
يُعدّ التجنيد الرقمي أخطر أدوار جماعة الإخوان الإرهابية في الوقت الراهن، فلم تعد أساليب التجنيد التقليدية التي أسس لها مصطفى مشهور في الثمانينات من القرن الماضي صالحة الآن، في ظل التطور التكنولوجي ووضعية التنظيم المأزوم، فبعد أن كانت الركيزة الأولى هي تكوين علاقة وثيقة بالفرد المراد تجنيده والتأثير فيه وجهًا لوجهٍ بما يتناسب مع شخصيته وبيئته، أصبح العالم الافتراضي والمنتديات والمواقع الإلكترونية وصفحات السوشيال ميديا هي الميدان الأول لاصطياد فرائسهم من الشباب وتجنيدهم لصالح الجماعة، مستغلين العاطفة الدينية عند الشباب. وبتكرار الأفكار بأكثر من وسيلة وبأكثر من شخص، فإنّ الفرد المراد تجنيده يجد نفسه مساقًا لترديد مقولاتهم ذاتها، منفذاً لأجندتهم الفكرية والدعائية، ورويدًا رويدًا يجد نفسه دون أن يدري عضوًا رقميًا في الجماعة، ولا حاجة لأن يكون ضمن خلية تقليدية، بل يكفي أن يكون ضمن خلية رقمية مُروّجًا لدعاية جماعة الإخوان محافظًا على أفكارها طازجة في المجتمع.
في هذا العالم الرقمي لم يعد للاسم أو السنّ أو المكان أو الزمان أيّ أهمية في التواصل بين مستخدمي الوسائط الرقمية، ولم يعد تجنيدهم كأيام الثمانينات والتسعينات، عندما كانت المساجد والمدارس والجامعات والمدن الجامعية وسكن المغتربين، والأطفال في قسم الأشبال، مصدرًا للتجنيد، الآن يكفي أن يكون مُستخدِمًا للوسائط الرقمية، ولديه القابلية لتلقي الأفكار عبر تكرارها.
البداية على هيئة خدمات إعلامية
في عام 1999 استطاع يوسف القرضاوي تأسيس موقع "إسلام أون لاين"، وكانت خطوة شاسعة لم يهضمها قادة الإخوان وقتها، وتحت ضغوط المنافسة السياسية قررت الجماعة الدخول إلى عالم التكنولوجيا الرقمية، عقب فوز (17) عنصرًا من الجماعة الإرهابية في الانتخابات البرلمانية عام 2000، فقد كانوا أمام تحدٍّ وجودي كبير، وتحت الحاجة لصناعة إعلام إخواني يصل إلى الجماهير يدعم عملية التجنيد ونشر أفكارهم وعلى رأسها "المظلومية"، فأسسوا المراكز الإعلامية وشركات الاتصالات والإنترنت التابعة لهم أو المسجلة بأسماء عناصرهم الوفية، ثم أسسوا موقع "إخوان أون لاين" عام 2003، الذي بدأ كواجهة إعلامية وخدمة صحفية لنوابهم في البرلمان.
تمّ استخدام الموقع لنشر أخبار الجماعة ورموزها المجتمعية، ولنشر رسالة المرشد الأسبوعية، وعرض أهم الأخبار المحلية، مع وضع خطة دعائية لترميز الشخصيات الإخوانية إعلاميًا وسياسيًا استعدادًا لخوض أيّ انتخابات، سواء محلية أو برلمانية أو نقابية، ثم خاض الإخوان انتخابات عام 2005 وحصلوا على عدد كبير من المقاعد. وتطور الاهتمام بالمنصات الإلكترونية، فصدرت الأوامر من مكتب الإرشاد إلى المكاتب الإدارية بالمحافظات بضرورة إنشاء مواقع خبرية تابعة لهم، فتأسس موقع إخوان البحيرة، والإسكندرية، ثم الشرقية والمنوفية والغربية، وهكذا تتابعت المكاتب الإدارية في إنشاء مواقع إخوانية محلية، وتمثل الغرض الأول لتلك المواقع الفرعية في نشر أخبار الجماعة. والعمل على هذه المواقع يتطلب إعداد فريق من شباب الإخوان على العمل الصحفي الرقمي، وكانوا في الغالب من شباب الجامعات، في هذه المرحلة كان التركيز على الوصول إلى الناس وضمان الانتشار، أمّا نشر الإيديولوجيا وتمرير مفاهيم التنظيم، فهي مرحلة لاحقة.
المنتديات وجذب المتابعين
مع التطور وشيوع استخدام الإنترنت، ظهرت المنتديات، وهي غرف للمناقشة والتبادل الفكري بين الشباب، ومع دخول عدد لا بأس به من شباب الإخوان إلى تلك المنتديات، تمكنوا من فرض وجودهم على مرتادي المنتديات، وتمكنوا من جذب العديد من المتابعين لتلك الغرف الحوارية شكلًا، الإخوانية مضمونًا، وظهر لأول مرة مشاركون يستخدون ألقابًا وأسماء وهمية.
منذ 2008 حتى الآن استخدمت الجماعة الإرهابية وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة موقع (فيسبوك)، وهو الموقع الأكبر والأكثر تأثيرًا في المجال العام المصري والإقليمي، وهو واحد من أهم أدوات الحراك السياسي والاجتماعي. ولضمان تدفق الحسابات الإخوانية على العالم الافتراضي استخدمت الجماعة لجانها الإعلامية لتدريب ومساعدة العناصر الإخوانية من العجائز على فتح حسابات البريد الإلكتروني، وفتح حساب أو أكثر على مواقع السوشيال ميديا (فيسبوك وتويتر)، وظهرت للمرة الثانية الأسماء الوهمية بصورة لافتة والكيانات المزيفة على السوشيال ميديا، ومع التوسع في استخدام الهواتف الذكية بديلًا عن الحواسيب التقليدية بعد 25 كانون الثاني (يناير) 2011، أصبح للإخوان قوتهم الضاربة في توجيه الرأي العام ومغالبة ومحاصرة خصومهم السياسيين، أو حتى من التيار الإسلاموي. واستخدم الإخوان لغة حوارية متعالية ومغالطات منطقية لإسكات الخصوم، واستمرت سيطرتهم على الفضاء الإلكتروني إلى أن قامت ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، وارتكبت الجماعة العديد من الخطايا في حق الشعب المصري، وظهر للجميع وجه مختلف عمّا كان يظهر في المنتديات وعلى السوشيال ميديا، وعلى مواقع الإخوان الدعوية والإخبارية، ممّا دفع العديد من القوى السياسية والعديد من الحركات الشبابية للانفضاض عن تأييد الجماعة، والتحول إلى النقيض.
أزمة الجماعة والحاجة للتجنيد الرقمي
أدى الصراع الذي فرضته الجماعة على الدولة المصرية، وإظهار العداء لمؤسسات الدولة المصرية ومخاطبة الشعب باستهانة، إلى زيادة عزلتها الاجتماعية وسقوط خطابها الدعوي والسياسي، هنا ظهرت الحاجة لمصادر تجنيد جديدة من مستخدمي الوسائط الرقمية، للتغلب على ضعف المتابعة على صفحاتهم ولتغيير الرأي العام المناهض لهم، واستكمال هياكلهم التنظيمة بعد الخسائر الشديدة في صفوفهم. ونظرًا للضربات الأمنية الناجحة ضد التنظيم، لجأ إلى العالم الافتراضي بما يوفره من تطبيقات يمكن من خلالها التواصل فيما بينهم بشكل سرّي وآمن ليكون بديلاً عن لقاءات "الأسر التنظيمية"، وليكون حديقتهم الخلفية لاستعادة تموضعهم في ساحة الفضاء الإلكتروني، وللتأثير على الرأي العام، لذا استخدموا تكتيكات جديدة.
تكتيكات الجماعة للتجنيد الرقمي
الخطوة الأولى بناء قاعدة من المتابعين والمعجبين: في هذه الخطوة اتخذ الإخوان مجموعة من الإجراءات، منها توسيع دائرة التأثير في عناصرهم، وبناء حضور رقمي متدرج ومتنوع عبر المواقع الرسمية، والصفحات الإخبارية، والمدوّنات، والقنوات على (يوتيوب) والعديد من الحسابات على المنصات الاجتماعية.
الخطوة الثانية بناء ثقة في صناع المحتوى من الإخوان: والمقصود بالثقة هنا أن يثق المتابع أنّ صانع المحتوى ليس من الإخوان، وليس ضد الدولة، ويتم هذا عبر تقديم وجبة ثقافية متنوعة وجذابة بعيدًا عن اشتباكات السياسة وتعقيداتها، ولنجاح تلك الخطوة قد يكون المحتوى رياضيًا أو فنيًا أو ترفيهيًا ساخرًا.
الخطوة الثالثة السيطرة على الفضاء الثقافي: من خصائص هذه الخطوة استخدام المحتوى التعليمي والدورات التدريبية، والمسابقات في تحفيظ القرآن الكريم، وصفحات الكتب وملخصات الأفلام، والأكاديميات الرقمية، كمدخل لتكوين علاقات طويلة المدى ثم تحويل الاهتمام نحو أنشطة أو شبكات أوسع وقنوات اتصال أسرع، مع إشراك الجمهور في المحتوى، إذ إنّ الهدف الأكبر هو خلق مساحات تفاعلية أكثر أمانًا.
الخطوة الرابعة استقطاب المتعاطفين: بعد السيطرة على الفضاء الإلكتروني الثقافي والترفيهي وبعد بناء الثقة بين المتلقي وصناع المحتوى، تُشكّل الجماعة صفحات أكثر وضوحًا تستقطب فيها المتعاطفين معها، بعد رصدهم لأيّ متعاطف أو متكرر التعليق أو أصحاب "الإيموشن" المتعاطف معهم، وبعدها يتم تصنيف المتعاطفين والمتأثرين، ويتمّ التواصل مع الأكثر تعاطفًا والأحدث سنًا بحوار بسيط ونقاش حذر، ثم بالتدريج يتم دفعه للانخراط في مجموعات أعمق، ويبدأ في الترويج لسرديات الجماعة دون أن ينتبه لإيديولوجيتهم المتطرفة.
الخطوة الخامسة صناعة العضوية الرقمية: عادة ما يتم الانتقال تدريجيًا من مستخدم عادي متأثر بأفكار الجماعة أو "متعاطف" مع مظلومياتهم إلى "عنصر رقمي"، وبصورة غير ملحوظة، وهذه الخطوة تتم بحذر أمني شديد، فليس كل متعاطف يصلح لعضوية الجماعة، وفي كثير من الحالات يتم الاكتفاء بدوره في نشر أفكار الجماعة، سواء الشائعات أو وجهات نظرهم، في أيّ قضية اجتماعية أو سياسية والترويج لها.
مواجهة التجنيد الرقمي ليست ترفاً
لا سبيل لوقف التجنيد الرقمي إلا بنشر الوعي ضد أخطار الجماعة وكشف ألاعيبهم، ونقد سردياتهم، ولا يمكن نقد سرديات الجماعة إلا بتوفر شفافية اجتماعية عالية، وقراءة صحيحة وسليمة لواقع الشباب الذي يندفع نحو اعتناق أفكار متشددة ومتطرفة دينيًا واجتماعيًا، والوقوف على العوامل التي جعلت الانتماء إلى الجماعة السبيل الوحيد أمام فئات بعينها من خيرة شبابنا ليشعر بذاته، فالوعي ليس ترفًا والمواجهة أصبحت حتمية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_4_0_0_2_0.jpg.webp?itok=bcMsNu4F)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)







![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_2.png.webp?itok=6N6mahHB)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84_3_0.jpg.webp?itok=BfiWNj8q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Lessons-learned-from-the-Israeli-Iranian-war.jpg.webp?itok=DpvuieEl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)