المرأة العربية ورحلة البحث عن العدالة المؤجلة

المرأة العربية ورحلة البحث عن العدالة المؤجلة

المرأة العربية ورحلة البحث عن العدالة المؤجلة


21/04/2026

 

أن تولد امرأةً يعني أنّ علاقتك بالعالم موضع مساءلة، وأن تأتي هذا العالم بهوية أنثوية تعني أنّ عليك تعلم فنون الانكماش والمراعاة؛ كيف تخفض صوتك، وتواري ضحكتك، وألّا تأخذ حيزًا أكبر ممّا يُسمح لك به في المكان والحضور، وألّا يثير نجاحك غضب أو غيرة أحد. أن تأتي امرأةً يعني أنّ كل تصرف منك موضع مراقبة، وأيّ خروج يؤذي سمعة عائلة، وأنّ معاني الشرف والعرض أنت المنوط بها وحدك.

أن تولد امرأةً يعني أنّ عليك أن تبذلي نفسك وصحتك ووقتك وجسدك ووجودك طوال الوقت دون أن يكون هذا موضوع تقدير، وكأنّ التعريف الخفي لوجودك: مهمش... وضروري في آنٍ واحدٍ.

إنّ هذا الوجود المعتل للمرأة يخلق أوضاعًا معتلة وأسرًا مأزومة وأبناءً قلقين تجاه الحياة، لأنّ المرأة ببساطة هي الرعاية الروحية للعالم؛ هي العطف والحنان والرقة والمواساة والسند والدفء والأمان والسكن. إنّ الوجود المهزوم للمرأة يعني أنّ كل هذه المعاني ضائعة.

لماذا المرأة هي الطرف الأضعف في كل الأماكن والمواضع؟ الأضعف في بيت الأهل وفي بيت الزوجية، الأضعف راتبًا في العمل، والمنتهكة في المواصلات العامة، والمُضيق عليها في الشوارع، والمُتاجر بها في الإعلانات والتسويق، والمُتلاعب بها دائمًا بين جميع الأطراف؟

هذا سؤال لا يبحث عن إجابة، بل عن عدالة مؤجلة. 

وما نشهده من حوادث مؤلمة في واقعنا هو دليل واضح على تفجر هذا الوضع المأزوم. إنّ المرأة دخلت في مرحلة الإيذاء العنيف للذات، وإنّ الكثيرات قد مرت عليهن سنوات نسين عددها وهن يتشكين ويلجأن لأبواب عدالة لا تأتي، ولم يجدن مخرجًا من هذه المتاهة إلا بالتفريط في الحياة نفسها، تلك الحياة التي كان يحملها جسد المرأة في تجديد دائم للوجود.

إنّ عبء حمل الحياة، وحمل مسؤولية أسرة كاملة، لا يقوم به في هذا الزمن الصعب غير رجل وامرأة قادرين على القيادة في الحياة. فكيف تُترك امرأة لهذه المسؤولية الكبيرة وحدها، ويُثقل عليها فوق ذلك بالمحاربة من أجل سكن لصغارها، ومصاريف لإطعامهم وتعليمهم ومعالجتهم، وملاحقة فواتير الكهرباء والغاز والنت والدروس الخصوصية؟ كيف يُطلب من المرأة أن تحارب في كل الجهات بمفردها مرة واحدة، ودون أن يكون معها من القوانين والدعم الاجتماعي والنفسي ما يعينها على العيش بدور الرجل والمرأة معًا؟

ليس السؤال هنا: لماذا تعبت المرأة؟

بل: كيف طُلب منها أن تقاتل في كل الجبهات وحدها…، وأن تظل صامدة؟ 

إنّ ما نراه حولنا في الحياة من قصص واقعية تختلف تفاصيلها وتتحد في حقيقة "الوجود المأزوم" للمرأة، إنّ هذه التفاصيل المرهقة التي نراها ونسمعها ونعيشها حولنا تصف فسادًا حقيقيًا للحياة.

لم يعد الأمر ينتهي عند حيوات زوجية فاشلة تنتهي بالطلاق وصراعات المحاكم، لكنّ الأمر استوحش حتى أصبح قتل الزوجات أمرًا مكررًا على يد أزواج من مختلف الشرائح الاجتماعية والثقافية، وكأنّ الحياة فقدت حرمتها في أكثر العلاقات قربًا، وهو أمر يستحق وقفة من علماء الاجتماع وعلماء النفس ورجال الدين والقانون يحللون لنا ما آلت إليه أوضاع الزواج ويستشرفون لنا مخرجًا من هذا الواقع اليومي الأليم.

إنّ الأمر لم يعد يقتصر أيضًا على زوجات وأمهات وحيدات، بل إنّ قصة فتيات مصنع العنب اللواتي سُحقت أجسادهن على الطريق، وفتيات مصنع الزاوية اللواتي تفحمت أجسادهن، تحكي لنا عن البدايات المرهقة التي تسلكها المرأة لتجهز بيت الزوجية، حيث تلقي بنفسها، وهي في عمر الورد، على أيّ عمل مرهق بعدة جنيهات لا تتوفر فيه أدنى مقومات السلامة، وإن خرجت بعده حيّة، فقد لا تضمن الأيام لها أنّها ستظل كذلك في رحلة بحثها عن الاستقرار.

لم يعد السؤال: كيف ننصف المرأة؟ بل كيف ننقذ ما تبقى من الإنسانية في هذا العالم؟

إنّ تأخر العالم عن نجدة النساء لا يعني أن يُكتب عليهن الوقوف مكتوفات الأيدي، يستجدين الرحمة من عالم لا يُبالي، ولا يعني الاستسلام كذلك. بين الظلم والإنصاف مساحة ضيقة لا يراها أحد اسمها "البقاء".

أيًّا تكن مظلوميتك، لا يحق أن يسلب الحياة منك إلا من وهبها لك. يجب أن تخوضي معركتك كاملة. ليس في هذا دعوة لتحميلك مزيدًا من المسؤوليات أو تبرئة للواقع القاسي، ولكنّها دعوة أخيرة للإنقاذ الداخلي والتداوي الذاتي متى تأخر العالم.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية