
شهد العقد الأخير من القرن الحادي والعشرين تحولات كبيرة في طبيعة التهديدات الإرهابية العالمية، خصوصًا مع صعود تنظيم داعش وسيطرته على مساحات واسعة في العراق وسوريا.
وهذا الصعود لم يكن مجرد تحرك عسكري تقليدي، بل تحول إلى ظاهرة متعددة الأبعاد، تجمع بين السيطرة الميدانية، التطرف الفكري، واستغلال الفضاء الرقمي لنشر أيديولوجية التطرف. ومع انهيار التنظيم العسكري، برزت قضية جديدة تشكل تهديدًا بالغ الخطورة على الأمن الدولي؛ وهم المقاتلون الأجانب الفارّون من مناطق النزاع، الذين يحملون معهم خبرات قتالية وروابط شبكية تجعلهم مصدر خطر مستمر على بلدانهم الأصلية وعلى المجتمعات الأوروبية على حد سواء.
وتوضح تقرير صادر عن المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات أن هؤلاء المقاتلين لا يمثلون مجرد تهديد عابر، بل يشكلون عنصرًا مركزيًا في أي مخطط إرهابي محتمل مستقبلي. فهم يمتلكون خبرة قتالية، معرفة تكتيكية عالية، وقدرة على تنظيم شبكات سرية، وهو ما يجعل أي محاولة للتقليل من خطورتهم دون استراتيجيات دولية متكاملة خطوة محفوفة بالمخاطر.
إضافة إلى ذلك، يبرز البعد الفكري، إذ أن هؤلاء المقاتلين مستمرون في نشر خطاب جهادي متطرف عبر الفضاء الرقمي، مستهدفين شباب المجتمعات الأوروبية، وهو ما يضاعف من تحديات الرقابة والمراقبة الأمنية.
المعطيات الأوروبية تشير إلى أن الملف لا يقتصر على الأمن القومي فقط، بل يمتد إلى البعد القانوني والإنساني، خصوصًا وأن جزءًا كبيرًا من هؤلاء المقاتلين يحملون جنسيات أوروبية. وهذا يخلق تحديات مزدوجة للحكومات، بين محاكمة العائدين وفق القانون الدولي، وبين ضمان عدم انتهاك حقوقهم الأساسية.
في الوقت نفسه، فإن عدم وجود سياسات واضحة لإعادة التأهيل الاجتماعي والنفسي لهؤلاء المقاتلين يفتح الباب أمام مخاطر إعادة التجنيد والتطرف داخل أوروبا، ما يجعل هذه القضية محور اهتمام أمني دولي مستمر.
كما يؤكد التقرير على أن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب إستراتيجيات طويلة المدى ومتعددة الأبعاد تشمل الرصد الاستخباراتي الدقيق، منع التجنيد المتجدد، مراقبة الخطاب الإلكتروني، وبرامج إعادة التأهيل النفسي والفكري والاجتماعي.
العودة الميدانية للمقاتلين الأجانب
بحسب المركز الأوروبي، المقاتلون العائدون من سوريا يشكلون خطرًا أمنيًا مباشرًا على الدول الأوروبية، خاصة عند عودتهم ضمن مجموعات صغيرة أو شبكات غير رسمية، إذ يمتلك هؤلاء المقاتلون خبرة قتالية عالية، معرفة تكتيكية متقدمة، وروابط معقدة تمكنهم من تنفيذ عمليات إرهابية دقيقة تستهدف المدنيين والبنى التحتية الحيوية. وهو ما العناصر تجعلهم مصدر تهديد دائم، لأنهم قادرون على إعادة تشكيل تنظيمات إرهابية محلية أو الانضمام إلى شبكات قائمة بالفعل داخل أوروبا أو خارجها.
كما يشير التقرير إلى أن هؤلاء الأفراد غالبًا ما يستخدمون الفضاء الرقمي لنشر أيديولوجيتهم المتطرفة وتجنيد عناصر جديدة، مستغلين ضعف الرقابة على بعض المنصات أو المجتمعات المغلقة عبر الإنترنت. هذا النوع من النشاط يجعل مواجهة الخطر الأمني معقدًا، لأن التهديد لا يقتصر على العودة الميدانية فقط، بل يمتد إلى إعادة إنتاج التطرف فكريًا واجتماعيًا بين الفئات الشبابية في أوروبا.
ويضيف التقرير أن الأجهزة الأمنية الأوروبية تواجه صعوبة في تقدير حجم الخطر بدقة بسبب طبيعة هذه الشبكات، وتفاوت الخبرات الفردية بين المقاتلين العائدين، ما يجعل أي خطط احتواء تعتمد على المراقبة الدقيقة والتعاون الدولي بين الدول المختلفة، إذ يحذر المركز الأوروبي من أن أي تقصير في هذا الجانب يمكن أن يسمح لهذه العناصر بإعادة نشاطها الإرهابي أو الانتقال إلى مناطق أخرى خارج المراقبة.
كما يشدد التقرير على أن أهمية التعامل مع هؤلاء المقاتلين لا تقتصر على بعدهم الفردي، بل تتعلق بقدرتهم على إعادة تكوين الخلايا النائمة داخل المجتمعات الأوروبية، والتي يمكن أن تظل نشطة على مدى سنوات طويلة، وهو ما يجعل الملف الأمني مرتبطًا بمخاطر مستقبلية بعيدة المدى.
التهديد في أوروبا: الجنسيات العائدة والخطر المركب
أحد أهم التحديات الأمنية التي تواجه أوروبا، وفقًا للمركز الأوروبي، هو أن بعض المقاتلين يحملون جنسيات أوروبية، ما يجعل عملية محاكمتهم أو إدارتهم قانونيًا أكثر تعقيدًا. ففرنسا، ألمانيا، وبلجيكا، على سبيل المثال، تواجه صعوبة مزدوجة: من جهة الحفاظ على الأمن القومي ومنع أي نشاط إرهابي، ومن جهة أخرى احترام قوانين المواطنة وحقوق الأفراد، ما يعقد أي تدخل أمني صارم.
ويضيف التقرير أن بعض المقاتلين قد يكونون أقل خبرة ميدانية، لكن أكثر خطورة أيديولوجيًا، إذ أن التدريب العسكري ليس وحده ما يشكل تهديدًا، بل الأفكار المتطرفة التي ينقلونها عبر الفضاء الرقمي والمجتمعات المحلية، والتي قد تحفز هجمات فردية أو شبكات إرهابية صغيرة يمكن أن تنشط على المدى المتوسط.
كما يشير التقرير إلى أن بعض المدن الأوروبية الكبرى قد تتحول إلى مسارح محتملة للخلايا النائمة، بسبب ضعف قدرات الأجهزة الأمنية على تتبع جميع تحركات هؤلاء العائدين، وتعدد مصادر تمويل شبكاتهم، ما يجعل التهديد طويل المدى مستمرًا.
ويؤكد المركز على أن مراقبة هؤلاء الأفراد تتطلب تعاونًا استخباراتيًا متقدمًا بين الدول الأوروبية، مع استراتيجيات دقيقة لرصد نشاطاتهم الرقمية والاجتماعية، إلى جانب برامج تأهيل مستمرة لضمان عدم انتشار الفكر الجهادي بين المقاتلين العائدين وأسرهم.
إدارة الأزمة: الاحتجاز أم إعادة التأهيل؟
يشير التقرير إلى جدلية التعامل مع المقاتلين العائدين بين خيارين رئيسيين: الاحتجاز طويل المدى مقابل برامج إعادة التأهيل الاجتماعي والنفسي.
ويرى أن الاحتجاز لفترات طويلة قد يمنع النشاط الإرهابي المؤقت، لكنه في الوقت ذاته يمكن أن يحوّل المعسكرات إلى بيئات خصبة للتطرف وإعادة التجنيد، خصوصًا بين الشباب المحتجزين، ما يجعل الاحتجاز وحده غير كافٍ للتعامل مع الظاهرة.
في المقابل، توفر برامج إعادة التأهيل فرص دمج المقاتلين داخل المجتمع بعد تدريبهم فكريًا ونفسيًا، لكنها تتطلب مراقبة دقيقة لمنع عودة التطرف. وهذا المسار لا يمكن أن يكون فعالًا إلا إذا تم تنفيذه بشكل متكامل ومتزامن مع الرقابة الاستخباراتية والإجراءات القانونية.
ويؤكد المركز الأوروبي أن الدمج يجب أن يشمل التعليم، التدريب المهني، الدعم النفسي والاجتماعي، ومراقبة النشاط الرقمي والاجتماعي، لضمان أن المقاتلين العائدين لن يشكلوا خطرًا جديدًا على أمن الدول والمجتمعات الأوروبية.
الخطر طويل المدى: من المقاتلين إلى الأجيال الجديدة
يؤكد التقرير أن خطر المقاتلين لا يقتصر على الأفراد فحسب، بل يمتد ليشمل الأجيال القادمة، خصوصًا الأطفال الذين عاشوا في بيئات جهادية أو مخيمات احتجاز، حيث يمكن أن تكون قابليتهم للتأثر بالأفكار المتطرفة عالية إذا لم تتوفر برامج إعادة التأهيل المناسبة.
كما يوضح المركز أن استمرار شبكات التطرف في الفضاء الرقمي يجعل المواجهة أكثر تعقيدًا، إذ يمكن للأفكار الجهادية أن تنتقل بسرعة بين الشباب، حتى في الدول الأوروبية التي طبقت برامج مراقبة صارمة.
وتضيف الدراسة أن أي محاولة للتعامل مع الملف الأمني يجب أن تكون متعددة المستويات: ميدانية، قانونية، اجتماعية، وفكرية، لضمان منع انتشار التطرف بين الفئات المختلفة داخل المجتمع الأوروبي.
ويبرز التقرير أن غياب هذه السياسات الشاملة قد يؤدي إلى أزمة أمنية مستمرة، حيث أن المقاتلين العائدين يمكن أن يكونوا نواة لإعادة بناء شبكات إرهابية نشطة أو خلايا سرية تعمل بشكل مستقل، مما يزيد من خطورة الملف على المدى الطويل.
الوضع في معسكرات الاحتجاز وخطر الفرار
يشير التقرير إلى أن معسكرات الاحتجاز في شمال شرق سوريا، التي كانت تحت إدارة قوات سوريا الديمقراطية، احتجزت نحو 9000 مقاتل وعائلاتهم، بينهم نساء وأطفال، في ظروف معقدة أمنياً وإنسانياً، تعكس هشاشة البنى الأمنية وضعف الموارد المتاحة للإدارة الفعّالة لهذه المعسكرات.
وبعد سيطرة الحكومة السورية على بعض هذه المعسكرات، أصبح خطر الفرار واقعًا ملموسًا، مع تقديرات متفاوتة: الحكومة السورية تشير إلى نحو 120 هاربًا، بينما المصادر الكردية تقدر العدد بحوالي 1500، ما يعكس فوضى المراقبة وصعوبة إدارة هذه المراكز.
وتضيف الدراسة أن أي فرار من هذه المعسكرات قد يؤدي إلى انتقال مقاتلين إلى مناطق أخرى داخل سوريا أو خارجها، وإعادة تنشيط شبكات إرهابية في أوروبا أو إفريقيا، ما يجعل مراقبة هذه المراكز أولوية قصوى على الصعيد الأمني الدولي.
كما يوضح المركز أن الجهود الدولية، مثل نقل أول دفعة من سجناء داعش إلى العراق، تهدف لتخفيف العبء عن قوات الأمن المحلية، لكنها غير كافية لحماية المنطقة من تداعيات الفرار، ما يتطلب استراتيجية أمنية دولية متكاملة تشمل الرصد، التعاون الاستخباراتي، وبرامج إعادة التأهيل.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_10_2.jpg.webp?itok=IJzNphMU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

