الخليج يريد تغيير قواعد اللعبة ليس تعويض الأضرار

الخليج يريد تغيير قواعد اللعبة ليس تعويض الأضرار

الخليج يريد تغيير قواعد اللعبة ليس تعويض الأضرار


08/06/2026

مختار الدبابي

بدا الحديث عن تفكير واشنطن في توظيف أموال إيرانية مجمدة في إصلاح أضرار هجماتها على دول الخليج فكرة مسقطة لا تتماشى مع ما يطلبه الخليجيون. فما يهم العواصم الخليجية ليس فقط ترميم ما هدمته الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، بل أمر أكبر وأشمل لا تعدو التعويضات فيه أن تكون تفصيلاً صغيراً. 

وقال مصدر مطلع إن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت كلف فريقا مختصا بتقييم حجم الأضرار التي لحقت بحلفاء واشنطن في الخليج، تمهيدا لبحث إمكانية استخدام أصول إيرانية للمساهمة في إعادة الإعمار وإصلاح المنشآت والبنى التحتية المتضررة.

المقترح الأميركي ينظر إلى الموضوع بشكل مجتزأ وآني، في حين أن الخليجيين يطالبون بالتعويضات ضمن مقاربة أشمل عبر اتفاق واضح مدعوم من مجلس الأمن وبقرار ملزم يمنع إيران من العودة إلى تنفيذ هجمات ضد دول الجوار مستقبلاً، أي التأسيس لمدونة سلوكية على المدى البعيد.

المقاربة الخليجية للتعويضات لا تخطط لاستخدام الأموال الإيرانية المجمدة لتعويض أضرار الهجمات، وهي أبعد من أن تكون مجرد مناورة مالية أو محاولة لاقتطاع مكاسب من لحظة ضعف إيرانية. إنها أعمق بكثير من المال نفسه، وتتعلق بمحاولة تأسيس مقاربة إقليمية جديدة تُعيد تعريف العلاقة بين إيران وجوارها الخليجي على قاعدة واضحة: لا يمكن القبول باستمرار منطق التهديد واستخدام القوة والاعتداءات العابرة للحدود كجزء طبيعي من إدارة التوازنات الإقليمية.

وتبدو فكرة البيت الأبيض بشأن توظيف الأموال الإيرانية المجمدة في التعويض حركة سياسية بهلوانية قابلة للاستهلاك الإعلامي على أمل إظهار أن واشنطن تمسك بأوراق اللعبة تصعيدا أو تهدئة. وهي قد تثير غضب الإيرانيين وتُستخدم داخل إيران لتعزيز سردية “الحصار” و”الاستهداف”، كما قد تزيد من موجة التحريض ضد دول الجوار، وتكسب النظام في طهران تعاطفاً شعبياً عبر تحويل المطلب الخليجي المشروع إلى أداة في الصراع التاريخي مع أميركا، وهو خلط يضر بالخليج.

وتقوم فكرة إدارة ترامب على منطق رد الفعل واستفزاز إيران عبر تحويل بعض أموالها المجمدة إلى الخليج، وإشعال نار الفتنة بدل إطفائها. لكن الأمر خليجياً مختلف في الفكرة والهدف. ولهذا لا تبدو المطالبة الخليجية بالتعويضات مرتبطة بتصور أوسع يقوم على السعي إلى اتفاق واضح بضمانات دولية، وتحت مظلة مجلس الأمن، يضع قواعد مُلزمة تمنع العودة إلى استهداف دول الجوار مستقبلاً. بمعنى آخر، القضية ليست في الحصول على أموال بقدر ما هي محاولة لصناعة سابقة سياسية وقانونية تؤسس لعلاقة إقليمية جديدة لا يجوز لأي طرف تجاوزها بالقوة أو عبر الحروب بالوكالة.

ويدرك الخليجيون جيداً أن الأموال، مهما بلغت، لا تعوض فعلياً كلفة التوتر الأمني، ولا الخسائر الاقتصادية، ولا الضرر الذي أصاب صورة المنطقة واستقرارها خلال السنوات الماضية. لكنهم يريدون، من خلال مطلب التعويض، توجيه رسالة سياسية مباشرة إلى إيران مفادها أن التصورات القديمة التي حكمت العلاقة مع الخليج لم تعد صالحة. فطهران ما تزال، في نظر كثير من العواصم الخليجية، أسيرة رؤية تقليدية تربط آلياً بين دول الخليج من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وتتعامل مع المنطقة باعتبارها امتداداً لنفوذ أميركي يجب ضربه أو الضغط عليه.

وتبدو هذه القراءة الإيرانية، بالنسبة إلى الخليجيين، منفصلة عن الواقع الحالي. فأغلب دول الخليج لم تؤيد الحرب الأخيرة، بل دفعت باتجاه الحوار الأميركي الإيراني، وسعت إلى تجنب الانخراط المباشر في التصعيد. كما أن الخطاب الخليجي، خلال مراحل التوتر المختلفة، ركّز على التهدئة ورفض توسيع الحرب، انطلاقاً من قناعة بأن أي انفجار إقليمي واسع ستكون له كلفة كارثية على الجميع، وفي مقدمتهم دول الخليج نفسها.

لكن المشكلة، من وجهة النظر الخليجية، أن إيران لم تستوعب بعد حجم التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين. فدول الخليج لم تعد تلك الممالك والإمارات الضعيفة التي كانت تحتاج إلى حماية مباشرة من بريطانيا أو الولايات المتحدة لضمان أمنها في مواجهة مشاريع الهيمنة الإقليمية، سواء الإيرانية الحالية أو العراقية زمن صدام حسين.

لقد تغيّر الخليج جذرياً. وعلى المستوى العسكري تحديداً، لم تعد هذه الدول تعتمد فقط على المظلة الغربية التقليدية، بل عملت على تنويع شراكاتها الدفاعية، وبناء قدرات ذاتية متقدمة، وتطوير صناعات أمنية وعسكرية، وإقامة علاقات أكثر ندية مع القوى الكبرى. ولم يعد مفهوم “الحماية” بالصيغة القديمة مقبولاً حتى داخل العقل السياسي الخليجي نفسه، الذي بات يميل أكثر إلى منطق الشراكة والتوازن وتبادل المصالح.

وخلال السنوات الأخيرة، ظهرت مؤشرات واضحة على هذا التحول. فبعض الدول الخليجية بات يمتلك القدرة على الدفاع عن نفسه، بل وحتى توجيه ضربات مؤلمة إذا اقتضت الضرورة، كما فعلت الإمارات خلال الحرب الأخيرة. وما حدث في مراحل سابقة، عندما فضّلت بعض العواصم الخليجية الاكتفاء بالدفاع وعدم الرد المباشر على الاستهدافات الإيرانية، لم يكن ناتجاً عن عجز بقدر ما كان خياراً سياسياً مقصوداً لتجنب الانزلاق نحو حرب شاملة، ولإرسال رسالة إلى طهران بأن الخليج لا يريد أن يكون جزءاً من مشروع المواجهة المفتوحة ضد إيران.

وبمعنى آخر، كان هناك رهان خليجي على أن ضبط النفس قد يساعد الإيرانيين على فهم أن دول الخليج ليست خصماً وجودياً لهم، وأن وضعها في السلة نفسها مع إسرائيل أو مع سياسات الإدارات الأميركية، مثل إدارة ترامب، يمثل خطأ استراتيجياً كبيراً. غير أن استمرار الاستهدافات والتهديدات أوحى لكثير من الخليجيين بأن جزءاً مهماً من التفكير الإيراني ما يزال عاجزاً عن إدراك طبيعة التحولات الجديدة في المنطقة.

ولا يتعلق الأمر فقط بالقدرات العسكرية. فالتغيير الأكبر الذي حدث في الخليج يرتبط بالتحول الاقتصادي والتكنولوجي الهائل الذي شهدته المنطقة. فدول الخليج أصبحت، بدرجات متفاوتة، من أكثر دول المنطقة قدرة على استيعاب التكنولوجيا الحديثة، وبناء بيئات اقتصادية واجتماعية قادرة على جذب الشركات العالمية الكبرى، والاستفادة من التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي والطاقة المتقدمة والخدمات الحديثة.

وهذا التطور لا يمنح الخليج فقط قوة اقتصادية، بل يخلق أيضاً بنية استراتيجية مختلفة تماماً عن تلك التي كانت قائمة قبل عقود. فالدول التي تبني اقتصاداً متقدماً وتستثمر في التكنولوجيا والمعرفة تصبح، تلقائياً، أكثر قدرة على تطوير منظوماتها الدفاعية والأمنية، وأكثر استعداداً لخوض صراعات معقدة بأدوات حديثة، وليس فقط عبر الجيوش التقليدية.

ومن هنا، تبدو الرسالة الخليجية المرتبطة بفكرة التعويضات أوسع بكثير من مجرد المطالبة بأموال. إنها محاولة للفت انتباه إيران إلى أن المنطقة تغيّرت، وأن الدول الخليجية تتحرك نحو بناء نموذج سياسي واقتصادي وأمني مختلف، بينما ما تزال طهران، في نظر خصومها، تدور داخل عقلية قديمة تقوم على مركزية القوة العسكرية وفكرة الهيمنة على المحيط، سواء عبر النفوذ المذهبي أو عبر الأذرع المسلحة أو عبر فرض معادلات ردع بالقوة.

والمشكلة بالنسبة إلى إيران أن هذه المقاربة قد تنجح في إنتاج النفوذ لفترة معينة، لكنها تفشل في بناء علاقات مستقرة وطويلة الأمد مع الجوار. فدول الخليج لم تعد تبحث فقط عن الحماية، بل عن شراكة إقليمية قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل والاعتراف بالتوازنات الجديدة التي فرضتها التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية.

ولهذا، فإن أي حديث أميركي عن التعويضات لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد رغبة في العقاب أو الانتقام، بل باعتباره جزءاً من محاولة أوسع لإعادة صياغة قواعد اللعبة الإقليمية. فالمعركة الحقيقية ليست على الأموال، بل على شكل الشرق الأوسط المقبل: هل يبقى فضاءً مفتوحاً للحروب بالوكالة ومنطق السيطرة، أم يتحول إلى منطقة تحكمها قواعد واضحة ومصالح متبادلة وحدود لا يمكن تجاوزها بالقوة؟

ذلك هو السؤال الذي تحاول دول الخليج طرحه اليوم على إيران، وربما على العالم كله.

العرب



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية