فلسفة البطء في مواجهة لعبة الزمن

فلسفة البطء في مواجهة لعبة الزمن

فلسفة البطء في مواجهة لعبة الزمن


17/12/2025

يبدو أنّه لم يفهم أحد الوقت حتى الآن، وما زلنا مذهولين كبشر أمام سطوته، وأمام ما بإمكانه أن يفعل، فبالوقت ننسى ونأسى وننضج وننمو ونتعلم ونشيخ ونفنى كذلك. يقصر الوقت ويطول حسب زماننا النفسي، فبينما تراه عقولنا كخط مستقيم، تعتبره الفيزياء نسبياً، وما بين الوجود الذي لا يرى الزمن من الأساس فالماضي والحاضر والمستقبل واحد. فما هو الزمن ذلك المتغير العظيم؟ 

وبعيداً عن حقيقته كمفهوم فيزيائي أو فلسفي، وبالنظر إليه كموضوع حياتي متصل بصحونا ونومنا وعملنا وعلاقتنا وإنجازاتنا؛ هل البشرية تتعامل مع الوقت في عصرنا الحالي مثلما كانت تتعامل معه في العصور السابقة؟ ماذا فقدنا وماذا خسرنا بالاهتمام بالوقت؟ 

المؤكد هو أنّ عصرنا يعاني مع الوقت معاناة خاصة، نحن نلهث كي نلحق به، نجري خلف كل المهام الموقوتة، وخلف مفهوم السرعة والإنجاز يتبدد الوقت، ونحن نحسب أنّ السرعة توفره.

فهل كلّ هذه المهام التي أحاط الإنسان نفسه بها أسهمت في نموه أم في تضخمه، هل أصبح الإنسان خفيفاً مع عصر السرعة أم ثقيلاً، هل هو موجود أو حاضر في اللحظة، هل الوقت أصبح في عصرنا وسيلة نمو أم اكتناز؟ هل نستثمر في الوقت من أجل بنائنا الروحي أم من أجل تضخيم الأنا النهمة؟ هل الوقت يذهب من أجل العمق الروحي أم من أجل تضخيم الثروة وازدياد العقارات وتحصيل الشهادات الفاقدة العمق؟

هل نستمتع بالوقت، أم لم نعشه حقاً؟

كان لاختراع الساعة الميكانيكية في القرن الثالث عشر أثر كبير على حركة الناس وانضباطهم، إلّا أنّ هذه الحركة ظلت عادية حتى جاءت الثورة الصناعية التي اشترت ساعات البشر وأعمارهم، وربطت رواتبهم بسرعة الإنتاج، وأصبح للإنسان مواعيد حضور وانصراف لباقي حياته، وبدلاً من أن توفر الآلات التكنولوجية الحديثة الوقت على الإنسان وتخلق عنده فائض زمن، ذهب هذا الفائض لجدولةٍ أخرى تستهلكه، فربّة المنزل التي وفرت لها الغسالة ساعات من العمل تشكو الآن من أنّها لا تجد وقتاً لنفسها، وبدلاً من أن يجد البشر ساعات من أجل تنمية دواخلهم وفسحة من التأمل وأحلام اليقظة والإبداع وجدوا أنفسهم داخل معمل تسريع، وفوق ذلك تحيط بهم مستهلكات وقت خبيثة تلتهم منهم راحتهم وتشتت انتباههم وتشدّ أذهانهم طوال الوقت إلى موضوعات كثيرة وعبثية وغير مترابطة ومتداخلة، واتصالات غير هادفة تحت الاسم الكبير "وسائل التواصل الاجتماعي" لقد فقد الإنسان المعاصر نعمة الكسل الجميل، والاستمتاع بالانسياب الهادىء للوقت.

أعمل في مؤسسة الأحداث فيها سريعة، المدارس أماكن تعجّ بالبشر وبالمهام والخلافات والأحداث العاجلة، والطوارئ التي تطلب معالجة سريعة، مطلوب منّي طوال الوقت رقابة ويقظة وعينان مفتوحتان. أحياناً عليّ أن أنجز أكثر من مهمة في الوقت نفسه. لا يوجد مكان أفضل من مدرسة يمكن أن نفهم فيها معنى الجدولة والسرعة والمواقيت.

والمهام قد تُطلب جميعها في وقت واحد، فأكتشف أنّني لم أستطع أن أؤدّي أيّاً منها على نحو كامل، ولم تُغلق أيّ مَهمّة منها بشكل مثالي، أكتشف ذلك بعد انتهاء اليوم الدراسي، بعد أن تكون المقاعد قد خلت، وهدأت الحركة وساد الفراغ المكان، وهدأت سرعة الأفكار في عقلي، وبدأت أعمل على النظام البطيء، وليس نظام الطوارئ. أبدأ في تذكّر الأشياء التي سقطت منّي في زحمة السرعة التي تجري بها الأمور، وتظهر أمام عينيّ بعد أن يعود لهما الهدوء مشاهد كان يجب أن أقف عندها سواء مع الطلاب أو الزملاء وأصححها، فأعود أحياناً وأفعل وأصحح عبر الهاتف ما كان للبطء والأناة ألّا تسقطه.

تساءلت لماذا كلّ هذه العجلة؟ لماذا كلّ هذا الركض؟ هل أنا وحدي من يشعر بذلك؟ 

في زحمة الأسبوع طلبتني جدتي لقضاء وقت معها، واتفقنا على الساعة الخامسة، وحين وصلت في موعدي المحدد وجدتها تخبرني بأنّ الساعة الآن السادسة... لماذا تأخرت؟

قلت لها مُشفقة: جدتي لقد تغير الوقت نحن الآن على التوقيت الشتوي منذ شهر، أنت نسيت تغيير وقت ساعاتك، قالت: أعرف أنّ الوقت تغيّر، لكن أنا لن أغيره، لأكتشف أنّها تعيش وفق زمنها الخاص، ولم تغير توقيت ساعة بيتها في مدينة غيّر كل الناس فيها توقيت ساعاتهم، نظرت إليها باستغراب كمن التقط معنى، وقلت لها: والله أتمنى لو أكون في ربع قدرتك، وجدتها اشترت بعض النباتات الجديدة وتنوي زراعتها في الأرض، وأنا أنظر إلى شجرة الليمون التي تنتظر مكاناً لتستقر فيه، استعدت شيئاً كنت فقدته منذ زمن، ما زالت جدتي تراعي دورة نمو الحياة وتعطي للأشياء إيقاعها الخاص، أراقبها وهي تمسّد على ظهر قطّها "رشدي" ببطء عذب، فأتذكر أنّ للبطء الأنثوي في فعل الأشياء جاذبية خاصة، لا أذكر آخر مرّة مَسّدت فيها على شعر تلميذ. رأيتها وهي تحرك في أناة ملعقة السكر في كأس الشاي، وتذكرت أنّني منذ يومين أخبرت زميلة لي في العمل أنّني أشعر بشفقة كبيرة على ذاتي وأنا احتسي الشاي في وقت مسروق بين جدول حصص ممتلئ، وكيف أنّه ما بين رشفة ورشفة أشعر بأنّي مسلوبة من نفسي. وبينما كانت جدتي تحرك خاتماً في إصبعها بذلك التمهل الأنثوي الناعم كنت قد أدركت أنّ ساعاتي الداخلية خربت.

يقول القرآن الكريم: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} (الفرقان: 62). فإذا كان القرآن قد حثنا على استغلال الوقت واغتنامه، لكنّه يؤكد في هذه الآية على الوقت الخاص بالتأمل والاعتبار. إنّ دعوة القرآن الكريم إلى التفكر في النفس والآفاق وفي الملكوت هي دعوة تتطلب وقتاً لا يوفره الزمن المعاصر، فلم تعد صورة الإنسان الحالي قريبة من إنسان البراري الذي ينام على الرمال متوسداً راحتيه وتنظر عيناه إلى السديم، ولا إنسان العصر الفيكتوري الذي يصنع للوقت البُطء والهيبة. 

