
مع حلول أعياد الميلاد والاستعدادات للعام الجديد 2026، يجد مسيحيو السودان أنفسهم أمام مشهد هو الأكثر قتامة في تاريخهم الحديث، فبين نيران المعارك الطاحنة وبين التضييق الممنهج الذي تمارسه عناصر محسوبة على الحركة الإسلامية و"جماعة الإخوان المسلمين" داخل أجهزة السلطة في بورتسودان والولايات الشمالية، يبدو أنّ استهداف الوجود المسيحي تحول من أضرار جانبية للحرب إلى استراتيجية منظمة تهدف لضرب التنوع التاريخي في البلاد.
بورتسودان: شعارات الكراهية تحت أعين السلطة
في قلب "العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان" استيقظ المصلون الأسبوع الماضي على مشهد صادم؛ حيث غطت جدران الكنيسة الإنجيلية المشيخية والكنيسة الأرثوذكسية عبارات تحريضية رُشّت بألوان حمراء، تحمل دلالات دينية متطرفة.
المثير للاستغراب لم يكن مجرد الفعل التخريبي، بل وقوعه في منطقة السوق المكتظة، على بعد أمتار قليلة من مراكز الشرطة والمقرات السيادية التي يديرها قادة الجيش، وفق ما نقلت صحيفة (التغيير).
ويرى مراقبون ميدانيون أنّ "صمت السلطات" وعدم ملاحقة الجناة يعزز الشكوك حول تغلغل عناصر إخوانية تسعى لصبغ المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش بلون إيديولوجي واحد، وهو ما دفع قادة الكنيسة، في خطوة يائسة، إلى طمس الشعارات وتحويلها إلى رسوم فنية خوفاً من البطش الأمني بدلاً من تقديم بلاغات رسمية.
وحاول رئيس الوزراء، كامل إدريس، تدارك الموقف بزيارته لعدد من كنائس بورتسودان برفقة وزير الشؤون الدينية بشير هارون عبد الكريم، ورئيس مجلس الكنائس المطران عز الدين الطيب، مؤكداً أنّ الدولة لن تسمح بزعزعة النسيج الوطني. لكنّ الوعود الرسمية تصطدم بواقع مرير على الأرض؛ حيث تخشى القيادات المسيحية من أنّ "الخطاب الرسمي" لا يسيطر على "العناصر المتطرفة" داخل الأجهزة الأمنية التي ترى في المسيحيين هدفاً سهلاً للتضييق.
وادي حلفا: "المخابرات" تحاصر الصلاة
هذا، واستذكر الكثير من المسيحيين عبر (حفريات) ما حدث قبل أكثر من (12) شهراً، عندما حاول عدد منهم الاحتفال بعيد الميلاد في إحدى الحدائق؛ ففي أقصى الشمال بوادي حلفا، تحولت احتفالات النازحين المسيحيين بالكريسمس إلى جلسات تحقيق أمني قاسية. وفي 30 كانون الأول (ديسمبر) 2024 اقتحمت عناصر من القوات الخاصة التابعة لجهاز المخابرات ـ الذي تسيطر عليه كوادر نظامية موالية للإخوان ـ متنزهاً عاماً، واقتادت قساوسة للتحقيق بحجة عدم الحصول على "تصريح أمني" للصلاة.
هذا النهج يُعتبر مؤشراً صريحاً على عودة القبضة الأمنية الإخوانية التي تستهدف الحريات الدينية بذريعة "الظروف الأمنية للحرب".
حصاد الدمار: (170) كنيسة في مرمى النيران
بينما يتبادل الجيش وقوات الدعم السريع الاتهامات حول تدمير دور العبادة، تكشف الأرقام الصادرة عن مجلس الكنائس السوداني عن فداحة الخسائر: (17) كنيسة دُمّرت كليّاً بفعل القصف والاشتباكات المباشرة، و(153) كنيسة تعرضت للاعتداء، شملت أعمال نهب للمحتويات وتحويل المباني إلى ثكنات عسكرية، هذا بالإضافة إلى إجلاء قسري لآلاف الأقباط في أم درمان والخرطوم وحي العمارات، مع توثيق حالات ترهيب لرجال الدين لإجبارهم على تسجيل مقاطع تخدم أجندات القوى المتصارعة، خاصة الجيش السوداني وميليشيات الحركة الإسلامية، وفق موقع (سكاي سودان).
سجل الانتهاكات الموثقة ضد الكنائس في الخرطوم والجزيرة
شهدت العاصمة الخرطوم النصيب الأكبر من الدمار، فقد تمّ استهداف الكنائس التاريخية التي تعود إلى قرن من الزمان: كنيسة السيدة العذراء (شارع المك نمر) تعرّضت لعمليات نهب واسعة طالت المقتنيات الأثرية والأواني المقدسة، مع تدمير جزئي للهيكل الخارجي، أمّا مجمع كنائس حي العمارات، فقد تعرّض لاقتحام وتمّ تحويله إلى ثكنات عسكرية وقواعد لإدارة العمليات، ممّا أدى إلى توقف الصلوات فيها بشكل كامل منذ نيسان (أبريل) 2023.
وأضرمت النار في الكنيسة الإنجيلية (الخرطوم شمال)، وهو ما أدى إلى تفحم أجزاء واسعة من قاعات الصلاة والمكاتب الإدارية.
وتعرّضت الأسر القبطية لعمليات ترهيب ممنهجة شملت منعهم من مغادرة منازلهم، ووُثقت حالات "دفن الموتى داخل فناء المنازل" نتيجة منع الوصول إلى المقابر، بالإضافة إلى إجبار بعض الرهبان على الظهور في مقاطع فيديو دعائية تحت التهديد.
ووفق رصد (حفريات)، فقد تعرّضت كنائس مدينة ود مدني للنهب والتخريب فور دخول قوات الجيش السوداني، وتمّ تكسير الصلبان والعبث بالكتب المقدّسة، وأُجبرت مئات الأسر المسيحية التي نزحت من الخرطوم إلى الجزيرة على النزوح مرة أخرى نحو الولايات الشرقية والشمالية، بعد تعرّض دور العبادة المؤقتة للاستهداف.
هذه القائمة السوداء من الانتهاكات تضع "الإخوان المسلمين" وحلفاءهم في الأجهزة الأمنية والميليشيات أمام مسؤولية تاريخية وجنائية، ويرى خبراء حقوقيون أنّ استهداف الكنائس لم يكن مجرد مصادفة حربية، بل هو "تطهير ثقافي" يستهدف إفراغ السودان من تنوعه. إنّ صمت "حكومة الأمر الواقع" في بورتسودان عن هذه الانتهاكات، ومشاركة أجهزتها الاستخباراتية في التضييق على القساوسة (كما في وادي حلفا)، يثبت أنّ الأجندة الإخوانية ما تزال هي المحرك الفعلي للمشهد ضد الأقليات.
ويبقى السؤال المفتوح: هل ينجح السودان في عام 2026 في حماية ما تبقى من تنوعه الديني، أم أنّ تحالف "الضرورة" بين بعض قيادات الجيش وعناصر النظام القديم (الإخوان) سيقضي على آخر أجراس الكنائس التي ما تزال تحاول الصمود في وجه العاصفة؟

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B6%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%AA_0_0_0_0.png.webp?itok=aiu3-jwk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_16.jpg.webp?itok=5xAFcRln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0_0.jpg.webp?itok=x5bNgfDs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=TDvTeKmh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)