
رغم ادعاء جماعات الإسلام السياسي تقديم حلول شاملة للمجتمعات العربية، كشفت التجربة على الأرض فجوة كبيرة بين شعاراتها وخدماتها الفعلية، فمن تونس إلى مصر ومرورًا بليبيا، يركز خطاب الجماعات على الرمزية والأيديولوجيا أكثر من برامج قابلة للتطبيق، ما أدى إلى تراجع الثقة الشعبية حتى بين أنصارها التقليديين.
وقد أظهرت السنوات الأخيرة ميل هذه الجماعات إلى استغلال الأزمات السياسية والاقتصادية لتعزيز نفوذها بدل معالجة جذور المشكلات، فالخطاب الديني والأيديولوجي يقدم نفسه كحل شامل، لكنه غالبًا يفتقد القدرة على إدارة مؤسسات الدولة أو تنفيذ سياسات فعّالة، مما يولّد إحباطًا واسعًا بين المواطنين.
وابرز مقارنة التجارب بين تونس ومصر وليبيا اختلاف السياقات، لكنها تؤكد أن الجماعات نفسها تواجه قيودًا منهجية تجعل ترجمة خطابها إلى واقع ملموس مهمة صعبة. هذا القصور الهيكلي يضعف مشروعها السياسي على المدى الطويل ويقوّض مصداقيتها أمام المجتمع.
الخطاب الأيديولوجي مقابل الأداء المؤسسي
في تونس، ركّزت حركة النهضة على الهوية الدينية والخطاب الرمزي، لكنها لم تقدم حلولًا اقتصادية ملموسة للشباب أو للقطاع الخاص، واقتصرت برامجها على وعود عامة بلا خطط تنفيذية واضحة.
أما تجربة الإخوان في مصر قبل 2013 فقد أظهرت نفس الفجوة: شعاراتهم حول العدالة الاجتماعية وإصلاح التعليم لم تُترجم إلى إدارة فعّالة لمؤسسات الدولة، ما أدى لانهيار مشروعهم سريعًا بعد وصولهم للسلطة.
وفي ليبيا، اعتمد الإسلام السياسي على استقطاب مناطق النفوذ عبر الحماية الأمنية والخدمات الجزئية، لكنه لم يطور خططًا تنموية شاملة، ما جعل قوائم مستقلة تتفوق عليه في الانتخابات المحلية. التركيز على الرمزية الدينية والهوية بدل الحلول العملية خلق فجوة واضحة بين الإعلان والتنفيذ وأثر سلبًا على قاعدة الدعم الشعبي المستدام.
استغلال الأزمات والفجوة بين الوعود والتنفيذ
الجماعات تستثمر أزمات الفقر والبطالة والصراعات السياسية لتوسيع نفوذها، لكنها غالبًا تترك المشكلات قائمة. النهضة في تونس استغلت احتجاجات العمال والشباب لكسب الدعم السياسي، لكنها لم تطوّر برامج قابلة للتطبيق.
واستخدم الإخوان في مصر الأزمات لتعزيز خطاب الشرعية الدينية، لكن ذلك لم يحقق تغييرات ملموسة في حياة المواطنين.
وفي ليبيا، اقتصرت الجماعات على السيطرة الرمزية والتمثيل السياسي دون تقديم حلول فعلية، ما أضعف التنمية المحلية وزاد إحباط المجتمع.
كما تحاول الجماعات بيع صورة الحل الشامل عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن الواقع يكشف محدودية قدراتها التنفيذية. الشعارات حول الحكم الرشيد والتنمية غالبًا ما تُستبدل بالهيمنة على مؤسسات الدولة أو السعي للتحالفات السياسية، مما يؤدي لفقدان الثقة الشعبية وتراجع الدعم بين الطبقات الوسطى والشباب.
ضعف التمكين المؤسسي والتعليم السياسي
كذلك، تواجه جماعات الإسلام السياسي عقبات أساسية في بناء مؤسسات فعّالة ومستدامة، النهضة، مثلا، اعتمدت في تونس على شبكات حزبية محدودة بدل تطوير أجهزة حكومية، مما جعلها عاجزة عن الاستجابة للمتطلبات اليومية للمواطنين.
وفي مصر، افتقد الإخوان تجربة مؤسسية طويلة الأمد واعتمدوا على قيادة مركزية، ما أدى لهشاشة مؤسساتهم بعد الإطاحة بهم، فيما جعل غياب برامج تعليم سياسي شامل المواطنين أقل قدرة على تقييم البدائل العملية، وزاد اعتمادهم على الوعود الإعلامية بدل الإنجازات الواقعية.
أما في ليبيا، فغياب الدولة الموحدة دفع الجماعات للاعتماد على القوة والسيطرة بدل تطوير البنية التحتية والخدمات العامة، مما عرقل مشاريعها التنموية، خصوصا أن ضعف المؤسسات التعليمية والسياسية يزيد من اعتماد الجماعات على القيادة المركزية ويحد من قدرة الشباب والمواطنين على المشاركة الفعلية.
استقطاب الشباب والتأثير الاجتماعي والنفسي
ويمثل الشباب فئة استراتيجية لاستمرار نفوذ الجماعات، لذلك يُوجّه الخطاب الديني والأيديولوجي إليهم بطريقة جذابة عاطفيًا أكثر من كونه واقعيًا، حيث ركزت النهضة على استغلال إحباط الشباب الاقتصادي والاجتماعي لتقديم نفسها كخيار أساسي، مع تسويق الهوية الدينية كوسيلة للانتماء المجتمعي.
هذا ووظف الإخوان في مصر الجمعيات الشبابية والمساجد لنشر برامج تعليمية ودعوية، لكنها غالبًا ما ركّزت على الرمزية أكثر من الجانب العملي، ما جعل الشباب يكتشف فجوة كبيرة بين الوعود والخدمات الحقيقية ويشعر بالإحباط النفسي والاجتماعي.
وفي ليبيا، استخدمت الجماعات الشباب كعنصر سياسي وأمني، مع توظيف النزاعات المحلية لصالحها، ما أدى إلى شعور العديد منهم بالعزلة أو الاستغلال، خصوصًا الذين لا ينتمون فكريًا للجماعة المسيطرة. غياب البرامج الاقتصادية والتعليمية العملية يترك الشباب أمام إحباط مستمر ويحد من قدرتهم على المشاركة البناءة في المجتمع.
التحديات الاقتصادية والاجتماعية وتأثيرها على الاستراتيجية السياسية للإسلام السياسي
كذلك، تعاني الدول العربية من أزمات اقتصادية متفاقمة تشمل البطالة المرتفعة، التضخم، وانخفاض مستوى الخدمات العامة، وهو ما استغلته جماعات الإسلام السياسي لتقديم نفسها كخيار بديل، من خلال خطاب يعوّل على معاناة المواطنين ويقدّم حلولًا رمزية أكثر من كونها واقعية.
وكانت النهضة قد ركزت على تسويق برامج قصيرة الأمد للشباب المتعطل اقتصاديًا، لكنها لم تقدم خططًا تنموية مستدامة تلبي حاجات السوق أو تساهم في خلق فرص عمل فعلية.
وفي مصر، حاول الإخوان استخدام الأزمات الاقتصادية لتعزيز شرعيتهم الدينية والسياسية، مع التركيز على برامج إعلامية وجمعيات شبابية، لكن محدودية قدرة الجماعات على إدارة الاقتصاد بشكل فعلي تركت المواطنين أمام واقع معقد من البطالة والفقر، ما أدى إلى إحباط شعبي واسع.
أما في ليبيا، فقد أدت الفوضى الأمنية والسياسية بعد 2011 إلى تركيز الإسلام السياسي على السيطرة الرمزية والسياسية، مع غياب أي خطط تنموية شاملة، مما قلل من قدرة الجماعات على تحسين الوضع المعيشي للسكان.
وقد خلقت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ضغطًا إضافيًا على جماعات الإسلام السياسي، فهي تحتاج إلى استغلالها لتعزيز نفوذها، لكنها في الوقت نفسه تواجه قيودًا منهجية تحول دون تقديم حلول ملموسة.
هذا التوازن بين الاستراتيجية السياسية والقدرة الواقعية على التنمية يجعل الجماعات عرضة لفقدان الثقة الشعبية على المدى الطويل، ويؤكد أن الخطاب الرمزي وحده لا يكفي لبناء قاعدة دعم مستدامة أو مشروع سياسي متين.
وتجمع التجارب في تونس ومصر وليبيا على أن جماعات الإسلام السياسي تواجه فجوة منهجية بين خطابها الأيديولوجي وقدرتها على تقديم بديل ملموس وفعلي، وأن فشلها في تطوير مؤسسات قوية، واستغلال الأزمات دون حلول عملية، والفجوة بين الوعود والتنفيذ، وصعوبة استقطاب الشباب بشكل فعّال، أدى إلى إحباط شعبي متزايد وتراجع الدعم الشعبي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_0_0_0.jpeg.webp?itok=CuBtOjGE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_11_0.jpg.webp?itok=iFMtJzCq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88.png.webp?itok=eu5RJzX1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/vnXftEgrfkO1CGM4zGgpuo55bYYqqWhVbB03QWvXHraNNsEDZ2aVBAkUs5c2tU8YcfGycikZJ3jMOhlWlLJq0O-lOyXc0dnbNuOSEjJet2NJ0V3SFV4xt-hJbQFQIeCDow379WL_U-cB-oSyAfJ_qgitFMqtv5XFbMJ-YOK5wHYavNyGtfEhkusfmBbCSYbf.jpg.webp?itok=F8oCHltZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1_0.jpeg.webp?itok=y3SeYLL3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B7%D8%A7%D8%B1%D9%82%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%A8%D9%8A%D8%B4%D9%8A_5.jpg.webp?itok=V_LtmeJb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85_13_0_0.jpg.webp?itok=zM_2p5AG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_11_0_1_0.jpg.webp?itok=IWdVqLIR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_0_4_1_0_1_0_0_1_0.jpg.webp?itok=T28JJ5Jb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_1.jpg.webp?itok=PcOhi24A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_170_0_0.jpg.webp?itok=uBanyx7g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_1.jpg.webp?itok=Ph3gYkX2)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1_0.jpg.webp?itok=gmXBdafb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-07-22%20121756.png.webp?itok=Tg08poTc)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1DSf20GdSOuqTcb5oTVxHNrKFIBmIU31yHMRZdN9Hox6vtEIeX4Lb61Rw87zVA6_UMPtu8vNtKDK_R5jVmtCbIDJC0lX-m0GJDCrICSxKG-2CJeNxUYtlVgw3GO24AnqN5v33z7-3agYfLRVjTtRY_0DHLjSsfvJKplpLbaxIXJSXvUUfe9HDlSUNJbDQL2W%20%281%29.jpg.webp?itok=kjRp-3UQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/998f23e6-96f8-411e-9bf2-790b602921ca.png.webp?itok=8qzm2hkp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_3_0.jpg.webp?itok=4fNjnbd7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/news-240423-sudan.harb__0_0_0_0_1_0.jpg.webp?itok=IaVQN1E4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