 جاء في الإنجيل: "لكلّ شيء زمان، ولكلّ أمر تحت السماء وقت". 

الوقت هو مادة متنوعة الاستخدامات، وأعظم استفادة منها هي عدم توجيهها لاتجاه واحد، لا العمل وحده، ولا اللهو وحده، ولا حتى العبادة وحدها... لكن يبدو أنّ هذا العصر يفرض سطوته بعيداً عن سطوة المنطق وطبيعة الأشياء.

فلسفة البطء 

إنّ مشهد حياكة قطعة ملابس في إحدى الأمسيات الليلية، أو الانفراد بكتاب فلسفة أو الخلوة لكتابة قصيدة شعر، أو الجلوس مع صديق حميم وفي يديكما فنجانان من القهوة، لا تحتسيانها بقدر ما تحتسيان البطء الناعم للوقت وزهوة إيقافه من أجل أفعال حميمة، هي مشاهد كلها أوشكت على الانتهاء من الدراما الإنسانية، فقد حلّ الهاتف النقال وسحره الخبيث محلّ مُعظم تلك الأفعال الدافئة، وأصبح عصر "Reels" هو ملخص للخفة الإنسانية.

لقد طغت هذه الخفة والسرعة أيضاً في البحث عن المعلومة، وأصبحت المعلومات تدار بواسطة الهاتف أيضاً، خاطفة وغير موثوقة وأصبح حضورها لحظيّاً.

إنّ في هذه المشاهد من الخفة وضعف الوجود الإنساني الكثير. نحن نواجه مرضاً من أمراض الإنسانية، فلم يكن الإنسان إنساناً ولم يبنِ حضارته العظيمة ويصنع منجزاته المادية والروحية إلا لأنّه كان مختلفاً عن كل الموجودات في أنّه يتأمل ويحلل ويربط ويراكم ويستنتج.

ويبدو أنّ إدراكي هذا قد شعر به ملايين البشر حول المعمورة، فبالبحث وجدت أنّ هناك حركات تدعو إلى البطء، بل إنّ هناك كتباً امتدحت فلسفة البطء، وعرضت لأسبابها وفوائدها، وهناك أيضاً نُشطاء يروّجون لتلك الفلسفة، في مقابل كتب تدعو على النقيض إلى إنجاز عدة أمور في أقلّ وقت، لكن يبدو أنّ هناك حصاة يريد البشر رميها في طريق عجلة التسريع التي خطفت الإنسانية لتقول لهم: تمهّلوا.

تقوم فلسفة البطء في جوهرها على أنّ جودة القيام بعدد أقلّ من الأعمال تكون أفضل من القيام بعدة أعمال معاً.

وهي دعوة للاستمتاع والحضور والإحساس باللحظة.

ربما للسبب نفسه نمت في عصرنا الحاضر الحركات الروحانية التي تدعو إلى التأمل وممارسة "اليوجا" والتصوف الروحي والفلسفي كطرق للتعاطي الهادئ مع العالم، ونشطت حركات تدعو إلى العيش في البراري والاهتمام بالحيوانات والزراعة والاستمتاع بالطهو المنزلي والتجمعات العائلية.

إنّ هذه الدعوات تكشف في مضمونها عن الرغبة في إيجاد مركز روحي للإنسان المُنهك والمستلب، وهي تذكير بأنّ الهدف من العيش هو الرضا والسكينة والمسرات الهادئة، وأنّ هذا الاندفاع الصاخب والمجنون نحو الحياة لم يكن من مقاصدها.

وأخيراً، ربما لم نكن نحتاج كل هذا التسارع لكي نعيش، ولكن لشجاعة أن نُبطئ، وأن نصدّق أنّ الحياة لا تقاس بعدد ما ننجزه فيها، بل بعمق ما نشعر به ونحن نمرّ من خلالها.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية