خصومة الإسلامويين مع الفنون... لماذا حطمت طالبان تماثيل بوذا؟

خصومة الإسلامويين مع الفنون... لماذا حطمت طالبان تماثيل بوذا؟

خصومة الإسلامويين مع الفنون... لماذا حطمت طالبان تماثيل بوذا؟


10/09/2025

في آذار (مارس) من عام 2001 هزّ العالم خبر إقدام حركة طالبان على تفجير تماثيل بوذا العملاقة في وادي باميان بأفغانستان. كانت هذه التماثيل، التي نُحتت في القرن السادس الميلادي، من أبرز الشواهد على التعدد الثقافي والعمق التاريخي للمنطقة. غير أنّ طالبان رأت فيها "أصنامًا" يجب تحطيمها امتثالًا للشريعة الإسلامية. لم يكن الفعل مجرد عملية هدمٍ لأحجار صامتة، بل كان تعبيرًا عن رؤية إيديولوجية شاملة تعادي الفن والجمال، وتتعامل مع الثقافة باعتبارها ساحة صراع لا مساحة إبداع.

الفتاوى التي صدرت عن طالبان في ذلك الوقت بررت تحطيم التماثيل بأنّها "إزالة للأصنام"، معتبرة أنّ الإسلام يُحرّم وجود مثل هذه التماثيل. لكنّ هذا التبرير بدا متناقضًا؛ إذ إنّ هذه التماثيل لم تُعبد منذ أكثر من 1400 عام، بل كانت تُعتبر تراثًا إنسانيًا عالميًا. وبالتالي، فإنّ قرار طالبان لم يكن مجرد التزام حرفي بنص ديني، بل كان فعلًا رمزيًا سياسيًا أرادت من خلاله الحركة أن تؤكد سلطتها على المجتمع، وتبعث برسالة تحدٍّ للعالم أجمع.

لقد تحولت التماثيل إلى ضحية لصراع أوسع: صراع بين ثقافة ترى في الفن تعبيرًا عن التعدد والإنسانية، ورؤية إسلامية متشددة ترى في التعدد خطرًا وفي الجمال تهديدًا لسلطتها.

خصومة الإسلاميين مع الفنون: من الشك إلى العداء

منذ بدايات القرن العشرين نظرت الحركات الإسلامية إلى الفنون بعين الشك والريبة. فقد رأى مؤسسو جماعة الإخوان المسلمين، مثل حسن البنا، أنّ السينما والمسرح والموسيقى يمكن أن تكون "وسائل دعوية"، لكنّهم في الوقت ذاته هاجموا الفن "غير الإسلامي" وعدّوه أداة للانحلال والتغريب.

أمّا سيد قطب، الذي بدأ حياته ناقدًا أدبيًا يحتفي بالجمال، فقد تحوّل لاحقًا إلى مُنظِّر يرى أنّ الأدب والفن لا قيمة لهما إذا لم يُسخَّرا لخدمة العقيدة. وقد كتب في "معالم في الطريق" أنّ كل ما هو خارج التصور الإسلامي يدخل في "الجاهلية". وهكذا بات الفن بالنسبة إلى الإسلاميين ساحة للهيمنة الإيديولوجية، لا مجالًا للحرية أو الإبداع.

وفي السعودية، ظل النقاش حول تحريم الموسيقى والرسم والمسرح حاضرًا لعقود، وكانت الفتاوى الوهابية تعكس خوفًا من الفن باعتباره أداة تفتح الباب للتأمل والحرية الفردية. حتى افتتاح دور السينما من جديد في عهد "رؤية 2030" اعتُبر حدثًا تاريخيًا يرمز إلى كسر واحد من المحرمات الكبرى التي فرضها الإسلاميون لعقود.

داعش... طالبان جديدة في قلب المشرق

لم تكن طالبان وحدها من حطمت التماثيل والآثار. ففي عامي 2015 و2016 كررت تنظيمات داعش المشهد في العراق وسوريا. ففي مدينة الموصل دمّر مقاتلو داعش آثارًا آشورية نادرة في متحف الموصل، مستخدمين المطارق والمتفجرات، معتبرين أنّها "أصنام جاهلية". وفي مدينة تدمر السورية فجّر التنظيم معابد رومانية قديمة مثل معبد "بل"، وقتل عالم الآثار خالد الأسعد الذي رفض أن يسلّمهم خرائط الكنوز الأثرية.

كان المشهد أشبه بامتداد لفعل طالبان: تدمير الرموز الثقافية والحضارية بوصفها "مخالفات شرعية". لكنّ خلف هذا التبرير الديني كان يكمن دافع آخر: محاولة محو الهوية المتعددة للمنطقة، وفرض هوية واحدة صلبة، تختصر التاريخ في العقيدة الإسلامية الضيقة.

الإخوان المسلمون والفن: مشروع "الأسلمة"

في مصر، اتخذت جماعة الإخوان المسلمين مسارًا مختلفًا قليلًا، لكنّ الدافع الإيديولوجي كان واحدًا. فبدلًا من تحطيم التماثيل والآثار، حاول الإخوان "أسلمة الفنون". ظهر هذا في دعواتهم لتأسيس "السينما النظيفة"، حيث تُمنع المشاهد التي يعتبرونها خادشة للحياء، ويُقدَّم الفن باعتباره وسيلة للتربية لا للمتعة.

خلال فترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي (2012-2013) أثارت تصريحات بعض قيادات الجماعة قلق المثقفين والفنانين. فقد تحدث بعضهم عن ضرورة "تطهير" الإعلام والفن من المظاهر "المخالفة للشريعة"، وهاجم آخرون مسلسلات رمضان وأفلام السينما باعتبارها "تغريبية". ولم تصل الأمور إلى تحطيم الآثار كما فعلت طالبان أو داعش، لكنّها عكست الرؤية ذاتها: الفن ينبغي أن يُطوّع للعقيدة.

العداء العميق الذي تبديه الحركات الإسلامية تجاه الفنون والرموز الثقافية يكشف عن مخاوف إيديولوجية أكثر منه عن التزام ديني. فالفن في جوهره مساحة حرة، يفتح خيال الإنسان على احتمالات متعددة، ويمنح الأفراد قدرة على التعبير عن الذات بعيدًا عن السلطة. وهذا بالضبط ما تخشاه الجماعات الإسلامية، لأنّها ترى نفسها وصية على النفوس والعقول.

التمثال واللوحة والأغنية ليست مجرد فن، بل هي تعبير عن التعددية. وحين تتحطم التماثيل في باميان أو الموصل، فإنّ ما يُستهدف ليس الحجر فقط، بل الذاكرة الجماعية، وإمكانية أن يكون للتاريخ أكثر من رواية.

الدلالات السياسية والثقافية

كان تدمير تماثيل بوذا في باميان بمثابة صدمة كبرى للمجتمع الدولي، ورسالة تحدٍّ أرسلتها طالبان إلى العالم كله: "نحن نملك الحقيقة، ولا قيمة لتراثكم". وفي الوقت ذاته أظهر الحدث هشاشة العلاقة بين الإسلام السياسي والفنون، حيث تحولت الثقافة إلى ساحة صراع سياسي، بدلًا من أن تكون جسرًا للتواصل الحضاري.

في العالم العربي أثار المشهد مخاوف المثقفين والفنانين من أن تتحول مدنهم إلى نسخ من باميان أو الموصل. فالهجوم على الفنون لم يكن بعيدًا عن الهجوم على حرية التعبير والديمقراطية.

حادثة تحطيم تماثيل بوذا لم تكن مجرد فصل من فصول التاريخ الأفغاني، بل كانت رمزًا عالميًا لخصومة طويلة بين الحركات الإسلامية المتشددة والفنون، فالخصومة ليست مع الأصنام القديمة بقدر ما هي مع حرية الإنسان وتعدديته.

وحين يتكرر المشهد في الموصل أو في خطابات الإسلاميين في مصر، ندرك أنّ المشكلة ليست في تمثال أو في أغنية، بل في رؤية ترى أنّ كل ما لا يخضع للعقيدة هو خطر يجب إزالته أو ترويضه.

إنّ الفن بطبيعته مقاوم للهيمنة، لأنّه يعبّر عن الجمال والحرية والإنسانية، وهذا ما يجعل الإسلاميين يرونه خصمًا. وفي النهاية، تبقى تماثيل بوذا المحطمة شاهدًا على صراع لم يُحسم بعد: صراع بين من يريد أن يُبقي باب الخيال مفتوحًا، ومن يريد أن يُغلقه باسم العقيدة.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية