
في سياق يتزايد فيه الجدل حول الحضور الإيديولوجي للحركات الإسلامية في القارة الأفريقية، فجّرت دراسة أكاديمية حديثة للباحثة الإثيوبية سامية محمد نقاشًا واسعًا حول تصاعد نفوذ جماعة الإخوان المسلمين داخل إثيوبيا، وتأثير ذلك على البنية الدينية والاجتماعية التي عُرفت تاريخيًا بالتنوع والتسامح. الدراسة التي نُشرت في مجلة (هورن ريفيو) الإثيوبية، وأعاد موقع (المنشر) الإخباري تسليط الضوء عليها، اعتُبرت من أوائل الدراسات التي تناولت الظاهرة من زاوية إثيوبية داخلية، بعيدًا عن المنظور العربي أو الغربي السائد.
تذهب الباحثة إلى أنّ إثيوبيا، التي شكّلت عبر قرون نموذجًا نادرًا في التعايش بين المسلمين والمسيحيين، تشهد اليوم اختلالًا في هذا التوازن نتيجة تمدد جماعات ذات إيديولوجيا عابرة للحدود، تتصدرها جماعة الإخوان المسلمين. وتوضح أنّ هذا النفوذ لا يتجلى في صورة تنظيمية واضحة أو نشاط حزبي، بل في اختراق ناعم للفكر والممارسات الاجتماعية والدعوية، وهو ما يجعله أكثر صعوبة في الرصد والمواجهة.
تستعرض سامية محمد الجذور التاريخية للتعدد الديني في بلادها، مشيرة إلى أنّ حادثة الهجرة الأولى للمسلمين إلى مملكة (أكسوم) في القرن السابع الميلادي تمثل الأساس الرمزي للعلاقات الإسلامية المسيحية في إثيوبيا. فقد استقبل النجاشي المهاجرين المسلمين ووفّر لهم الحماية، لتبدأ منذ ذلك الحين مرحلة من التفاعل الثقافي والاجتماعي المستمر بين الديانتين.
وترى الباحثة أنّ هذا الإرث ظلّ يحكم علاقة الدولة بالمجتمع لقرون طويلة، رغم تقلبات السياسة وتبدل الأنظمة، إذ احتفظت إثيوبيا بقدر من الانسجام الداخلي جعلها بمنأى عن الصراعات الدينية الحادة التي عرفتها مناطق أخرى من القارة. إلا أنّ العقدين الأخيرين شهدا تحولات عميقة غيّرت ملامح المشهد الديني، في ظل انفتاح البلاد على تيارات وافدة وازدياد النشاط الدعوي الخارجي.
الإخوان وتبدل أنماط الحضور الإسلامي
بحسب الدراسة، فإنّ جماعة الإخوان المسلمين لم تدخل المشهد الإثيوبي عبر تنظيم رسمي أو فرع مباشر كما هو الحال في بعض الدول، بل عبر شبكات فكرية ودعوية غير معلنة، مستفيدة من الهامش الواسع الذي أتاحته الحكومة للحريات الدينية بعد إصلاحات مطلع الألفية.
وتوضح سامية أنّ التأثير الإخواني يظهر بوضوح في خطاب بعض الجمعيات الإسلامية، وفي المناهج التي تُدرّس داخل المراكز الدينية، حيث تُعاد صياغة مفاهيم مثل النهضة الإسلامية والتمكين بما يتوافق مع أدبيات الجماعة.
وتشير إلى أنّ بعض الخطباء الجدد تبنّوا أساليب خطابية تبتعد عن المنهج التقليدي الصوفي الذي عُرفت به المؤسسة الدينية في إثيوبيا، وبدؤوا في توظيف مفردات ذات طابع سياسي تعبوي، وهو ما أثار حفيظة القيادات الدينية القديمة.
وتلفت الدراسة إلى أنّ دخول الفكر الإخواني أوجد حالة من الاستقطاب الداخلي بين المكوّنات الإسلامية، خصوصًا بين التيار الصوفي التقليدي والجماعات السلفية الحديثة. وتوضح أنّ هذا الانقسام تجاوز النقاشات الفقهية إلى خلافات حول الدور الاجتماعي للمؤسسات الدينية وموقعها من الدولة.
فبينما ظلّ التيار الصوفي متمسكًا بنموذج التدين الشعبي المنفتح والمتصالح مع الدولة، رأت المجموعات المتأثرة بالإخوان أنّ هذا النموذج يُفرغ الإسلام من طاقته السياسية، داعيةً إلى ما وصفته بالإصلاح الشامل الذي يبدأ من الخطاب الديني وينتهي ببناء مجتمع إسلامي متكامل.
وترى سامية أنّ هذا التباين في الرؤى جعل بعض القوى السياسية تجد في الدين أداة لإعادة رسم موازين النفوذ داخل المجتمع، في حين استغلت أطراف خارجية هذه الخلافات لتعزيز نفوذها في الداخل الإثيوبي.
حركة الأحباش وإعادة صياغة الخطاب الديني
تتناول الدراسة تجربة حركة الأحباش التي ظهرت في إثيوبيا عام 2011، كمحاولة لإعادة التوازن إلى المشهد الديني، بعد أن تصاعدت الخلافات بين التيارات الإسلامية المختلفة. الحركة التي تستلهم منهجها من جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية في لبنان طرحت نفسها كتيار وسطي يدعو إلى الاعتدال ويرفض التسييس.
غير أنّ دخولها إلى الساحة الإثيوبية لم يخلُ من الجدل، فقد رأت فيها بعض الجماعات محاولة لتكريس خطاب رسمي يخدم السلطة ويحدّ من استقلالية المؤسسات الإسلامية. وفي المقابل، اعتبرتها النخب الحكومية وسيلة لتقليل التوترات الطائفية وتعزيز الانسجام الوطني.
وتوضح الباحثة أنّ هذا الجدل كشف هشاشة البنية الدينية في البلاد، إذ بدا واضحًا أنّ أيّ مشروع إصلاحي أو تجديدي سيواجه بمقاومة من الأطراف التي ترى في التغيير تهديدًا لمصالحها الفكرية أو التنظيمية.
وتُحذّر سامية محمد من أنّ تصاعد الحضور الإخواني في إثيوبيا لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي، مشيرة إلى أنّ بعض القوى الإقليمية تدعم هذا التوجه من خلال التمويل غير المباشر للجمعيات والمراكز التعليمية. وتضيف أنّ إثيوبيا، بحكم موقعها الجغرافي في القرن الأفريقي وتماسها مع دول عربية وإسلامية عدة، أصبحت ساحة لتقاطع مصالح فكرية وسياسية متعارضة.
وترى أنّ استخدام الدين وسيلة ضغط سياسي أو أداة لتوسيع النفوذ الخارجي يهدد الهوية الوطنية الإثيوبية التي تشكّلت عبر قرون من التفاعل الداخلي بين مكونات المجتمع. كما أنّ استنساخ تجارب خارجية في العمل الدعوي أو التنظيمي لا يتناسب مع خصوصية التجربة الإثيوبية التي اعتمدت دائمًا على مرجعيات محلية ذات طابع وسطي.
وتؤكد الباحثة أنّ الخطر الأكبر لا يكمن في وجود جماعات أو تيارات فكرية بحد ذاتها، بل في تحوّل الدين إلى ساحة صراع سياسي. فكلما توسعت الجماعات الإيديولوجية في نفوذها، تقلصت مساحة الخطاب الوسطي الذي ميّز إثيوبيا تاريخيًا.
وتشير إلى أنّ ضعف المؤسسات الدينية الرسمية، وتراجع دور التعليم الديني التقليدي، وغياب مشروع وطني جامع لإدارة التعدد الديني، كلها عوامل أسهمت في فتح المجال أمام الفكر الإخواني للتمدد.
ومن وجهة نظرها، فإنّ الحل لا يكون عبر المواجهة الأمنية فقط، بل من خلال إصلاح شامل للخطاب الديني، ودعم المشاريع البحثية والتعليمية التي تعزز القيم المشتركة بين المكونات الدينية المختلفة.
دعوة إلى استراتيجية فكرية شاملة
في خاتمة الدراسة تدعو سامية محمد الحكومة الإثيوبية إلى تبنّي سياسة وقائية تقوم على دعم الحوار بين القيادات الدينية، وتعزيز التواصل مع المؤسسات الإسلامية الدولية ذات التوجه الوسطي، لمنع تسلل الأفكار المتشددة أو المستوردة.
وشددت على أهمية إشراك الجامعات ومراكز الأبحاث في دراسة الظاهرة الدينية داخل البلاد بعمق، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو التوظيف السياسي، معتبرة أنّ المعرفة الدقيقة هي المدخل الحقيقي لصون التعايش الديني وحماية الأمن الفكري.
وتخلص الباحثة إلى أنّ إثيوبيا تقف اليوم أمام مفترق طرق؛ إمّا أن تحافظ على نموذجها الفريد في إدارة التنوع الديني، وإمّا أن تنزلق إلى مسارات الانقسام والصراع التي أرهقت دولًا مجاورة. وبين هذين الخيارين تظل مسؤولية الدولة والنخب الدينية والأكاديمية مضاعفة في مواجهة ما تسميه بالتأثيرات الإيديولوجية العابرة للحدود، التي تسعى لإعادة تشكيل الوعي الديني وفق أجندات لا تعبّر عن الخصوصية الإثيوبية ولا عن إرثها التاريخي.
بهذا الطرح المتوازن تكشف الدراسة عن تحوّل خطير في مسار العلاقة بين الدين والسياسة في إثيوبيا، حيث لم تعد الجماعات الإسلامية مجرد فاعل اجتماعي، بل أصبحت وفق المؤشرات البحثية طرفًا مؤثرًا في معادلة الأمن الوطني، وهو ما يستدعي رؤية شاملة لإعادة ضبط التوازن بين حرية المعتقد ومتطلبات الاستقرار العام.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

