ثقافة تمجيد الموت: كيف رسّخت جماعة الإخوان وفكر الإسلام السياسي استرخاص الحياة البشرية

ثقافة تمجيد الموت: كيف رسّخت جماعة الإخوان وفكر الإسلام السياسي استرخاص الحياة البشرية

ثقافة تمجيد الموت: كيف رسّخت جماعة الإخوان وفكر الإسلام السياسي استرخاص الحياة البشرية


12/03/2026

شهدت المنطقة العربية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي تصاعدًا ملحوظًا في مظاهر العنف المرتبط بالإيديولوجيات المتطرفة، خصوصًا مع صعود تيارات الإسلام السياسي. لكن هذه الظواهر لم تكن مجرد أحداث أمنية متفرقة، بل كانت انعكاسًا لخطاب أيديولوجي يقوم على تقليل قيمة الإنسان وتبرير الموت والتضحية بالأرواح البشرية لتحقيق أهداف سياسية أو عقائدية.

ويشير محللون إلى أن هذا الخطاب أنتج بيئة اجتماعية تجعل العنف مقبولًا، ويمنح الشرعية للعمليات الانتحارية واستهداف المدنيين، ويخلق تصورًا عند الأفراد أن التضحية بالنفس وبآخرين جزء مشروع من الصراع. 

كما أن هذه الثقافة لا تقتصر على العمليات المسلحة، بل تمتد إلى المجال السياسي والاجتماعي، حيث يُحسب الإنسان بالأرقام، كما في تبادل الأسرى، بدل أن تكون حياته قيمة مطلقة.

وتوضح هذه الظاهرة كيف يمكن أن يؤدي خطاب سياسي أو ديني إلى تغييب البعد الإنساني للأفراد، وإنتاج مجتمع يتقبل العنف بوصفه أداة مقبولة، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي ويضعف حماية حقوق الإنسان الأساسية.

من خطاب التضحية إلى استرخاص الحياة

يمثل التصريح الذي أدلى به الإعلامي والكاتب المصري إبراهيم عيسى مدخلًا مهمًا لفهم التحولات الفكرية التي صاحبت صعود تيارات الإسلام السياسي. فقد أكد أن هذه التيارات، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، ساهمت منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي في ترسيخ ثقافة استرخاص الحياة البشرية والتقليل من قيمة الإنسان.

ويشير عيسى إلى أن الخطاب الذي روّجت له هذه الجماعات يقوم على فكرة مفادها أن الموت والدمار قد يصبحان مقبولين إذا كان الهدف إلحاق الضرر بالخصم أو العدو، فبدل أن تكون لحياة الإنسان قيمة مطلقة لا يجوز المساس بها، جرى تقديمها باعتبارها جزءًا من معادلة الصراع يمكن التضحية بها لتحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية.

ويبرز هذا المنطق بشكل واضح في فكرة العمليات الانتحارية، حيث يقوم الفرد بتفجير نفسه في موقع معين، معتقدًا أن هذا الفعل يمثل تضحية بطولية أو عملًا “استشهاديًا”، رغم ما يترتب عليه غالبًا من سقوط ضحايا مدنيين لا علاقة لهم بالصراع.

لكن خطورة هذه الثقافة لا تكمن فقط في العمليات نفسها، بل في الخطاب الذي يسبقها ويمنحها الشرعية؛ فحين يُربّى الأفراد على فكرة أن الموت في حد ذاته قيمة عليا، وأن التضحية بالحياة يمكن أن تكون الطريق الأقصر لتحقيق الأهداف، يصبح العنف أكثر قابلية للانتشار. 

وقد أدى هذا الخطاب إلى ظهور حالة من تمجيد الموت في بعض البيئات الأيديولوجية، حيث تتحول فكرة التضحية بالنفس إلى نموذج بطولي يُحتفى به ويُعاد إنتاجه في الخطاب الإعلامي والتنظيمي.

ويكمن الخطر الحقيقي في أن الإنسان يتحول من غاية في ذاته إلى مجرد وسيلة لتحقيق هدف سياسي أو عقائدي، فتصبح كل الحدود الأخلاقية قابلة للتجاوز، وتُصبح الحياة البشرية مجرد رقم في معادلات الصراع.

العمليات الانتحارية وشرعنة الموت

هذا وتمثل العمليات الانتحارية أبرز مظاهر ثقافة تمجيد الموت لدى التنظيمات المتطرفة، إذ تقوم هذه العمليات على تصور أن التضحية بالنفس وبآخرين يمكن أن تكون بطولة دينية أو أيديولوجية، مع ما ينتج عنها من سقوط مدنيين أبرياء.

وتشير الدراسات إلى أن هذه العمليات ليست عشوائية، بل جزء من استراتيجية مدروسة تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية وبث الرعب بين الخصوم، مع تصوير الموت على أنه قيمة عليا. وهو ما يجعل بعض الأفراد مستعدين للتضحية بأنفسهم، ويخلق بيئة اجتماعية تقلل من أهمية الحياة، خصوصًا بين الفئات الشابة التي يتم تجنيدها ضمن هذه التنظيمات.

ويظهر أثر هذه العمليات أيضًا في تشكيل وعي اجتماعي لدى المجتمعات المتأثرة، حيث يُصبح الانتحار أو التضحية بالأرواح وسيلة مقبولة للصراع، ويعزز انتشار ثقافة العنف ويضعف إمكانية الحوار السياسي أو الاجتماعي. 

منطق الأرقام في السياسة والصراعات

ولا يقتصر استرخاص الحياة على العمليات المسلحة، بل يمتد إلى الخطاب السياسي الذي يتعامل مع البشر بمنطق الأرقام. فعمليات تبادل الأسرى أو استخدام المدنيين كورقة ضغط غالبًا ما تُحسب فيها الأرواح مقابل بعضها، مما يعكس خللًا كبيرًا في تقدير قيمة الإنسان.

كما توضح الممارسات مثل الإفراج عن أسير مقابل مئات أو آلاف من الأسرى الآخرين مدى فقدان التنظيمات أو الخطابات السياسية لمسألة قيمة الإنسان. كما تظهر تحليلات أمنية أن هذا الأسلوب يعزز ثقافة العنف ويضعف أي اعتبار للحقوق الإنسانية، ويحول حياة المدنيين إلى أداة في الصراع، لا قيمة لها إلا إذا كانت مرتبطة بتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية.

وتشير المراقبات إلى أن هذا النهج يخلق قبولًا مجتمعيًا للعنف، حيث تُصبح الأرواح البشرية ثمنًا يُدفع مقابل ما تُعده الجماعات “القضايا الكبرى”، ما يوسع الفجوة بين الواقع الإنساني والقيم المعلنة.

الخطاب الإعلامي والدعوي ودوره في ترسيخ ثقافة تمجيد الموت

تلعب الوسائل الإعلامية والخطاب الدعوي دورًا محوريًا في ترسيخ ثقافة تمجيد الموت، حيث يستخدم الإخوان والإسلام السياسي وسائل إعلامية ودعوية لتعبئة الأفراد، وإعادة إنتاج فكرة التضحية بالنفس بوصفها قيمة عليا.

وتشمل هذه الوسائل الخطب الدينية، المواد التعليمية، الدورات التدريبية، والإعلام المرئي والمسموع، التي تعمل على تمجيد العمليات الانتحارية والتضحيات الفردية، وتصويرها بوصفها بطولات دينية أو سياسية. 

وقد لوحظ أن هذه المواد تركز على تصوير الشهداء كقدوة، ما يغرس في عقول الشباب فكرة أن التضحية بالأرواح مبررة إذا كانت لصالح “القضية الكبرى”.

كما يظهر تأثير هذا الخطاب في الإعلام التنظيمي الذي يروج للعمليات المسلحة، ويعيد إنتاجها عبر القصص والبرامج والمواد التربوية، ما يضمن استمرارية ثقافة استرخاص الحياة وتقبل العنف في الأجيال الجديدة.

هذا وتكشف التجارب التاريخية والسياسية أن أخطر ما تنتجه التنظيمات المتطرفة ليس العنف المباشر فحسب، بل الثقافة التي تمنحه الشرعية وتقلل من قيمة الإنسان. 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية