"صحاب الأرض": الفن بوصفه حاملاً لقضية عادلة

"صحاب الأرض": الفن بوصفه حاملاً لقضية عادلة

"صحاب الأرض": الفن بوصفه حاملاً لقضية عادلة


02/03/2026

في دراما تُعيد لمصر صدارة المشهد العربي في حضوره الناعم، وفي تثقيفه الموحد، وفي توحيد روايته لمرارة فصل جديد من تاريخ الأراضي الفلسطينية المُحتلة، كان المشاهد العربي على موعد مع ملحمة "صحاب الأرض".

خيمة ومفتاح وبيوت متهدمة ولعبة طفل متروكة، وميكروفون صحفي مُلطخ بالدماء، وقبة مسجد الصخرة وحنظلة مرسومان على بقايا حائط، وفي الجهة الأخرى طائرات حربية تعلو مدينة عزلاء وخربة، وفوهات بنادق موجهة لأناس ببطون خاوية مع موسيقى وأغنية "يامه مويل الهوى يامه موايليا، ضرب الخناجر ولا حكم الندل فيا"، هكذا بدأ تتر مسلسل "صحاب الأرض". 

الفن كسلاح ناعم وفعّال

أصبح من النادر أن يطل علينا مسلسل رمضاني بجدية موضوعه وعمق طرحه، وسط غثاء الدراما التي يشكو منها الكثير من المصريين، فارتباط المصريين بفكرة المسلسلات المصرية قديم جداً، قِدم الإذاعة المصرية وحلقاتها التي كانت تلتف حولها الأسر المصرية بمختلف الأعمار، ولدراما رمضان حضورها الخاص. فالدراما المصرية إحدى المشتركات المصرية اللغوية والوجدانية، فالمسلسلات ليست مجرد موضوعات للتسلية أو لتوصيل رسائل هادفة، بل تتجاوز ذلك لخلق حالة وجدانية شعبوية واحدة. أذكر أنّ والدي قال لي: إنّ وقت إذاعة مسلسل "رأفت الهجان" لم يكن أحد ليجد عابراً واحداً في الشارع، الشعب كله أمام التلفاز يتلقى الفن بلهفة خبر عاجل، وقد عايشت ذلك مع المسلسل الكرتوني "بكار". 

الدراما المصرية العريقة المؤثرة امتدت لتشمل المحيط العربي بأكمله، وخلقت حالة عربية واحدة من تمصر الهوى والذائقة والميل. استطاع من خلالها العرب أن يفهموا اللهجة المصرية بسهولة، وأن يتحدث بها عربي لعربي آخر حين يبحثان عن لغة تواصل مشتركة، فلهجة الأفلام والمسلسلات المصرية كوّنت وعياً مشتركاً.

إنّ الحديث عمّا فعلته السينما المصرية والدراما المصرية يطول، لكن يكفي أن نقول بهذا الصدد: إنّ الفن سلاح ناعم وقوي وفعّال.

إعادة طرح السردية الفلسطينية

تذكرت كلّ هذا وأنا أشاهد مسلسل "صحاب الأرض"، المسلسل الرمضاني الذي أعاد سرد رواية العامين الأخيرين من تاريخ غزة المسكينة، كانت رواية الأحداث بعيداً عن السياسة ومن زاوية إنسانية بحتة. وأعتقد أنّ هذا ذكاء من الكاتب الذي اختار زاوية سرده من منطلق المشتركات الإنسانية الواحدة، خاصة مع ترجمة حلقات المسلسل إلى الإنجليزية، وتأثر كثير من المشاهدين الغربيين بالمسلسل وأحداثه.

المسلسل يبدأ بمشهد لطبيبة مصرية اسمها "سلمى" تؤدي دورها "منة شلبي" تدخل القطاع مع الهلال الأحمر المصري متطوعة، ومنذ لحظات دخولها الأولى تتسلمها الأحداث واحداً تلو الآخر، تتلاقى أقدارها مع المواطن الفلسطيني "ناصر" الذي يؤدي دوره "إياد نصار". 

ناصر الذي يعيش فلسطينيته بشكل مثالي، فأهله وبناته يعيشون في الضفة وهو في غزة، فقد أخاه وأبناءه حين سقط عليهم منزلهم بفعل غارة إسرائيلية، صادف أن كان هو وأحد أبناء أخيه أمام البيت لينجو ناصر ويصاب الولد إصابة خطرة، فيجاهد طوال الوقت لينقذ ابن أخيه من إصابته الشديدة، وليجد وسط كل هذه المآسي وقتاً ليمزح ويقول لسلمى الطبيبة المصرية: "غزاوي وزملكاوي وفي حرب... شوفتيش أكتر من هيك". لكنّه يعود في الحلقة الرابعة ويبكي أخاه وأبناءه بكاءً مرّاً الذين استشهدوا في الحلقة الأولى لكنّ الحرب لم تعطه الوقت.

كثيرون ممّن شاهدوا المسلسل اعتقدوا أنّه صُوّر في غزة، فمشاهد العمارات الشاهقة المتهدمة، والشوارع المغلقة بالحجارة وبقايا البيوت والخراب الواسع والكبير وملابس الناس وحركاتهم وأزيز الطائرات المستمر، جعل الكثيرين يظنون أنّ الكاميرات انتقلت إلى غزة، لكنّ الفنان "إياد نصر" صرّح لإحدى القنوات الإخبارية أنّ المشاهد مصورة في مدينة الإنتاج الإعلامي، وهذا في حدّ ذاته نجاح عظيم.

كذلك الأداء الهادئ للممثلين وواقعية الحركة وتعبيرات الوجه وتصوير أدق خلجات النفس في بيئة حرب جاء عبقرياً. وقد عَمَدَ المسلسل أيضاً إلى إبراز الفلسطيني الإنسان المكلوم والخائف والجائع بعيداً عن البطولية الزائفة التي خلقت من الفلسطينيين أسطورة تحثهم على المزيد من كسر الرقم القياسي لكونهم بشراً بسطاء وعاديين. إنّ في الصمود الفلسطيني اليومي وفي الجهاد اليومي وحده على كسرة الخبز بطولة كافية. 

وثيقة تاريخية

رغم أنّ أحداث غزة تابعناها كمسلسل مُرّ ليل نهار، وهذا ما يجعل البعض يقول ما الذي يقدّمه المسلسل وقد سبق أن شاهدنا المسلسل الكبير والحقيقي، وإن كان هذا الرأي محقاً في بعض جوانبه، لكنّ المسلسل نفسه يُعدّ وثيقة تاريخية للأجيال القادمة، فكلّ مشهد داخل المسلسل يُقسم الفلسطينيين على أنّهم عاشوه، وهذا وحده يكفي. كذلك يأتي المسلسل ليعيد الدراما المصرية كأداة لحمل القضايا العربية وإعادة النظر لما يستحق حالياً أن تنظر إليه العين العربية. وفوق ذلك المسلسل جاء بقرار سياسي مصري، على حدّ قول الممثل إياد نصار.

كذلك حالة الغضب التي أثارها المسلسل في الأوساط الإسرائيلية كانت كبيرة، وقد خرجت المتحدثة في جيش الدفاع الإسرائيلي لتقول: "إنّ العمل لا يصف الواقع ويضلل الحقائق"، وهذا دليل آخر وكافٍ على نجاح العمل، فالفن قادر على حمل تاريخ، وحمل رسالة، وحمل قضية كاملة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية