
المشهد السياسي الفرنسي يشهد جدالاً متصاعداً وتصدعاً داخلياً عميقاً في صفوف اليسار المتطرف، وتحديداً في حزب "فرنسا الأبية"، بقيادة جان لوك ميلانشون. الأزمة الأخيرة اندلعت إثر إعلان النقابي سيدريك برون انسحابه من الحزب، ثم ما لبثت أن فضح "الاختراق الإخواني" وتغلغل جماعات الإسلام السياسي داخل الحركة. هذه الاتهامات ليست مجرد خلافات تنظيمية عابرة، بل هي انعكاس لصراع أعمق يمسّ صميم الهوية الفرنسية القائمة على العلمانية أو بالأحرى اللائكية الفرنسية والقيم الجمهورية. إذ ما تزال فرنسا منذ استدارتها لمواجهة خطر "الانفصالية" تواصل سياساتها واستراتيجيتها لتقويض نفوذ الإسلاموية وتهديداتها على الأمن القومي.
ثغرات في استراتيجية اليسار
يكشف هذا "النزيف" السياسي عن نقطة ضعف حساسة في استراتيجية أقصى اليسار، التي تسعى لكسب تأييد شريحة واسعة من الناخبين المسلمين عبر تحالفات تبدو براغماتية وانتهازية، وتتجاوز حتى الأسس الفكرية للحزب. ولطالما اعتمد حزب ميلانشون استراتيجية قائمة على "التعددية الثقافية" ومناهضة ما يعتبره "إسلاموفوبيا" حكومية أو يمينية. لكنّ ذلك لا يعني الميل إلى الإسلاموية والتيارات الأصولية المؤدلجة فقط بهدف جذب أصوات الجاليات الكبيرة من أصول مهاجرة، الأمر الذي سمح بتمدد نفوذ شخصيات تنتمي إلى جماعة "الإخوان" وقوى رديفة لها.
انسحاب سيدريك برون، وهو نقابي من جذور علمانية، جاء بعد شعوره بأنّ كوادر تابعة لأشخاص مثل حسن حيكيوسن، الداعية المعروف بخطابه الإسلاموي، قد باتت تتقدم في المناصب المحلية بدعم من قيادات الحزب اليساري. وهذا يمثل، بالنسبة إلى برون، تخلياً عن قيم اليسار العمالية والعلمانية لصالح "الاستغلال السياسي للدين".
إذاً، يواجه حزب "فرنسا الأبية" تناقضاً وجودياً؛ فمن جهة يدّعي الدفاع عن الفئات المهمشة والمهاجرين، ومن جهة أخرى يجد نفسه مضطراً للتعامل مع جماعات تتبنّى أجندات قد تتعارض مع المبدأ الأساسي للجمهورية الفرنسية، الأمر الذي يهدد قيمها السياسية وتعدديتها. الهجوم المستمر من ميلانشون على تقارير الحكومة التي تحذّر من نفوذ "الإسلام السياسي" يكشف عن تنازلاته الإيديولوجية المطردة لأغراض انتخابية. وذلك يتزامن مع تزايد القلق الحكومي والشعبي من تغلغل "الإسلام السياسي" ونفوذه المتصاعد بعد حرب السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، حيث برزت المخاطر في عدة عواصم أوروبية وتهديد أمنها القومي من خلال تعبئة حواملها الاجتماعية ضد سياسات الغرب والاصطفاف مع حماس والإسلام السياسي وقوى ما يُعرف بـ "الممانعة"، فضلاً عن نشر خطابات تعبوية وكراهية، قادت إلى ظهور جديد ومباغت لـ "ذئاب منفردة" تنفذ حوادث إرهابية، كما في حادث هجوم مانشستر بالمملكة المتحدة على كنيس يهودي.
مخاطر التغلغل الإسلاموي
المحلل السياسي السوري، المقيم في فرنسا، شيار خليل، يشير إلى مخاطر عديدة للتغلغل الإسلاموي بفرنسا في قطاعات حيوية مثل التعليم والعمل الخيري ومنظمات المجتمع المدني. ويقول لـ (حفريات): "بالنسبة إلى اليمين والوسط (بما في ذلك حكومة ماكرون)، فإنّ موقف ميلانشون يُنظر إليه كـ "خطر وجودي" على التماسك الوطني والقيم الجمهورية. في المقابل، يرى ميلانشون وحلفاؤه أنّ هذه التحذيرات ليست سوى "حملات تحريض" تهدف إلى استهداف المسلمين وتأجيج مشاعر رهاب الإسلام أو "الإسلاموفوبيا" لخدمة أجندات اليمين المتطرف، ممّا يعكس استقطاباً حاداً يضع الأحزاب الفرنسية في مواجهة محتدمة حول كيفية تعريف الهوية الفرنسية".
ويقول خليل: إنّ انسحاب برون يمثل "دليلاً إضافياً" على أنّ الاستراتيجية الانتخابية لحزب "فرنسا الأبية" لم تعد قابلة للاستدامة داخلياً. ويردف: "الأزمة تهدد بتحويل حزب ميلانشون إلى ساحة صراع إيديولوجي بين اليسار التقليدي المتمسك بالعلمانية وبين تيار يبحث عن تحالفات جديدة قد تُسهم في "أسلمة" بعض قضايا اليسار، ممّا يعمق الانقسام بين الحزب وبين بقية مكونات الطيف السياسي الفرنسي".
بحسب موقع (العين) الإخباري، فقد أعلن سيدريك برون، عضو المجلس الإقليمي في منطقة "أوت-دو-فرانس" ونقابي في اتحاد النقابات العمالية، انسحابه المؤقت من حزب "فرنسا الأبية"، وأكد برون، في تصريحات لإذاعة (يوروب 1) الفرنسية، أنّ صعود شخصيات مقربة من تنظيم الإخوان إلى مناصب قيادية محلية يمثل "خطراً مباشراً" على القيم العلمانية الفرنسية وعلى الحركة النقابية والعمالية، محذّراً من أنّ "الوضع قد ينفجر بالكامل في أيّ لحظة"، ومشيراً إلى تقدّم شخصيات مثيرة للجدل، مثل سوفيان حيكيوسن (نجل الداعية المطرود من فرنسا حسن حيكيوسن)، لتولي مناصب قيادية داخل الحزب، رغم ماضيه المثير.
وأوضح برون أنّه حاول مراراً تنبيه نواب الحركة في شمال فرنسا إلى هذا التغلغل، لكنّ تحذيراته قوبلت بالتجاهل. ونقل عنهم قولهم: "نعم، نعرف هذا الشخص، لكن لا يمكننا الاستغناء عنه. إنّه أمر جنوني!"، مضيفاً أنّ ما يجري في الكواليس "أخطر ممّا يُقال في الإعلام"، مؤكداً أنّ انتماءه للثقافة العلمانية يتعارض بشكل جذري مع "الاستغلال السياسي للدين".
لا يُعدّ انسحاب برون الحالة الأولى؛ فقد سبقه في عام 2023 جوليان بوا، الذي استقال من رئاسة قائمة الحركة في ليل، منتقداً آنذاك غياب الديمقراطية الداخلية. وتأتي هذه الانسحابات في خضم اتهامات متزايدة توجه لحزب "فرنسا الأبية" بأنّه "يغضّ الطرف" عن جماعات ذات نزعة دينية محافظة، تحت ستار "التعددية الثقافية"، وهو ما يثير تساؤلات حول التناقضات الإيديولوجية لأقصى اليسار الفرنسي. وقد عزّز كتاب "متآمرو الشر" للكاتب عمر يوسف سليمان هذه الانتقادات، كاشفاً عن روابط بين التنظيم وحزب ميلانشون.
صراع مفتوح
وبالعودة إلى المحلل السياسي شيار خليل، يقول: إنّ التحذير الذي أطلقه النقابي الفرنسي سيدريك برون حول "تنامي نفوذ جماعة الإخوان المسلمين داخل النقابات العمالية" يفتح مجدداً ملف العلاقة الحسّاسة بين العمل النقابي والعمل الإيديولوجي في فرنسا، في وقت تتزايد فيه التوترات المرتبطة بالهوية والدين والعلمانية داخل المجتمع الفرنسي، لافتاً إلى أنّ النقابات الفرنسية كانت تاريخياً ساحة للتعبير الاجتماعي والسياسي، لكنّها حافظت على قدر من التوازن بين تيارات اليسار واليمين، وظلّ همّها الأساسي الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال. إلا أنّ ما يطرحه برون يشير إلى تحوّل أعمق، يتمثل في دخول فاعلين جدد إلى المشهد النقابي يحملون خلفيات دينية وإيديولوجية منظمة، الأمر الذي قد يبدّل هوية هذه المؤسسات ودورها التقليدي في الحقل العام.
هذا التحذير لا يأتي بمعزل عن النقاش الوطني الفرنسي حول العلمانية، خاصة بعد سلسلة من القوانين والإجراءات التي تبنّتها الحكومات المتعاقبة لمواجهة ما تصفه بـ "الانفصالية الإسلامية". ففرنسا التي تعدّ العلمانية حجر الأساس في جمهوريتها تواجه اليوم تحدّيًا حقيقياً في كيفية حماية هذا المبدأ دون المساس بحرية المعتقد أو حقوق التنظيم.
وفي الوقت نفسه، فإنّ الاتهامات بـ "اختراق الإخوان" للنقابات تتطلب أدلة واضحة وتدقيقاً موضوعياً، وفق خليل، إذ إنّ توسيع رقعة الشك قد يهدد سمعة العمل النقابي نفسه ويحوّله إلى ساحة استقطاب سياسي وديني. لكن من جهة أخرى، إذا صحّت التحذيرات، فإنّ الخطر يكمن في تسييس النقابات دينيًا، ممّا قد يقوّض استقلاليتها التاريخية ويدفعها نحو أجندات تتجاوز مهامها الاجتماعية والعمالية.
في المحصلة، ما يجري في فرنسا اليوم يعكس صراعًا عميقًا بين قيم الحرية والتعدد من جهة، والتمسك الصارم بالعلمانية من جهة أخرى. ويشدد خليل على طبيعة التحديات وتأثيراتها أو تداعياتها اللاحقة بتساؤله: "هل تستطيع النقابات الفرنسية أن تبقى بعيدة عن التجاذبات الإيديولوجية، وتحافظ على رسالتها الأصلية كصوت للعامل لا كمنبر للأفكار السياسية والدينية؟".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/155-151042-brotherhood-hidden-tumor-spain_700x400_0_0.jpg.webp?itok=_5MluNWJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_9_0.jpg.webp?itok=7HDUYZM0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ipda6PSwJpc12Xr16TZX1mxWNP9umb-NIsXB4bueunBKRFDkPJHDsKhugIOy2Q16wHVxOeWJpHSIdsDF8wzb-CVMLPKlxhrx5-x6Czw0BgtQaXMxAFg0LyhYYyLYrvDkS90c1o1QzFsmE8rBXDvrvha00yBytJWJqnGRDURjfVKHi2tVviVRInK6DReQQlHn.jpg.webp?itok=LWrCdx_a)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/dhyb_1_0_0.jpg.webp?itok=KTZjIWHa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A7%D9%89%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=3tTx6BSj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_8_2.jpg.webp?itok=3cGcUhzy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%81_4_0.jpg.webp?itok=casKmhzS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-07-23%20103729.png.webp?itok=z_xzCccA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D8%B1%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=LrYcCaSw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zyf_0.jpg.webp?itok=2Z-1BtDg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7_2_1_0_2_0.jpg.webp?itok=1Uf-Afs4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%B9%D8%AF%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%86%D9%8A%D8%AF%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D8%B1%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%91%D9%8A%D9%86%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%2C%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%86%D9%81%2C%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9%2C%20%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1%2C%20%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1%2C%20%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_0_1.jpg.webp?itok=w0ocuqWR)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1_10_0_2.jpg.webp?itok=MhlpWJ59)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yF9sd5NmgG5_04-f-l3lKMJ8UPb56ttim4N7IhmZDdiumCSO6xd9vXthAJSP6sCMJBLL4XD0nJt72TS4WERcexiX5xgpJmvGiSPzb40nzjPImAXaEf1yIe9-2cRTEWQOqO7nEw3jHEhPMe6vv3T4zoe5cxO4zvBrv4ow5EEkNhmmWjsq8Xx85hiK54xtb6yb%20%281%29.jpg.webp?itok=K-qgx0N9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1.jpg.webp?itok=ZGddJ_6t)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0_dHBLQdmDsIkmNca_ufoHyKZdo8bs-rmxYa22oJTOPJIHeJrSOfGncvNUC73K-Ad0dNdEX9B8g7y4pu1J74F-b1QYvmDseESiSrdiOBezhWcanKckMhZ0MyxNMvfnQvPBEnPM2G7Pcn696o8pCF8TqtSNA7ZmzaIx5MBN7Pnb4HOqaUNzK_wn0A3zljqqsG%20%281%29.jpg.webp?itok=jsPeKV4R)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-07-22%20121756.png.webp?itok=Tg08poTc)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_3_0.jpg.webp?itok=4fNjnbd7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/news-240423-sudan.harb__0_0_0_0_1_0.jpg.webp?itok=IaVQN1E4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

