رمضان والحشد الإيديولوجي للدين

رمضان والحشد الإيديولوجي للدين

رمضان والحشد الإيديولوجي للدين


01/03/2026

لا شك أنَّ أخطر تجليات الهروب الحضاري يتمثل في تحويل العبادة من كونها فعلاً روحياً تحررياً إلى أداة حشد إيديولوجية؛ فبدلاً من أن يكون شهر رمضان محطة كونية لتعميق الوعي الثقافي والمعرفي وصياغة الذات المسلمة لتكون متصالحة مع عصرها ومنتجة فيه، يتم اختطافه في أدبيات بعض الجماعات والتيارات الإسلامية ليتحول إلى موسم استقطاب بامتياز. في هذه الشهر تُستغل الحالة الروحانية العالية والشفافية النفسية لدى الشباب لا لزرع قيم الرحمة والتسامح، بل لضخ مفاهيم القطيعة مع الحاضر، وتكريس شعور بالعداء تجاه المنجز الإنساني الحديث، وكأنَّ التدين لا يكتمل إلا بخلع عباءة العصر بدل الانخراط فيه بوعي نقدي فعال.

هذا التوظيف الإيديولوجي يمارس نوعاً من الشحن العاطفي المنظم، الذي يقتات على الذاكرة التاريخية المثقلة بالصراعات، فيركز الخطاب الرمضاني في هذه الدكاكين على استدعاء بطولات الماضي العسكرية وسرديات الغزوات والفتوحات بمعزل عن سياقاتها الزمنية من قبيل ذكرى غزة بدر، في قفز بهلواني فوق تحديات الحاضر التنموية، والعلمية، والتقنية. إنّهم يقدّمون للشباب مخدراً تاريخياً يوهمهم بأنَّ الانتصار في العصر الحديث يمر عبر بوابة استنساخ المعارك القديمة، وليس عبر امتلاك ناصية العلم والمعرفة وبناء الحضارة الحقيقية.

وبذلك يتحول رمضان من كونه قوة دفع نحو المستقبل، إلى كابح حضاري يحبس طاقات الأمة في حلقة مفرغة من البكاء على الأطلال أو التغني بأمجاد السلف، بدلاً من استلهام قيمهم في العمل والإتقان لمواجهة مشكلات الإنسان المعاصر. إنَّ هذا المسلك لا يخدم الدين بقدر ما يخدم الأجندات الحزبية الضيقة التي ترى في تغييب العقل واستبداله بما هو عاطفي كأقصر طريق لضمان الولاء والحشد، ضاربين عرض الحائط بجوهر الرسالة النبوية التي جاءت لتكون رحمة للعالمين في كل زمان ومكان، لا سياجاً يمنع المسلم من الانخراط الفاعل في ركب الإنسانية.

يمثل شهر رمضان الموسم الذهبي لتلك الدكاكين الفكرية والدينية التي تنتشر عبر الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يتحول هذا الزمن المقدّس إلى سوق رائجة لبيع خطاب الهروب الحضاري. إنّ هذه البرامج والمحتويات الدينية التي تملأ الفضاء العام تركز، بوعي أو بغير وعي، على إغراق الصائمين في تفاصيل وجزئيات الماضي السحيق، وإعادة تدوير سجالات تاريخية لم تعد تقدم حلولاً لواقعنا المعاصر. وبذلك تتجاهل هذه المنصات مشكلات الإنسان الملحة في كل مكان، مثل اتساع فجوات الفقر، وتحديات التغير المناخي التي تهدد الوجود البشري، وقضايا العدالة الرقمية والفجوات المعرفية؛ وهي قضايا يمتلك الإسلام في جوهره الكوني والرحماني رؤى أخلاقية عميقة لمعالجتها، لكنّها تظل غائبة خلف ستار الانشغال الشكلي بالتاريخ واجترار وقائعه.

إنّ تحويل رمضان إلى مجرد كرنفال طقوسي يعيد تدوير الماضي يحصر مفهوم الرحمة للعالمين في هوية طائفية أو مذهبية منغلقة تجعل المسلم يشعر بأنّه في جزيرة معزولة عن الهموم الإنسانية الكبرى. وبدلاً من أن يكون الدين رافعة قادرة على منح الإنسان المعاصر بوصلة أخلاقية لمواجهة تعقيدات الحداثة، يُختزل في هذه الأسواق الرمضانية إلى أداة للتخدير الفكري، تمنع الشباب من رؤية حقيقة دورهم في استشراف مستقبل الإنسانية وبنائه، وتجعلهم يكتفون باستهلاك سرديات لا تسمن ولا تغني من جوع في معركة الوعي والبناء الحضاري.

يتجسد في هذا السياق صراع مرير بين الجوهر الكوني للإسلام وبين التوظيف الحزبي الضيق الذي تمارسه مختلف الجماعات الدينية؛ فبينما تدعو حقيقة الرسالة إلى إسلام رحب يراعي ما هو كوني وعالمي، نجد الاستغلال الإيديولوجي لمناسبة رمضان يكرس حالة من الانغلاق الذهني والنفسي. هذا الخطاب يعمل على تصوير العالم المعاصر كأنّه مجرد عدو متربص أو آخر متآمر يجب الحذر منه والقطيعة معه، بدلاً من تقديم العالم بوصفه ميدان رحمة ومساحة شاسعة للمشاركة الإنسانية الفاعلة وتبادل المنافع الحضارية. إنَّ هذا التصور الإقصائي يحوّل المسلم من كائن رسالي منفتح على آلام البشرية وآمالها إلى كائن منسحب يقتات على هواجس الصراع ونظرية المظلومية التاريخية.

وفي سبيل تثبيت هذا الانغلاق تتبع هذه التيارات استراتيجية ممنهجة لتغييب العقل، حيث يتم استبدال التفكير المنهجي الرصين بنوع من التخدير العاطفي الجماعي الذي يعتمد على دغدغة المشاعر واستنفار الغرائز الدينية السطحية. هذا التخدير يفرغ الصيام من حكمته الكبرى في التبصر والتعقل، ويعيق الشباب عن استشراف مستقبل الإنسانية أو امتلاك الأدوات المعرفية التي تمكنهم من الإسهام في بناء الحضارة الحديثة. وبدلاً من أن يكون رمضان مدرسة لتوليد الوعي النقدي والمسؤولية الأخلاقية تجاه قضايا العصر، يتحول في ظل هذا التوظيف الحزبي إلى سياج يعزل المسلم عن واقعه، ويمنعه من إدراك طبيعة الحلول الكونية التي ينبغي أن يقدّمها فكر إسلامي متجدد يؤمن يقيناً بأنّ مشكلة الإنسان في كل مكان هي مشكلته هو بالدرجة الأولى، وأنَّ الانفصال عن العالم هو انفصال عن جوهر الرسالة.

إنَّ استعادة شهر رمضان من قبضة هذه التوظيفات الإيديولوجية والأسواق الفكرية الزائفة تبدأ من إعادة الاعتبار للوعي كقيمة دينية عليا؛ فالمسلم اليوم مطالب بالخروج من شرنقة الماضي المتخيل نحو فضاء الإسلام الكوني الذي يجعل من العبادة قوة دفع لتغيير الواقع لا للهروب منه. إنَّ الحل يكمن في تحويل هذا الشهر إلى مختبر للقيم الإنسانية الشاملة، حيث يُعاد صياغة الصيام ليكون تمريناً على المسؤولية تجاه قضايا الفقر، والبيئة...، بدلاً من كونه طقساً للانعزال. وبقدر ما ننجح في نزع صفة السلعة عن الدين، وتحرير العقل من التخدير العاطفي، نكون قد استعدنا حقيقة الرسالة التي اختصرها الوحي في كونها رحمة للعالمين؛ رحمة لا تُقصي أحداً، ولا تعادي العصر، بل تنير دروب الإنسانية نحو مستقبل يملكه من يمتلك الوعي، ويبنيه من يؤمن بأنّ صلاحه جزء من صلاح هذا العالم بأسره.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية