
أصدرت المحكمة التونسية أحكامًا على قادة حزب النهضة التونسي، وعلى رأسهم راشد الغنوشي زعيم الحركة، حسب "وكالة الأنباء التونسية"، أو ما يُعرف إعلاميًا بقضية "الجهاز السري لحركة النهضة الإسلامية"، تراوحت بين السجن المؤبد وأحكام سجنية مطوّلة وصلت إلى عشرات السنين، في ملف يثير منذ سنوات جدلًا سياسيًا وقضائيًا واسعًا في البلاد. جاء الحكم بعد إدانة عدد من المتهمين بتهم تتعلق بتكوين وفاق إرهابي "تنظيم إرهابي" والانضمام إليه، ووضع خبرات وكفاءات على ذمة عناصر مرتبطة بجرائم إرهابية، هذا حسب ما ورد في منطوق الأحكام.
وتعود جذور القضية إلى الشكاوى والتحقيقات المرتبطة بالملفات التي أعقبت اغتيال السياسيين التونسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عام 2013، وهي الأحداث التي مثلت نقطة تحول مفصلية في العلاقة بين حركة النهضة وقطاع واسع من الرأي العام التونسي. فقد كان شكري بلعيد سياسيًا يساريًا بارزًا ومن أبرز منتقدي الحكومة التي كانت تقودها آنذاك حركة النهضة، وفي صباح 6 شباط/فبراير 2013، أطلق مسلح النار عليه أمام منزله في منطقة المنزه قرب العاصمة تونس أثناء خروجه إلى عمله، فأصيب بعدة طلقات نارية وتوفي متأثرًا بجراحه. وقد أحدث اغتياله صدمة سياسية وشعبية واسعة وأدى إلى أزمة حكومية كبيرة.
أمّا محمد البراهمي، فقد اغتيل في 25 تموز/يوليو 2013 أمام منزله في حي الغزالة بولاية أريانة قرب تونس العاصمة، وبحسب وزارة الداخلية التونسية آنذاك، تعرض لإطلاق عدد كبير من الرصاصات أثناء خروجه من سيارته، ونفذ العملية شخصان كانا يستقلان دراجة نارية قبل أن يلوذا بالفرار.
ورغم صدور أحكام قضائية في قضايا التنفيذ، ظل الجدل قائمًا في تونس حول سؤال: من خطط؟ ومن أصدر الأوامر؟ وهل كانت هناك أطراف سياسية أو أمنية أو تنظيمات موازية وراء الاغتيالين؟ فقد اتهم فريق الدفاع عن بلعيد والبراهمي ما سمّاه "الجهاز السري" المرتبط بحركة النهضة بالضلوع في جوانب من القضية، بينما نفت حركة النهضة هذه الاتهامات باستمرار واعتبرتها ذات دوافع سياسية.
لهذا، تُعدّ هذه الأحكام إدانة مباشرة لفرع جماعة الإخوان في تونس، وإثباتًا لتغلغل الفكر التكفيري والإرهابي واغتيال المعارضين، كما أنّها تُعدّ إدانة واضحة لراشد الغنوشي الذي يعده أتباعه أهمّ شخصية في تاريخ الإسلام السياسي. وهذه الإدانة تطرح العديد من الأسئلة، منها: هل هي بداية لتصنيف حركة النهضة "منظمة إرهابية"؟ وما مستقبل الإخوان في تونس في ظل هذه الأحكام؟ وهل سيلجؤون إلى العمل السرّي مرة ثانية؟ وما تأثير إدانة الغنوشي على التنظيم الدولي باعتباره أحد رموزه الأقوياء والمرشحين لقيادة الجماعة عالميًا؟
وحول دلالات الحكم، يؤكد "باسل ترجمان" الكاتب التونسي والباحث في الإسلام السياسي والإرهاب الدولي أنّ الأحكام التي صدرت هي بداية النهاية لحركة النهضة والإخوان في تونس. ففي تصريح لـ (حفريات) أكد فيه أنّ "الأحكام التي صدرت بحق حركة النهضة هي نهاية مسار طويل بدأ عام 2018 بعد فحص ملف اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عام 2013، فقد تبين بالدلائل والبراهين والتسجيلات الصوتية والهاتفية واعترافات بعض المتهمين وجود جهاز سري تابع لحركة النهضة مهمته اغتيال المعارضين".
وحول أهمية الحكم يقول ترجمان: "إنّ أهمية هذه الأحكام ليست بعدد سنوات الحبس التي صدرت بحق المتهمين، وإنّما فيما وراء الأحكام، وهي الإدانة الواضحة لحركة النهضة، وإثبات أنّهم جميعًا يستخدمون منهج التقية ويكذبون دائمًا، فقد أثبتت التحقيقات والاعترافات أنّ لهم جهازين؛ أحدهما علني والآخر سري يقوم بالأعمال الإرهابية والاغتيالات وعمليات قتل المعارضين والمخالفين لحركة النهضة".
في حين يرى الدكتور "علية العلاني"، الأكاديمي بجامعة منوبة بتونس، أنّ الحكم يُعتبر غلقًا أوليًا لملف حركة النهضة كحزب سياسي، وربما يتحول هذا الحكم لاحقًا إلى إجراء قضائي يخص الحزب. ففي تصريح لـ (حفريات) أشار العلاني إلى أنّ "هذا الحكم ستكون له تداعيات على مستوى الرأي العام الوطني التونسي، حيث إنّ الاتهامات التي طالت المتهمين هي تكوين وفاق إرهابي، والتجسس، واختراق مؤسسات الدولة. وهذه التهم، بعد ثبوتها، تنفي سلمية حركة النهضة أو إخلاصها للعمل السياسي، فالجهاز السري ليس بالأمر الغريب لدى تيار الإسلام السياسي، فقد وُجد مع مؤسس تنظيم الإخوان حسن البنا وكان يُسمّى الجهاز الخاص، كما أنّ الجهاز السري في تونس ليس وليد مرحلة ما بعد 2011، بل وُجد بشكل آخر مع ما كان يُسمّى بالمجموعة الأمنية سنة 1987، التي كانت تابعة لحركة النهضة. ووجود الجهاز السري يثبت أنّ تيار الإسلام السياسي ما يزال يستعمل إلى اليوم الخطاب المزدوج: "الخطاب السرّي والخطاب العلني"، والتنظيم المزدوج: "التنظيم السرّي والتنظيم العلني".
وفيما يخص الحكم الصادر مؤخرًا بخصوص الجهاز السري لحركة النهضة في تونس، فهو حكم ابتدائي ينتظره لاحقًا حكم استئنافي، وثالثًا وأخيرًا حكم تعقيبي. وبإمكان حركة النهضة أن تقدم اعتراضاتها القانونية. لكنّ العديد من قيادات النهضة المحكوم عليهم كانوا يقاطعون حضور الجلسات، وهذا لا يمنع المحكمة من إصدار أحكامها في الطور الثاني من التقاضي. ويرى العلاني "أنّ حركة النهضة ما زال ينقصها الكثير من الجرأة لتعترف بأخطائها، فضلًا عن أنّ الرأي العام لم يعد يصدق خطاب المظلومية الذي تدعيه حركة النهضة، وأنّه سيتم طي صفحة مشاركة تيار الإسلام السياسي في حكم تونس لمدة طويلة"، مضيفًا "أنّ موقع تيار الإسلام السياسي في النظام العالمي الجديد سيكون ضعيفًا للغاية"
وأوضح ترجمان أنّه بعد الاستئناف على الحكم الحالي، وبعد أن يصبح باتًا ونهائيًا، ستكون هناك مطالبات بحل حركة النهضة وتصنيفها "جماعة إرهابية"، ممّا يغلق الباب أمام الإسلام السياسي في تونس.
وأضاف أنّ هذا الحكم ستكون له تداعيات على مستوى التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، فراشد الغنوشي بالنسبة إلى جبهات الإخوان كان أحد أهم الوجوه الفكرية والتنظيمية للحركات الإسلاموية.
من الواضح أنّ تونس اتخذت قرارها بمواجهة الإسلام السياسي عن طريق القضاء، وهي خطوة غاية في الأهمية. فالحكم الذي صدر على عناصر من حركة النهضة جاء من محكمة مختصة بقضايا الإرهاب، وربما يتبع ذلك قرارات تقيد حركة النهضة أو تقيد أنشطتها، ولا يستبعد أن يميل جزء من الإخوان وحركة النهضة لارتكاب أعمال عنف وإرهاب، لكن يعتقد أنّ الدولة التونسية وأجهزتها قادرة على المواجهة الأمنية والعسكرية للتنظيمات الإسلاموية، لكنّ الأهم في الوقت الراهن هو استئصال الأفكار التي رسختها جماعة الإخوان في المجتمع.
ومع ذلك، فإنّ الحديث عن أفول الإسلاموية لا يعني بالضرورة نهايتها، فالأفكار لا تموت بالأحكام القضائية، والتنظيمات لا تنتهي بسقوط القادة، لكنّ التاريخ يعلمنا أنّ المشاريع المتطرفة تنتهي فور إيجاد مشروع معتدل تنويري يجمع بين الأصالة والحداثة، وبين التراث والتجديد.



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1_7_1.jpg.webp?itok=kdFB2ubR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/a3fd17a8-df27-46c7-aa4e-603adc997962.jpg.webp?itok=F5jVYUlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%A8%D8%B1_42_1_0_1_0_1_1.jpg.webp?itok=IvOR4doP)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_0.png.webp?itok=HSIdIJei)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86_176_0_0_1.jpg.webp?itok=n6Qpa7V6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/204-185210-boxing-matches-gaza-wounds-war-4.jpeg.webp?itok=QQVudo4t)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3_67_1_4_0_0.jpg.webp?itok=wrd_MIbW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1d9ba75c-7c8b-42d9-bf3a-44b242d3c72c.png.webp?itok=Wf0tJNUG)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-06%20113817.png.webp?itok=lnva2KMR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)