
في مقابلة صحفية من نيروبي حدّد اللواء (م) فضل الله برمة ناصر، رئيس حزب "الأمّة القومي" المتنازع على رئاسته، الخطوط الحمراء لتحالف "السودان التأسيسي" (تأسيس) وحلفائه: "لا تفاوض مع الحركة الإسلامية وواجهاتها، وأيّ مسار سياسي مقبل سيكون حصراً مع القوات المسلحة، بشرط إبعاد الإسلاميين عن العملية برمّتها". هذا التموضع الحادّ لا يكتفي بتشخيص جذور الحرب التي اندلعت في نيسان (أبريل) 2023، بل يسعى إلى بناء "هندسة حل" جديدة، تقرن الضغط العسكري بمسار سياسي بديل، وتستمد شرعيتها من وثائق "تأسيس" الدستورية والسياسية.
من جدة والمنامة إلى "تأسيس": إعادة تعريف طاولة التفاوض
ينطلق برمة ناصر من تقييم حازم لتجارب الوساطة السابقة، ويرى أنّ الإسلاميين "أطلقوا الرصاصة الأولى" وأفشلوا مساعي وقف القتال، بما في ذلك مسار جدة واتفاقات المنامة. وعمليّاً، شهدت محادثات جدة، التي رعتها الرياض وواشنطن منذ أيار (مايو) 2023 إعلانات متكررة لوقف إطلاق النار سرعان ما انهارت، قبل أن تتعطل الجولات لاحقاً بسبب عدم التزام الطرفين بإجراءات بناء الثقة. هذا المسار، وإن أنتج اتفاقات قصيرة الأجل، فقد أخفق في تثبيت هدنة مستدامة.
أمّا "اتفاق المنامة"، فقد ظلّ موضع جدل بين نفي وتأكيد لوجود "وثيقة مبادئ" ناقشها ممثلون للطرفين؛ وعلى أيّ حال لم يتحوّل إلى آلية تنفيذية قادرة على وقف الحرب. لذا يطرح برمة ناصر قاعدة جديدة: التفاوض فقط مع الجيش، بعد تحييد الإسلاميين، بما يُسقِط أيّ فيتو أو مقايضة تُعيد تمكينهم سياسياً.
ماذا يريد تحالف "تأسيس"؟
لا يكتفي تحالف "تأسيس" بالخطاب؛ فقد صاغ "ميثاقاً سياسياً" ودستوراً انتقالياً يتضمنان تصوّراً للدولة والنظام الانتقالي: "دولة مدنية فيدرالية علمانية، وانتقال طويل نسبياً (يصل إلى عشر سنوات)، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية بتوحيد القوات في جيش وطني جديد، مع تقسيم إداري على أساس الأقاليم وتفكيك تركة نظام الثلاثين من حزيران (يونيو)". وقد برزت أسماء مدنية بارزة داخل هذا الإطار، وصيغته تُقدَّم كـ "بديل حكومي" يطلب الاعتراف الدولي على قاعدة "فرض الواقع" ميدانياً مع طرح رؤية للسلام.
تقول رواية برمة ناصر: إنّ حزبه سيشارك في حكومة "تأسيس" على مختلف المستويات، بينما يتفرّغ هو لـ "جمع الصف الوطني"؛ وهو ما يوحي برغبة في مأسسة الإطار السياسي وتحصينه من الشخصنة، وإرسال إشارات طمأنة إلى الداخل والخارج بأنّ التحالف أكبر من زعامات فردية. لكنّ الإشكاليات تبدأ من الداخل: فالرجل يقرّ بوجود خلافات داخل الأمّة مع شخصيات تؤيد حكومة بورتسودان، ويهدّد بفصلها لابتعادها عن خط الحياد، ممّا يعكس دينامية انقسام حزبي لا تنفصل عن الاستقطاب الوطني الأكبر.
موازين القوة على الأرض: من دارفور إلى كردفان
يستند خطاب تحالف "تأسيس" إلى واقع ميداني متحرك. ففي دارفور رسّخت قوات الدعم السريع سيطرتها على معظم العواصم الولائية خلال 2023، وبقيت الفاشر استثناءً صامداً تحت حصار مطوّل ومعارك كرّ وفرّ، وسط كارثة إنسانية تتفاقم يوماً بعد يوم. هذا الواقع يمنح تحالف "تأسيس" هامشاً سياسيّاً للمناورة يستثمر السيطرة والنفوذ الميدانيين، لكنّه يضعه أيضاً تحت مجهر المساءلة الحقوقية.
في كردفان، تتقاطع خطوط النار مع حسابات التحالفات: الحركة الشعبية ـ شمال بقيادة عبد العزيز الحلو تهيمن تاريخياً على أجزاء من جنوب كردفان، وقد ارتبط اسمها مؤخراً بتحالف "تأسيس" ضمن سردية تحالفية، مع استمرار معارك كادقلي والدلنج وقطع الطرق الحيوية. وعلى الرغم من محاولات مشتركة للتقدم، لم يحسم أيّ طرف السيطرة الكاملة. هذا التعقيد يُظهر أنّ الكاسر الحقيقي لمعادلة الحرب ليس "تقدّم جبهة واحدة"، بل بناء ترتيبات أمنية محلية وإقليمية داخل كل مسرح عمليات.
معضلة الشرعية: بين "الاعتراف بالواقع" و"الفيتو الحقوقي"
يراهن برمة ناصر على أنّ العالم يتعامل مع الواقع، وأنّ حكومة "تأسيس" ستفرضه عسكرياً بينما تعرض رؤية سلام. غير أنّ الاعتراف الدولي لا يُمنح بميزان الميدان وحده. فالتقارير الحقوقية الأممية والدولية وثّقت انتهاكات جسيمة وجرائم حرب على أيدي الطرفين في محطات عدة، مع تحميل قوات الدعم السريع وحلفائها قسطاً وازناً من الانتهاكات في دارفور والجزيرة وغيرها، بما في ذلك اتهامات بالتطهير العِرقي والعنف الجنسي واسع النطاق. مثل هذه السردية الحقوقية، الموثقة بكرّاسات طويلة، تُصعّب أيّ عملية تطبيع سياسي خارجي بلا مساءلة أو مسار عدالة انتقالية واضح.
مراقبة حقوق الإنسان
وعلى الضفة المقابلة، سُجّلت أيضاً انتهاكات منسوبة إلى الجيش، بينها هجمات جوية عشوائية أوقعت مدنيين، ممّا يعني أنّ فكرة تعويم الاعتراف لا تنفصل عن حزمة شروط تتعلق بحماية المدنيين، وفتح ممرات إنسانية، والتزام صارم بقانون النزاعات، وإطار عدالة انتقالية غير انتقائي. من دون ذلك سيظل الفيتو الحقوقي حاضراً في عواصم القرار.
الإسلاميون بين "الإقصاء" و"الوزن التنظيمي"
جوهر أطروحة برمة ناصر يقوم على نزع الشرعية السياسية عن الحركة الإسلامية وواجهاتها، انطلاقاً من مسؤوليتها، حسب رأيه، عن إشعال الحرب وإفشال المسارات التفاوضية. لكنّ المعضلة العملية هي أنّ الإسلاميين يمتلكون رصيداً تنظيمياً متجذّراً داخل بعض مؤسسات الدولة، ونفوذاً داخل شبكات الاقتصاد والمجتمع، وتأثيراً متفاوتاً داخل الجيش عبر شخصيات وقنوات دعم، وفق تقارير وتحقيقات غربية وعربية.
هذا الوزن لا يختفي بقرار سياسي، وإن أمكن تحييده تفاوضياً. وأيّ تسوية تستبعد الإسلاميين تماماً قد تدفعهم إلى التخريب من خارج العملية، بينما إدماجهم من جديد، بلا مساءلة، يقوّض مطلب القطع مع إرث الحكم الشمولي. وهنا تظهر الحاجة إلى صيغة دقيقة: استبعاد المتورطين في الجرائم والانتهاكات وإخضاعهم للمساءلة، دون تحويل الساحة إلى اجتثاث شامل يستولد مقاومات تحتية.
أين يقف حزب الأمّة؟
تصدّر حزب الأمّة تاريخياً مشهد الوسط السياسي السوداني، بقدرته على التمدد بين قاعدة ريفية وشرائح في المدن. لكنّ الحرب الحالية خلخلت خرائط الولاء التقليدية، ودفعت الأحزاب الكبرى إلى إعادة التموضع. إعلان برمة ناصر المشاركة في حكومة "تأسيس"، مع التحفّظ على دور شخصي مباشر، يحاول الجمع بين شرعية حزبية عريقة وواقع ميداني مستجدّ، لكنّه يغامر بزيادة الانقسام الداخلي، ويضعف قدرة الحزب على لعب دور الجسر بين معسكرين مسلّحين. على حزب الأمّة أن يختار: إمّا الانصهار الكامل في مشروع "تأسيس"، وإمّا الوساطة المدنية العابرة للمتاريس، وهي مهمة مستحيلة، إن بقي الخطاب حاداً في الإقصاء.
فرص "تأسيس" وحدودها
قوة "تأسيس" اليوم تنبع من ثلاثة عناصر: (1) وثيقة سياسية - دستورية تسوّق نموذج دولة ما بعد الحرب، (2) غطاء ميداني تتيحه سيطرة حلفائه على مساحات واسعة غرباً وجنوباً، (3) خطاب قطيعة مع الإسلاميين يستثمر مزاجاً عامّاً ناقماً على إرث الإنقاذ. لكنّ الحدود واضحة أيضاً: الكلفة الإنسانية الكارثية للحرب (نزوح بالملايين ومجاعة تطرق الأبواب)، وسجل الانتهاكات الذي يثقل أيّ طلب اعتراف، والتشابك الإقليمي الذي يجعل ميزان القوى رهينة حسابات عابرة للحدود. وأيّ مسار سياسي قابل للحياة يحتاج إلى هندسة ثلاثية: وقف عدائيات يمكن التحقق منه، ودخول إنساني غير مشروط، وتفاهم مدني ـ عسكري لا يسمح بالإفلات من العقاب ولا يعيد إنتاج الاستبداد.
وأخيراً، يقدّم برمة ناصر مقاربة صدامية في شكلها، براغماتية في مقصدها: تفريغ ساحة التفاوض من الإسلاميين باعتبارهم، وفق روايته، عقبة بنيوية، والذهاب إلى صفقة مباشرة مع الجيش تُسندها قوة ميدانية لتحالف "تأسيس" وحلفائه. هل تكفي؟ ليس من دون مسار حقوقي واضح، وترتيبات أمنية مُحكمة على مستوى الأقاليم، وبناء حاضنة مدنية تتجاوز الاصطفافات القديمة.
وإذا كان تحالف "تأسيس" يريد اعترافاً دولياً بناءً على الواقع، فعليه أوّلاً أن يُعيد تعريف هذا الواقع: انضباط ميدانيّ، وحماية المدنيين، ومشاريعُ حُكمٍ محلّي قابلة للحياة؛ وإلّا فإنّ شرعية الأمر الواقع ستبقى معلّقة بين نار الميدان ودفاتر الانتهاكات.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

