انعكاسات انتقال الإخوان المسلمين من الميدان إلى العالم الافتراضي

انعكاسات انتقال الإخوان المسلمين من الميدان إلى العالم الافتراضي

انعكاسات انتقال الإخوان المسلمين من الميدان إلى العالم الافتراضي


02/06/2026

"لقد تحولت جماعة الإخوان المسلمين، مع الفضاء الإلكتروني، من مشروع تنظيمي يسعى لـ"التمكين" والسلطة، إلى "ظاهرة احتجاجية رقمية"، فتحت الأبواب للتمرد والمساءلة من قبل القواعد التنظيمية، وأصبحت رهينة لمعايير وضوابط شركات التكنولوجيا الكبرى وسياساتها الأمنية المتغيرة، وهو ما سيجعل بقاءها الافتراضي امتدادًا مؤقتًا لعجز سياسي دائم."

شهد خطاب جماعة الإخوان المسلمين تحولًا جذريًا في بنيته الاتصالية وآليات عمله، فمع الملاحقات القانونية وتفكك الحواضن الشعبية في دول المنشأ، لم يعد الميدان التقليدي، كالمساجد والنقابات والجامعات، متاحًا للحركة، وهو ما دفع التنظيم إلى هجرة قسرية نحو "الفضاء السيبراني"، فتحول الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي من كونها وسيلة إعلامية مساندة إلى ملاذ آمن لإعادة إنتاج البنية التنظيمية، وأداة لاستمرارية الجماعة في جغرافيا الشتات الجديد.

وفي هذه الهجرة، تم تحديث "خطاب المحنة" التاريخي الذي رافق الجماعة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فأُعيد تدوير أدبيات السجون التي تُوثّق في كتب وروايات ورقية محدودة التداول، بما يتوافق مع التكنولوجيات الجديدة، وتستجيب لمتطلبات الأجيال الشابة، فتحولت سرديات الاضطهاد إلى مقاطع فيديو قصيرة، وبرزت مساحات نقاشية تفاعلية، وأصبحت "المظلومية" سلطة أخلاقية ودينية توظفها الجماعة لنزع الشرعية عن خصومها السياسيين، وتثبيت ولاء قواعدها عبر تغذيتها الدائمة بمشاعر الاستهداف.

وتبنت الجماعة استراتيجية في الفضاء الإلكتروني تقوم على "عولمة المظلومية" واستدرار التعاطف الدولي، حيث فرض الشتات الجغرافي وتوزع قيادات الجماعة بين عواصم غربية وإقليمية إنتاج خطاب جديد عابر للحدود، يتجاوز العقلية الأيديولوجية التقليدية، فغابت المصطلحات الصدامية القديمة مثل: "الحاكمية"، و"تطبيق الشريعة"، و"الإسلام هو الحل"، وتم استبدالها بلغة حقوقية ليبرالية معولمة تتفاعل مع مصطلحات: "الديمقراطية"، و"حقوق الإنسان"، و"العدالة الانتقالية"، و"حقوق الأقليات والمرأة"، وهي لغة تلقى صدى واسعًا لدى المنظمات الدولية وصناع القرار في الغرب.

ويُشار هنا إلى أن جماعة الإخوان تبنت استراتيجية تشترك فيها مع تنظيمات "الجهادية العالمية" كالقاعدة وداعش، فهذه الحركات اندفعت لصياغة "الخلافة الافتراضية" بعد فقدانها "الملاذات الآمنة" والمقرات على الأرض، فعندما فقد تنظيم داعش دولة التمكين الجغرافية في العراق والشام، وقبلها تنظيم القاعدة في أفغانستان واليمن، تحولت منصات "تليغرام" والمواقع المشفرة إلى غرف عمليات ومنابر لإثبات الوجود، وهو ما فعلته جماعة الإخوان حين تفتت مركزها التنظيمي وجغرافيتها السياسية؛ إذ أصبحت المنصات الرقمية إقليمًا وساحة بديلة تُمارس من خلالها سلطتها الرمزية عبر استمرارية التعبئة.

ولا يتوقف التقاطع الاستراتيجي مع تنظيمات القاعدة وداعش عند مفهوم الساحة البديلة، بل يتجاوزه إلى استخدام "التكتيكات الرقمية" بين هذه التنظيمات على اختلاف منطلقاتها، حيث تقاطعت في استخدام غرف التشفير وحيل الالتفاف على خوارزميات الحظر وحذف المحتوى التي تفرضها شركات التكنولوجيا الكبرى، وتبني ظاهرة "التسييل التنظيمي"، بالاعتماد على "الذئاب المنفردة رقميًا" التي تتشكل من أفراد ومجموعات لا يحملون بطاقات تنظيمية رسمية، لكنهم يعملون كجيوش إلكترونية متطوعة تقوم بإعادة إنتاج ونشر السرديات الموجهة عبر "السلوك الزائف المنسق"، وهو ما أظهر قدرة فائقة على المناورة والهروب من الملاحقة القانونية والأمنية الدولية.

ورغم هذه التوافقات بين التنظيمات الإسلاموية، إلا أنها تتباين في مستوى وأهداف بنية الخطاب ووظيفته، فقد وظّف تنظيم داعش الفضاء الرقمي لتصدير خطاب "الاستعلاء والتوحش والقوة" لبث الرعب وجذب المقاتلين، فيما وظّفت جماعة الإخوان الفضاء نفسه لتصدير خطاب "المظلومية والاضطهاد والضحية" لاستدرار العواطف وجلب التضامن الحقوقي الدولي. وفي الوقت الذي ركزت فيه القاعدة وداعش على الخطاب العسكري الصادم والمصطلحات التكفيرية الصريحة، اعتمد الإخوان خطابًا مزدوجًا، يخاطب القواعد الداخلية بلغة "المحن والابتلاء" و"التضحية" و"الفسطاطين"، ويخاطب العقل الغربي والمنظمات الدولية بلغة "الحقوق والحريات والديمقراطية الإجرائية" عبر شبكة واسعة من المنصات والمراكز الحقوقية الرديفة التي تبدو مستقلة في ظاهرها لتمرير أجندة التنظيم.

وبالتزامن مع ذلك، فإن هذا "الهروب الكبير" نحو الفضاء الافتراضي أنتج عزلة إجبارية للجماعة عن الواقع السياسي الفعلي على الأرض، وحوّل معاركها إلى ظاهرة صوتية تقدم إنجازات وهمية كأرقام المشاهدات والتفاعل (الترند)، كما ساهم التركيز المكثف على مظلومية الاستهداف في تهرب الجماعة من تقديم أية مراجعات فكرية أو سياسية حقيقية لأسباب فشل تجربتها في الحكم، حيث يُعزى الإخفاق دائمًا إلى "المؤامرة الخارجية" بدلًا من النقد الذاتي للبنية الفكرية. ولأن الفضاء الإلكتروني بطبيعته يكسر الهرمية ويلغي المركزية، ظهرت انقسامات وصراعات علنية بين أجنحة الجماعة المتنافسة (جناحي لندن وإسطنبول)، كما شكّلت الصراعات بين جناحي حركة حماس "منصة إسطنبول ومنصة طهران" نموذجًا لكسر الهرمية، ولم يكن ذلك ممكنًا لولا ما شكّلته هذه المنصات للقواعد التنظيمية الشبابية من كونها منابر للتمرد على القيادات التاريخية، وهو ما أدى إلى تآكل مبدأ "السمع والطاعة" الحديدي، لتتحول أدوات التعبئة الخارجية إلى أدوات تصفية وحروب داخلية بين قيادات التمويل والقرار.

وفي الخلاصة، فإن الفضاء الرقمي يمثل لهذه التنظيمات، على اختلاف أيديولوجياتها، "جهاز إنعاش سيبراني" يؤخر تلاشيها وذوبانها. ورغم نجاحاته في حماية جماعة الإخوان من الفناء الهيكلي الكامل، إلا أن هذا الفضاء الإلكتروني سلبها قدرتها الفعلية كلاعب سياسي على الأرض، فقد تحولت الجماعة من مشروع تنظيمي يسعى لـ"التمكين" والسلطة، إلى "ظاهرة احتجاجية رقمية" رهينة لمعايير وضوابط شركات التكنولوجيا الكبرى وسياساتها الأمنية المتغيرة، وهو ما يجعل بقاءها الافتراضي مجرد امتداد مؤقت لعجز سياسي دائم.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية