
"وكنا نخوض مع الخائضين"
في مشهد يبدو متناقضًا على السطح، تتسارع المعرفة بشكل غير مسبوق، وتتكاثر مصادر المعلومات بفضل الإنترنت والتقنية، لكن بالتوازي مع ذلك، نشهد أيضًا تطورًا مذهلاً للجهل. ليس الجهل بالمعنى الكلاسيكي البسيط، بل جهل جديد معقّد، مدعوم بالتكنولوجيا، ومزيَّن بثقة زائفة في الذات.
هذه ليست مفارقة غريبة، بل سُنّة كونية وتاريخية متكررة: كلما تطوّر العلم، تطوّر الجهل كذلك، ولكن بأقنعة جديدة وأدوات أكثر تأثيرًا. فحين يظهر اكتشاف علمي عظيم، يظهر على النقيض منه خطاب مضاد، يلبس أحيانًا لباس العقلانية، ويتسلح بلغتها، لكنه يقوم في جوهره على التشكيك لا للتدقيق، بل للتقويض.
في التاريخ شواهد كثيرة. حين قال كوبرنيكوس بأن الأرض تدور حول الشمس، لم يكن الرد مجرد رفض، بل معارضة مؤسساتية وثقافية كاملة. لم يكن الجهل في حينها مجرد نقص في المعلومة، بل مقاومة منظمة للعلم، لأنها تهدد البنية الفكرية والسلطة القائمة.
وفي العصر الحديث، حين أُعلن عن خريطة الجينوم البشري، تصاعدت موجات من التفسيرات المغلوطة، والمخاوف المفتعلة، والادعاءات غير العلمية حول "التحكم في الإنسان"، و"صناعة البشر"، و"لعب دور الإله". لم تكن المشكلة في عدم فهم الجينوم، بل في استغلال الجهل العام به لبث خطاب يقوم على إثارة القلق والخوف.
اليوم، ورغم وفرة المحتوى العلمي، ما زلنا نرى من يشكك في كروية الأرض، ويصفها بـ"الخدعة الكبرى". هذه ليست عودة إلى الجهل الكلاسيكي، بل ولادة لجهل جديد: جهل يستخدم أدوات المعرفة الحديثة، من فيديوهات مصممة بإتقان، إلى مقاطع بصوت واثق ومؤثر، لكنها تبث مفاهيم مغلوطة، تستهوي من يشعرون بالغربة أو التهميش أو الرغبة في التميز أيّاً كان.
وقد يكون هذا الجهل أكثر خطرًا من الجهل التقليدي، لأنه مغلف بثقة عالية، ويمنح من يعتنقه شعورًا بالتفوق، وكأنهم "المتيقظون" الذين اكتشفوا ما لم يكتشفه الآخرون. وهنا تكمن المفارقة: أن يعتقد الجاهل أنه أكثر وعياً وإدراكاً من الآخرين، والإعلام الرقمي ساهم في تضخيم هذه الظاهرة، من خلال خلق بيئات معلوماتية مغلقة، حيث يرى المستخدم فقط ما يتوافق مع معتقداته. يُسمى هذا بـ"فقاعة الترشيح" (Filter Bubble)، وهي آلية تعمل بها الخوارزميات لترشيح المحتوى بناءً على سلوك المستخدم، مما يعزله عن الآراء والحقائق المخالفة. وهكذا، يظن من يعيش داخل هذه الفقاعة أنه محاط بالإجماع، بينما هو في الحقيقة محاط بترددات وانعكاس ذاته فقط.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من الجهل لم يعد هامشيًا، بل أصبح مؤثرًا في قرارات عامة. رأينا كيف أثّر التضليل الرقمي في نتائج انتخابات، وكيف غذّى حركات إنكار التغير المناخي، أو الرافضين للقاحات، رغم وفرة الأدلة العلمية على عكس ما يزعمون. بل إن بعض هؤلاء باتوا يستشهدون بأبحاث علمية بشكل مجتزأ أو خارج سياقها، ليعززوا بها خطابًا مناهضًا للعلم!
لقد أصبح الجهل اليوم حالة ثقافية، لا مجرد نقص معرفي. هو يُغذى بالشعور بالاستقلالية، ويُغلف بخطاب التمرد، ويُروّج له تحت لافتات الحرية في التفكير، لكنه في جوهره يعكس أزمة في فهم حدود المعرفة وأدواتها.
في مدارسنا وجامعاتنا، نحتاج اليوم إلى ما هو أكثر من نقل المعلومات: نحتاج إلى تعليم الشك المنهجي، وتدريب الطلاب على التحقق، والتمييز بين المصدر الرصين والمحتوى المضلل. فالمعلومة لم تعد نادرة، بل النُدرة الآن في الفهم العميق، وفي أدوات التمييز، وفي الشجاعة للاعتراف بـ"لا أعلم" حين لا نعلم.
حتى في النقاشات اليومية، صرنا نواجه هذا النوع من الجهل: أن يتحدث أحدهم عن نظرية علمية معقدة بنبرة حاسمة، دون خلفية علمية حقيقية، وأن يرفض أي رأي يخالفه، لا لأنه ناقشه وفنّده، بل لأنه فقط "لا يشبه ما يؤمن به".
ويكفي أن نتأمل في بعض الشخصيات المؤثرة على وسائل التواصل، التي تحظى بمتابعة واسعة، وتُقدَّم كـ"مفكرين مستقلين"، بينما يقوم محتواهم في الواقع على تبسيط مخل، واستعراض ظاهري، وضجيج عالٍ يغطي على خواء معرفي.
من المهم هنا أن نُدرك أن هذا الجهل لا يزول بالحقائق فقط، بل يحتاج إلى منهجية في الخطاب، وإلى صبر في التعليم، وإلى نماذج ملهمة تمارس المعرفة كتأمل وتواضع، لا كادعاء واحتكار.
المعرفة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لا تُقاس فقط بما تعرفه، بل بكيفية استخدامك لما تعرف. فهناك من يملك قدرًا هائلًا من المعلومات، لكنه يستخدمها في ترسيخ الانحيازات أو تأكيد المواقف، لا في توسيع الأفق أو اختبار الفرضيات. ومقابل ذلك، قد تجد شخصًا لا يملك الكم نفسه، لكنه يحسن توظيف ما يعرف في توليد أسئلة، وتوسيع مدارك، وتحفيز النقاش.
خذ على سبيل المثال الطريقة التي تُستخدم بها العلوم في بعض المناظرات السياسية أو الدينية: يُستشهد بنظرية أو دراسة علمية لتأكيد رأي معين، دون فهم السياق الكامل أو حتى المنهجية التي بُنيت عليها. يُنتزع الاقتباس من مكانه ليُوظف في خطاب لا علاقة له بجوهر العلم. وفي التاريخ، شهدنا مثل هذه الممارسات منذ عصور الكنيسة التي كانت تستخدم نصوصًا علمية أو فلسفية مجتزأة لتدعيم سلطتها، وصولاً إلى الأنظمة الحديثة التي تنتقي ما يخدم أيديولوجيتها.
الجهل الجديد، لا يُكافَح بتوفير المعلومات فقط، بل ببناء ثقافة تسأل، وتشك، وتستفسر، وتتأمل. ثقافة لا ترى في المعلومة خاتمة، بل بداية لحوار. ثقافة تُربّي العقل على التواضع المعرفي، لا على الغرور المعلوماتي. مجتمعٌ يُشجّع على قول "لا أعلم" بصدق، خير من مجتمع يقدّس الادعاء.
وفي زمن التشويش، يكون أوضح الأصوات هو الصوت الذي يعترف بتعقيد الحقيقة، ويقبل بأنه لا يملكها كاملة. في عالم يتسابق فيه الجميع على إصدار الأحكام، يصبح أكثر الناس وعيًا هو من يؤمن بأن الحقيقة لا تُختصر في تغريدة، ولا تُختزل في مقطع، وبناء مجتمع معرفي حقيقي لا يبدأ من إغراقه بالمعلومات، بل من تعليمه كيف يتعامل معها. من غرس منهجية فكرية قائمة على النقد الذاتي، والبحث النزيه، والقبول بتعدد التفسيرات. وهذا لا يتم إلا إذا اعتُبرت المعرفة مسؤولية، لا وسيلة للزهو. وإذا أُعيد تعريف المثقف لا باعتباره من يملك أكبر عدد من المعلومات، بل من يُحسن توظيفها لخدمة الحقيقة، لا لتأكيد ذاته.
عن صفحة الكاتب الشخصية في فيسبوك

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%A8%D8%A7%D9%85%D8%A7_2_0.jpg.webp?itok=YZq101_0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_0.jpg.webp?itok=ZtSgI9Dk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/724158446_122130177477154944_7628977075908430200_n.jpg.webp?itok=VrIHF1DT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_1.jpg.webp?itok=g6wDAP5i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1%20%D8%A8%D9%86%20%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83_2.jpg.webp?itok=8oiGqW89)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A_%D8%B3%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3.jpg.webp?itok=8CTlRjMJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_0.jpg.webp?itok=xcb0CJSf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9_1_3.jpg.webp?itok=6SxxGstd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/nhj_4_1_0.jpg.webp?itok=kmavJWBY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/144_1.jpg.webp?itok=7-35tSaW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_2_1.jpg.webp?itok=5pmY_-AE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_3_2_3.jpg.webp?itok=wGnFVh_c)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1.jpeg.webp?itok=NWckZXvy)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/shutterstock_691088758_0_1.jpg.webp?itok=J3_6oJup)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_23.jpg.webp?itok=psAtISEJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f5293688-9864-4ce0-b5fd-1b2017e77ac2_0.png.webp?itok=DHNzQ9OE)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)