات العامة.
وأولت الجماعة أهمية خاصة لقطاع الإعلام والنشر، حيث أسهمت في إنشاء شبكة واسعة من دور النشر والمطابع والمؤسسات الإعلامية التي ساعدت في نشر أفكارها وتعزيز حضورها الفكري والثقافي. ومع تطور وسائل الاتصال الحديثة اتجهت الجماعة إلى الاستثمار في المجال الرقمي وتكوين شبكات إعلامية إلكترونية ولجان رقمية لعبت دورًا مهمًا في الحملات الإعلامية والسياسية عبر الإنترنت.
قضية "سلسبيل"... التكنولوجيا في خدمة المشروع الإخواني
تُعدّ قضية "سلسبيل" من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين خلال عقد التسعينيات، ليس فقط بسبب الأسماء القيادية التي ارتبطت بها، وإنّما لأنّها كشفت للمرة الأولى عن حجم التطور التنظيمي والإداري الذي وصلت إليه الجماعة، وعن اعتمادها المبكر على التكنولوجيا وقواعد البيانات في إدارة شبكاتها التنظيمية ومشروعاتها الاقتصادية وخططها المستقبلية.
وتعود أحداث القضية إلى عام 1992 عندما قامت الأجهزة الأمنية المصرية بمداهمة مقر شركة "سلسبيل للحاسبات ونظم المعلومات" بمدينة نصر بالقاهرة، وهي شركة أسسها كل من خيرت الشاطر وحسن مالك، وقد أصبحا لاحقًا من أبرز قيادات الجماعة وأكثرها تأثيرًا على المستويين الاقتصادي والتنظيمي. وكانت الشركة تعمل رسميًا في مجال البرمجيات والحاسبات وتطوير نظم المعلومات، وهو قطاع كان ما يزال في بداياته داخل مصر آنذاك.
وخلال عمليات التفتيش عثرت الأجهزة الأمنية على عدد كبير من أجهزة الحاسوب والأقراص الإلكترونية وقواعد البيانات الرقمية والوثائق التنظيمية التي أثارت اهتمامًا واسعًا، خصوصًا أنّ استخدام الحواسيب في العمل التنظيمي والسياسي لم يكن شائعًا في مصر خلال تلك الفترة. وأظهرت المضبوطات أنّ الجماعة كانت تمتلك قاعدة معلومات متطورة نسبيًا تضم بيانات واسعة عن الأعضاء والكوادر والمناطق التنظيمية وأماكن العمل والتخصصات المهنية ومستويات الانتماء داخل الهيكل التنظيمي.
وكشفت التحقيقات عن وجود وثائق داخلية تناولت تصورات تنظيمية واستراتيجية بعيدة المدى، وكان من أبرزها ما عُرف إعلاميًا باسم "خطة التمكين"، إضافة إلى وثائق أخرى جرى تداولها لاحقًا تحت مُسمّى "فتح مصر". وقد أثارت هذه الوثائق نقاشًا واسعًا حول طبيعة المشروع السياسي للجماعة وأهدافه المستقبلية.
وأظهرت المضبوطات أيضًا اهتمام الجماعة بتوظيف التكنولوجيا الحديثة في إدارة التنظيم، حيث ضمت قواعد البيانات معلومات تفصيلية عن الأعضاء والكوادر والأنشطة، وهو ما اعتُبر في ذلك الوقت تطورًا غير مسبوق مقارنة بأساليب التنظيم التقليدية التي اعتمدت عليها الحركات السياسية والدينية في العقود السابقة. وقد رأت الجهات الأمنية أنّ هذه القدرات المعلوماتية تمنح الجماعة إمكانات كبيرة في إدارة شبكاتها التنظيمية وتوسيع نطاق عملها بصورة أكثر فاعلية.
وكشفت القضية عن التحولات التي شهدتها الجماعة بعد وفاة المرشد العام عمر التلمساني عام 1986، حيث برز جيل جديد من القيادات التنظيمية كان أكثر اهتمامًا بالعمل المؤسسي والإدارة الحديثة والتخطيط طويل الأجل. ومن بين أبرز رموز هذا الجيل خيرت الشاطر ومحمود عزت وحسن مالك، الذين ارتبطت أسماؤهم بإعادة هيكلة التنظيم وتطوير أدواته الإدارية والمالية والاقتصادية.
واستمرت التحقيقات لفترة طويلة، وأصبحت القضية محورًا رئيسيًا في النقاشات السياسية والإعلامية خلال تلك المرحلة، خصوصًا مع نشر أجزاء من الوثائق المضبوطة في عدد من الصحف المصرية. وقد أسهم ذلك في ترسيخ مصطلح "التمكين" داخل الخطاب الإعلامي والسياسي المصري بوصفه أحد المفاهيم المرتبطة بمشروع الجماعة وأهدافها بعيدة المدى.
وثيقة التمكين تكشف رؤية الإخوان للسيطرة التدريجية على مؤسسات الدولة
في قلب قضية "سلسبيل" برزت الوثيقة التي عُرفت باسم "وثيقة التمكين"، التي قيل إنّها ضُبطت ضمن أوراق القضية في منزل خيرت الشاطر عام 1991. وتتكون الوثيقة من ثلاث عشرة صفحة، وتتناول بصورة تفصيلية رؤية الجماعة لمرحلة ما بعد الانتشار التنظيمي، حيث تنتقل من مجرد الوجود داخل المجتمع إلى امتلاك القدرة على التأثير في مؤسسات الدولة وإدارتها.
وتُعرّف الوثيقة "التمكين" بأنّه الاستعداد لتحمل مهام المستقبل وامتلاك القدرة على إدارة شؤون الدولة، مع التأكيد على أنّ ذلك لا يمكن تحقيقه إلا عبر خطة شاملة تقوم على التغلغل المنظم في القطاعات الحيوية بالمجتمع، وبناء شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ داخل المؤسسات المؤثرة.
ووفقًا لما ورد في الوثيقة، فإنّ الجماعة اعتبرت أنّ نجاح مشروع التمكين يتطلب تركيز الجهود على عدد من القطاعات الرئيسية، وفي مقدمتها: الطلاب والعمال والمهنيون ورجال الأعمال والفئات الشعبية الأقلّ قدرة اقتصاديًا. وقد رأت الجماعة أنّ الانتشار داخل هذه الشرائح يحقق هدفين أساسيين؛ الأول توسيع قاعدة التأييد المجتمعي، والثاني جعل أيّ مواجهة مع التنظيم أكثر تعقيدًا بسبب امتداد نفوذه داخل قطاعات واسعة من المجتمع.
وركزت الوثيقة على أهمية التغلغل في المؤسسات المؤثرة مثل النقابات المهنية والهيئات الإعلامية والمؤسسات التشريعية، إلى جانب مؤسسات أخرى وصفتها بالفاعلة والقادرة على إحداث التغيير. واعتبر منتقدو الجماعة أنّ هذه الرؤية تعكس سعيًا لاكتساب نفوذ واسع داخل مفاصل الدولة ومؤسساتها المختلفة.
ولم تقتصر رؤية التمكين على البُعد الداخلي، بل تناولت أيضًا كيفية إدارة العلاقة مع القوى الدولية، وخاصة الولايات المتحدة والدول الغربية. فقد أكدت الوثيقة أهمية تقديم الجماعة باعتبارها قوة سياسية منضبطة ومستقرة لا تمثل تهديدًا مباشرًا للمصالح الغربية، بما يُسهم في تقليل احتمالات المواجهة الخارجية في حال وصولها إلى السلطة.
وأشارت وثائق أخرى جرى تداولها إعلاميًا تحت مُسمّى "فتح مصر" إلى وجود رؤية تنظيمية تتعامل مع الدولة والمجتمع باعتبارهما مجالًا للتوسع التدريجي المنظم، من خلال التغلغل في المؤسسات المختلفة واستثمار العمل الاجتماعي والخيري والاقتصادي في تعزيز الحضور التنظيمي. وقد اعتبرت هذه الوثائق دليلًا على أنّ الجماعة لم تكن تنظر إلى العمل السياسي باعتباره هدفًا منفصلًا، بل باعتباره جزءًا من مشروع متكامل يشمل بناء شبكات نفوذ متشابكة داخل المجتمع.
وعندما وصل محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية عام 2012، اعتبر كثيرون أنّ الجماعة انتقلت من مرحلة السعي إلى التمكين إلى مرحلة اختبار قدرتها على إدارة الدولة. وفي هذا السياق برز اسم خيرت الشاطر باعتباره الشخصية الأكثر نفوذًا داخل التنظيم، خاصة بعد استبعاده من خوض الانتخابات الرئاسية وتحول محمد مرسي إلى المرشح البديل للجماعة. وقد رأت تحليلات سياسية عديدة أنّ الشاطر ظل يمارس تأثيرًا كبيرًا على عملية صنع القرار داخل الجماعة خلال فترة حكم مرسي، وأنّ خبرته التنظيمية والاقتصادية جعلته أحد أهم الفاعلين في إدارة العلاقة بين مؤسسات الجماعة والدولة.
وبعد عزل مرسي عام 2013 دخلت الجماعة مرحلة جديدة اتسمت بتراجع نفوذها السياسي وتعرّض بنيتها الاقتصادية لسلسلة واسعة من إجراءات التحفظ والمصادرة. فقد قامت السلطات المصرية بالتحفظ على أصول وممتلكات مئات الأشخاص والشركات والجمعيات والمدارس والمستشفيات المرتبطة بقيادات الجماعة أو المتهمة بدعمها. وشملت الإجراءات آلاف العناصر ومئات الكيانات الاقتصادية والخدمية والإعلامية، وأُضيفت الأموال المتحفظ عليها إلى الخزانة العامة للدولة بموجب قرارات قضائية وتشريعية متعاقبة.
















![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B70_1.jpg.webp?itok=9rrtY40N)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9_3_1_0_2.jpg.webp?itok=4oE7wZlp)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)