رحّالة بين اللغات… سيرة شغف تصنعها الترجمة واكتشاف العالم

رحّالة بين اللغات… سيرة شغف تصنعها الترجمة واكتشاف العالم

رحّالة بين اللغات… سيرة شغف تصنعها الترجمة واكتشاف العالم


28/04/2026

ملا الدوسكي

بعفوية وثقة، وبعبارات واضحة دون تكلّف أو تصنّع أو استعلاء -كما يفعل بعض الكتّاب- تحدّث بدل رفو عن نفسه في كلية التربية بجامعة دهوك. استهل حديثه بمحطات أولى في حياته، قائلا “صدقوني، زرت مدينة دهوك لأول مرة في حياتي وعمري 17 عامًا”. كما أشار إلى كتابه الأول بعنوان “ومضات جبلية من الشعر الكردي المعاصر”.

ويضيف متحدثًا عن نفسه “كتبت أول قصيدة شعر بالعربية سنة 1977 عندما كنت طالبًا في الموصل”. ورغم أن مسيرته بدأت بالشعر، فإن الترجمة سرعان ما أخذت مكانها في تجربته، فانتقل إليها، مترجمًا الشعراء الكرد إلى العربية وبالعكس، كما ترجم إلى الألمانية، وكتب عن رحلاته حول العالم.

سيرة الترحال

عند قراءة كتابه “العالم بعيون كردية” يجد القارئ صورًا إنسانية بديعة ومواقف تجعل المتلقي يتخيّل الأمكنة وكأنه زارها بنفسه، وذلك بفضل صدق قلمه وتماهيه مع المشاعر؛ إذ لا تأتي كلماته عبثًا أو حشوًا، بل تتدافع السطور في جذب القارئ بأسلوب شيّق يدفعه إلى الاستزادة والتعرّف أكثر على هذه القامة الثقافية.

ويعود سرّ ذلك -كما يظهر من سيرته- إلى شغفه بالاكتشاف وحب الترحال؛ فخلال سنوات دراسته في بغداد، وبعيدًا عن مدينته وعائلته، كان يستغل وجوده لزيارة المدن العراقية، بل كان يمكث حتى في العطلة الصيفية ليواصل ترحاله بين المحافظات. ولو امتلك آنذاك جهاز تحديد المواقع (GPS)، لكانت خريطته مليئة بالخطوط المتداخلة من كثرة تنقلاته.

هذا الشغف رافقه لاحقًا في رحلته إلى أوروبا ومنها إلى العالم. ويضيف فكرة مهمة: “إذا أتقنت لغة ما، أصبحت مفتاحًا لتعلّم المزيد، لكن تعدد اللغات قد يجعل بعضها يخبو في الذاكرة أو تختلط مفرداتها عند الحديث”.

رغم حياة الترحال، لم ينس وصية والدته حين قالت له “يا بني، لا تنسَ ثلاثة: الوطن، والشعب، واللغة”. لذلك، ورغم سفره إلى الغرب، ظل يحمل روحه الشرقية.

 ومن أعماله “قصائد حب كردية”، حيث ترجم قصائد شعراء كرد عن الحب، ولاقت إعجابًا واسعًا.

زار العديد من البلدان، لكنه لا يسافر عشوائيًا، بل يخطط ويتواصل مع الناس، ويجد متعته الروحية في الأزقة القديمة وبين البسطاء، بعيدًا عن ناطحات السحاب وصخب المدن. هناك يكتشف ذاته، ويتعايش مع أهل المكان ببساطة، دون ترفّع أو ذوبان، ويشاركهم تفاصيل حياتهم، ويختلي أحيانًا بنفسه مع قلمه بين الطبيعة.

القرب من الناس

عن التكريم يقول “لا أحب أن يمدح الإنسان نفسه، لكن هناك حقائق يجب أن تُقال”. فقد كُرّم في النمسا، حيث يقيم، تقديرًا لإسهاماته الثقافية، كما نال المواطنة الفخرية في شفشاون، وهو وسام رفيع. وتم تكريمه في مدينته دهوك بحفل جماهيري كبير.

ويرى أن هذا يدل على مكانة المثقف حين يكون قريبًا من الناس. كما عبّر عن أسفه لما تتعرض له المدن القديمة، معتبرًا أنها “خط أحمر”، وأن المساس بها تدمير للذاكرة الإنسانية، وانتقد الأبنية العمودية التي تقتل هوية المدن وتاريخها.

وأكد رفو ضرورة الحفاظ على الرموز الوطنية، التي قد تكون بيوتًا أو مقاهي تراثية أو مباني قديمة تحمل ذاكرة المكان وسيرته.

وتحدث عن الترجمة قائلا “هي نقل روح النص، لا الكلمات فقط”، مستشهدًا بتجربته في ترجمة شعر للشاعر صديق شرو، الذي أعجب بترجمته إلى حد اعتبرها أجمل من نصه الأصلي.

وعن السفر شدد على أن الرحّالة يجب أن يكتشف نفسه أولًا، وإلا فلن يستطيع اكتشاف العالم.

كما حثّ الطلبة على السعي والتعلم، مستحضرًا بساطة حياتهم سابقًا مقارنة برفاهية اليوم، ليؤكد رسالة إنسانية مفادها: الاهتمام بالصغار، والعيش ببساطة، والابتعاد نسبيًا عن ضجيج التكنولوجيا، رغم أهميتها، لأنها لا تعوّض الحياة الحقيقية التي يجد فيها الإنسان ذاته.

 

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية