
ترجمة: عبود الجابري
حتى وقت قريب، كان دَور الجسد مُهمَلًا أو مُستَبعَدًا من الاعتبارات الفلسفيّة والسياسيّة والثقافيّة. في الفلسفة التقليديّة، كان يُعتَقَدُ أنَّ الإرادة البشريّة والهُوِيّة الشخصيّة تنبعان بشكل أساسي من العقل، الذي اعتُبِر كيانًا دائمًا ومنطقيًّا، ومصدَرًا لجميع معارفنا. وشَغلت العلاقة بين العقل والجسد مكانَةً بارزةً في النقاشات الفلسفيّة، وظهر ذلك في كتابات ديكارت في القرن السابِع عشر وبعده. ومع ذلك، تَبَنَّت بعض التيارات الفلسفيّة، وخاصة التقليد التجريبي في الفلسفة البريطانيّة خلال القرنين السابِع عشر والثامن عشر؛ مثل أعمال ديفي هيوم David Hume، منظورًا مُختَلِفًا، حيث رأى بعض المفكرين أنّ الجسد البشري يُمثِّل عُنصرًا جوهريًّا لفهم تجربتنا للعالم لأنّها تَعتمد أساسًا على حواسّنا.
رغم ذلك، هيمنت حاسّتا البصر والسمع على مصادر المعرفة، بينما تمّ تهميش الحواسّ الأخرى كالشَّمّ والتّذَوُّق واللَّمْس، وهو ما أدَّى إلى تقليل أهمّيتها في تفاعلنا العملي مع العالم المحيط بنا من خلال أجسادنا. في أواخر القرن الثامن عشر تناول إيمانويل كانط Immanuel Kant مسأَلة الحواسّ بعُمق في كتابه "نقد العقل المحض" (1781)، وأشار إلى تعقيد هذا الموضوع. فقد أكَّد أنّنا لا نستطيع إدراك الجَمال إلّا ككائنات تَجمع بين العقلانيّة والماديّة، بخلاف المُتْعَة المُستمدَّة من الأخلاق البحتة أو المَلذّات الجسديّة الصِّرفة مثل الطعام والشراب. ومع ذلك، رَكَّز كانط على أنّ الجمال يَرتبط بشكل أكبر بالبصر والسمْع، مع استثناء اللَّمْس والشَّمّ والتّذَوُّق.
معَ استمرار الحِوار الفلسفيّ في القرن التاسع عشر، أعطى كارل ماركس قِيمةً مُختَلِفةً للجسد من خلال رُؤيته للإنسان كَكَائن يُغَيِّرُ ويُعيد تشكيل بيئته عبر العمل اليدوي والفكري، وهي فِكرَةٌ بَدَأت تُعطي للجسد مكانةً جديدةً رغم عدم إيلاء التجربة الماديَّة للعالَم الاهتمام الكافي بَعدُ، غيرَ أنّ هذه الفكرة لم تَصِل إلى نُضجها الكامل حتى بروز الفلسفة الأمريكيّة العمليّة في نهاية القرن ذاته، عندما أعيد التركيز على المعرفة المألوفة بالعالم من خلال المهارات والقُدُرات الحسّية التي تُفَعِّل أَجسادنا للتفاعل اليومي مع البيئة المحيطة بنا.
في القرن العشرين، انتشرتْ مفاهيم هايدغر Martin Heidegger الفلسفيّة كإطار جديد لِفَهم علاقتنا بالعالَم والوجود. أحد أبرز جوانب هذا التطوّر تجلَّى في مفهومَي "الوُجود المُتاح" و"الوُجود الحاضر" اللَّذَين طَرَحَهما، وهذان المفهومان يُلقِيان الضّوء على كيفيّة تَعامُلنا مع الأشياء من حولنا، فنحن عادة نستعمل أدواتنا اليوميّة دون التفكير فيها أو مَنحِها اهتمامًا يُذكَر طالما تقوم بوظيفَتها، لكنَّنا عند تَعَطّلها، نُضطرُّ إلى الوقوف والتساؤل: لماذا تَوَقَّفَت عن العمل؟ وكيف يمكننا إصلاحها؟ هذا التوقُّف المُفاجئ هو الذي يُولِّد المعرفة النظرية ويجعلنا نَتَأَمَّل العالَم بعمق.
ذلك هو اختلاف هايدغر عن ديكارت René Descartes، فهو يرفض فكرة أنّ التأمّل بِمُفرده كافٍ لاكتساب المعرفة، وأنّ الفحص الحقيقي للعالَم ينبع من تفاعلنا العملي والجسدي معه، ومن هذا المنطلق، أدخل هايدغر الجسد إلى ساحة النقاش الفلسفي، مُنتقدًا منهجيّة ديكارت التي تفصل العقل عن الجسد.
يُبَيِّن هايدغر أنّ فَهمنا لأنفسنا كَبَشَر يَعتمد على إدراكنا لطبيعتنا الجسدية المحدودة وقَبولها، وقد أثَّرت هذه الفكرة بشكل بارز على الفلسفة الوجوديّة الفرنسيّة، وبات ذلك واضحًا في أَعمال الفيلسوف ميرلو-بونتي Maurice Merleau-Ponty، الذي شَدَّد على أنّ الوعي الإِنساني مُتَجَذِّر في الجسد ومُتَّصِل بعالَمه المادّي، وفي دراسات جان بول سارتر Jean-Paul Sartre، الذي استخدم مفهوم الجسد لتفسير القمع والتعذيب كوسيلة لتَقييد حرّية الإِنسان.
على النقيض من ذلك، نجد أنّ النظريات السياسيّة الغربيّة التقليديّة همَّشت الجسد إلى وقت قريب، فاللّيبْرالِيّة مَثلًا قَدَّمَتْ نَموذجًا للإِنسان الذي يرتكز على العقلانية فقط، وأغفَلتْ أهمّيّة التجارب الجسدية، حتى أنّ الانغماس في تحقيق الرغبات الجسدية عُدّ تهديدًا للنظام السياسي القائم؛ وَما زاد من هذا الإقصاء هو اعتماد الليبرالية ثنائيات صارمة كالعقل مقابل اللّاعقل، الرُّوح مقابل الجسد، والذَّكَر مقابل الأنثى، وهذا الربط المُضْمَر بين العَقْل والذُّكورة أسهم بشَكل ما في تبرير استبعاد النساء عن الساحة السياسيّة وتجاهُل الاختلافات الجِنْدَريّة.
يَظْهَر الأثر العميق لِفكر هايدغر وأتباعه من الفلاسفة بوضوح في تسليط الضوء على أبعاد رئيسية تمّ تجاهلها في الفكر الغربي، وهو ما أسهم في دفع النقاش نحو رُؤْية أوسع وأكثر توازُنًا لطبيعة الإنسان المُعَقَّدَة.
في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وبالتزامن مع إحياء النظريّة الليبراليّة على يد جون راولز John Rawls (1972)، برزت انتقادات جديدة لليبراليّة من قِبَل الفلاسفة الجَمَاعِيِّين، وفي هذا الإطار، وَجَّه مايكل سانديل Michael Sandel (1982) انتقادات إِلى راولز، وَمِنْ ثَمّ إِلى الليبراليّة المُعاصِرَة، مُتَّهِمًا إِيَّاها بأَنَّها تَعْتَمد نَمُوذجًا مُجَرَّدًا للإنسان، يَتَجَاهَل العوامل الماديّة والثقافيّة التي تُسهِم في تشكيل طبيعته الإنسانيّة، وبعبارة أخرى، يرى سانديل أنّ تصَوُّر راولز للإنسان ينفصل عن التجارب الجسديّة والثقافيّة التي تلعب دورًا حاسمًا في بناء شخصيته.
تَعَرَّضَ رولز لانتقادات بسبب افتراضه أنّ الإِنسان، ككائن عاقل قادر على اتّخاذ الخيارات، يَسْبِقُ وُجودَه الماديّ في مجتَمع مُعَيَّن، في المُقابل، يُجادل ساندل بأَنّ القُدُرات مِثل الاختيار، امتلاك القِيَم، والوعي بالنفس كأفراد، لا تَتَشَكَّل إِلّا من خلال التجربة الحِسِّية، وبالتالي لا يُمكن أَن تُوْجد قَبلها.
في مجال النظريات الثقافيّة، ثمَّة مجموعة واسعة من الدراسات التي تناولت موضوع العُرْي بوَصْفه جُزءًا جَوْهَريًّا من الفنّ الغربي، وَمِن بَين هذه الأدبيات ما يعتمد نَهْجَ المؤرخين الثقافيين التقليديين، مثل دراسة كلارك (1956) التي حلّلت تأثير المعايير الثقافيّة المتغيرة عَبْر التاريخ على تصْوير الجسد، وفي مراحل لاحقة، نَظَرَ نقّاد مثل جون بيرجرJohn Berger (1972) إلى العُرْي من منظور سياسي، وتساءلوا عن القيم الجمالية المنسوبة إليه باعتباره جزءًا من الهيكل الإيديولوجي السُّلطوي السائد في الثقافة الغربيّة (كما تناولته أعمال العديد من الفلاسفة في تلك الحقبة).
تطوّرت الدراسات الثقافية لفهم الجسد بوصفه موقعًا للمعنى والتعبير الثقافي. فعلى سبيل المثال، وصف أومْبِرتو إِيكو Umberto Eco الجسد بأنّه "آلةُ اتّصال" (1986)، وهو ما يبرز دوره ليس ككيان طبيعي فحسب، بل كجزء أساسي من الثقافة؛ فالجسد يعكس الهُويّة الثقافيّة من خلال عناصر عديدة مثل اللباس، المجوهرات، طُرُق الزينة المختلِفة، وأيضًا الأشكال التي تُعدّل فيها طبيعته مثل الوَشْم أوْ تَغْيِير أنماط الشَّعْر أو بناء الجسم عَبْر الرياضة والتغذية، ومن خلال هذه الخيارات، يمكن للأفراد أَن يُظهِروا إمّا امتثالهم وإمّا مقاومتهم للتوقعات الثقافيّة المفروضة عليهم.
وقد فتحتْ هذه الأبعاد مجالًا لدراسة "الممارسات التي تركِّز على الجسد" في علم الاجتماع، كما تناولها عالم الاجتماع البريطاني تِيرْنَر Victor Turner (1984). أمَّا فوكو Michel Foucault (1977)، فَقَد رَكَّز في تحليله لتطوّر أنظمة العقاب والسُّجون على الجسد بوصفه مَوْقعًا للتأْديب والمراقبة، مُشيرًا إلى أنّ الجسد يَتِمّ تَشْكيله وتَطويره عَبْر أدوات المراقَبة المختلفة، سواء كانت ماديّة أم رمزيّة. بناء عليه، يمكن القول إنّ تحليل الجسد أصبح مَفْهُومًا يرتبط بشكل متزايد بالتأْثيرات الاجتماعيّة وبناء المجتمع (كما عالجَتْه أعمال عالم الاجتماع غوفْمان Erving Goffman، أو نِتاجًا للخطابات التي تناقشه وتعرضه مثل لغة العلوم الطبية، وعلم النفس، وعلم الجريمة).
المصدر: إدغار، أندرو، وسيدجويك، بيتر ر. نظرية الثقافة: المفاهيم الأساسية. لندن: روتليدج، 2008 (طبعة ورقية).

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_27_0_1.jpg.webp?itok=dPq_lroo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20996_0_3_3.jpg.webp?itok=lMfan2Bz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85%20%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A_1_0_0_0_0_0_2_0.jpg.webp?itok=QX5P5snr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_5_0_2.jpg.webp?itok=YGUlqInh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0.jpg.webp?itok=VpqPRWkI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1_1.jpeg.webp?itok=0RYjyFXI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A7%D9%87%D8%B1_7_0_1_0_0.jpg.webp?itok=QNlhhKWY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86_6_2_0_7_0_0.jpg.webp?itok=AW7q4dcB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=L1S6eekS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0.jpg.webp?itok=KsUddOOW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D8%AD%D8%A9_0_3_2_4.jpg.webp?itok=qRVy56IE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ZJ1m9LNTV-4FDGvzquwEV3srIpx4zIBNruDRcvcNfO1NMBTtSbigJu6RWhs2Ve3Lza4rhfA-_ZzFR0z0mlliFv2PzsjwVkuWBOlP893R3NAR7C3etNBzEXOdcrNy_uqsTiEXM0jH1BjwRexZVuSe0cWgs7D23OrjKjBAdUrxowfO58V2P61hPNFHrZ8EA9s7.jpg.webp?itok=qvWozWYE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_3.jpg.webp?itok=KE0VCaW3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_3.jpg.webp?itok=xVE89XIG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/sBDCydvI1zOBZQidDOfpRQWqxkPOPcm-ol6OGc58PWIJwWgMqLATf3Kf_8ciWHNkrVsabwhqFTOO7vEoPI3BZrkWYpNmGLje0HZdLU9q5DaHPJOsx_qL35g5cjK-oHho8FJkYAtV_TAWwA5rsfBk_6UT0xZn0rgrGZComiZc1hJ49zNDQhY8wWSR-A4Yx6Ga.jpg.webp?itok=E89txo07)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hrmz_1_0_5_1.jpg.webp?itok=TKlST296)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%81%D9%88%D8%B1_3.jpg.webp?itok=wrsAg3D5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)