حصاد العام 2025: تأملات على هامش الواقع الثقافي العربي

حصاد العام 2025: تأملات على هامش الواقع الثقافي العربي

حصاد العام 2025: تأملات على هامش الواقع الثقافي العربي


22/12/2025

شهدت الساحة الثقافية والمعرفية في العالم العربي في العام 2025، والذي أوشك على الانتهاء، أحداثًا مهمة وزخمًا ثقافيًا فاعلًا. وربما كان الأكثر أهمية هو افتتاح المتحف المصري الكبير، هدية مصر الحضارية والثقافية للعالم أجمع، ذلك المتحف الذي لا يُمثّل جزءًا من تاريخ مصر فحسب، وإنّما جزءًا من تاريخ العالم القديم، ووجهة ثقافية عالمية يرتادها الجميع من شتى بقاع العالم.

شهد هذا العام أيضًا حضورًا عربيًا مهمًا في المجال الثقافي؛ أذكر منها، على سبيل المثال، مشاركة مصر وقطر والسعودية والإمارات والأردن في مؤتمر موندياكولت (MONDIACULT)، ويُعد من أبرز المحافل الثقافية العالمية، عقدته اليونسكو في 2025 في برشلونة بإسبانيا، ويدور حول السياسات الثقافية والتنمية المستدامة. وربما أهم ما جاء به، فيما يتصل بالسياق الحالي، هو التأكيد على تعزيز التعاون الثقافي، وحق المواطن في الثقافة بوصفها إحدى دعائم التنمية المستدامة.

لقد تفاعل الواقع الثقافي أيضًا مع التقدم الرقمي والتسارع التقني الهائل، وواجه بعض تحدياته الكثيرة؛ حيث تحوّل الإنسان من قراءة كتاب مطبوع بما تتضمنه القراءة من ميزات إلى الاستشهاد بشذرات متفرقة من المحتوى الرقمي، فضلًا عن الثورة الثقافية الرقمية بكل صورها؛ من منصات، وبودكاست، ومكتبات رقمية. ومن ثم أصبحت الثقافة العربية حاضرة في الفضاء العام، لكن هذا الوضع الجديد، بطبيعة الحال، قد فرض إشكاليات كثيرة؛ منها: كيف يمكن الحفاظ على المثقف ودوره الفاعل؟ وكيف يمكن الحفاظ على الهوية الثقافية العربية؟ وتفاعلًا مع هذا السياق الجديد، أُسِّست عدة جوائز تحتفي بالمواهب العربية المتميزة في المحتوى الرقمي الجاد، ودعم الحضور العربي فيه، وإثراء اللغة العربية والثقافة العربية، ومن هذه الجوائز جائزة «شمس للمحتوى العربي» التي أطلقتها دولة الإمارات، وقد عقدت دورتها الأولى في العام 2025.

ولا تُعد هذه الجوائز تقديرًا ماديًا ومعنويًا فحسب، بل اعترافًا بقيمة المعرفة والإبداع والثقافة. وهناك أيضًا العديد من الجوائز التي تطرحها البلدان العربية دعمًا للثقافة والأدب، وهي ليست وليدة هذا العام، لكنها مستمرة عبر سنوات عديدة، واستمرارها دليل على نجاحها وأهميتها على الساحة الفكرية. ومنها جوائز الدولة في مصر، كجائزة المبدع الصغير، وجائزة مكتبة الإسكندرية للقراءة، وجائزة الثقافة الجماهيرية. كما صدر هذا العام عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء الإصدار الأول من مجلة «آفاق»، وهي دورية تُعنى بالدراسات الثقافية وتسعى إلى إثراء الحياة الفكرية في مصر والعالم العربي، ومقاربة الأوضاع المعيشة فيه من خلال الإنتاج المعرفي، وغيرها. وعلى المستوى العربي، جائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة الكتاب العربي في الدوحة، وغيرهما.

فضلًا عن الحراك الثقافي الذي نشهده سنويًا، والمستمر منذ سنوات عديدة، والمتمثل في معارض الكتب في كثير من الدول العربية؛ كمصر، والإمارات، والسعودية، والعراق، وغيرها، والتي تتضمن فعاليات ثقافية متنوعة، مثل: إقامة الندوات، ومناقشة الكتب، وعقد ورش العمل.

إذن، كان العام 2025 مفعمًا بالحراك الفكري، إمّا في صورة مبادرات جديدة، وإمّا استمرارًا لفعاليات معرفية وثقافية مهمة. وربما يظل التحدي الأكبر الذي يجب أن نستشرف به أعوامنا القادمة هو الدعوة إلى تأسيس مشروع ثقافي عربي؛ فالثقافة ليست مجرد فعالية أو توثيق إعلامي، وإنّما هي محاولة وسعي دؤوب لإثراء الوعي. ويمكننا من خلال هذا المشروع، ومن خلال التعاون المشترك بين الدول العربية، الإفادة من المقومات المادية والفكرية والمعرفية، والبنى التحتية المطلوبة لذلك؛ مشروع يعيد للثقافة وللمعرفة دورهما المحوري في بناء العقل العربي، ويعيد للمثقف حضوره، وللغة العربية زخمها وقوتها وتأثيرها. فالثقافة والفنون والآداب هي القوة الناعمة التي قد تجمعنا بعدما فرّقتنا المصالح السياسية والاقتصادية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية