واشنطن تُشهر بطاقة "التصنيف الإرهابي" في وجه الإخوان... قراءة في كواليس الموقف الأمريكي وأبعاده

واشنطن تُشهر بطاقة "التصنيف الإرهابي" في وجه الإخوان... قراءة في كواليس الموقف الأمريكي وأبعاده

واشنطن تُشهر بطاقة "التصنيف الإرهابي" في وجه الإخوان... قراءة في كواليس الموقف الأمريكي وأبعاده


14/08/2025

في تصريح لافت يُنبئ باقتراب مرحلة جديدة من المواجهة السياسية والأمنية مع جماعة الإخوان المسلمين وأذرعها في الولايات المتحدة، كشف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن تحركات جادة تقوم بها إدارته لتصنيف الجماعة، إلى جانب منظمة "كير" (مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية)، كجماعتين إرهابيتين. وأوضح روبيو أنّ وزارته بصدد تجهيز ملف من الأدلة القانونية والوثائقية الكافية لتجنب أيّ طعون قضائية محتملة على القرار، بما يضمن تحصينه أمام القضاء الأمريكي، المعروف بصرامته في مسائل الحريات المدنية وحرية التنظيم.

هذا الإعلان، الذي جاء خلال مقابلة لروبيو في برنامج "سِيد أند فريندز إن ذا مورنينغ"، لم يكن مجرّد تصريح عابر، بل بدا أقرب إلى رسالة مزدوجة، موجهة إلى الداخل الأمريكي من جهة، وإلى الحلفاء والشركاء في الشرق الأوسط من جهة أخرى، تؤكد أنّ واشنطن تتهيأ لخطوة غير مسبوقة في تاريخ علاقتها المعقدة مع التنظيم الدولي للإخوان.

تصعيد في الخطاب 

لغة روبيو حملت دلالات واضحة على أنّ الإدارة الأمريكية، أو على الأقلّ أنّ جناحًا مؤثرًا داخلها، يرى أنّ أيّ عملية سلام حقيقية في المنطقة مشروطة بالتخلص من البنى المسلحة المرتبطة بالإخوان.

الخطوة التي أعلن عنها روبيو تستند إلى سياق أوسع من مجرد التصريحات، إذ يشير مراقبون إلى أنّ إدارة الرئيس الأمريكي الحالية باتت أكثر تقبّلًا للضغوط الداخلية والخارجية التي تطالب منذ سنوات بتصنيف الإخوان جماعة إرهابية. وكانت دول عربية، على رأسها مصر والسعودية والإمارات، قد اتخذت خطوات مماثلة قبل أعوام، وظلّ الموقف الأمريكي متحفظًا بحجة غياب "الأدلة القاطعة" أو مخاوف من المساس بحقوق التجمع والتعبير.

أمّا منظمة "كير"، التي تأسست في واشنطن عام 1994 وتقدّم نفسها بوصفها مدافعةً عن حقوق المسلمين في الولايات المتحدة، فقد واجهت اتهامات متكررة بالارتباط بأجندات الإخوان ودعمها لجماعات متطرفة في الشرق الأوسط. وبحسب منتقديها، فإنّ المنظمة تمثل الوجه "الناعم" للتنظيم الذي يعمل على تحسين صورته والتأثير على السياسات الأمريكية من الداخل.

إعلان روبيو عن تجهيز الأدلة لا يقلّ أهمية عن مضمون القرار نفسه، فهو يعني أنّ الإدارة الأمريكية لا تريد الاكتفاء بإعلان سياسي قد يسقط أمام المحاكم، بل تسعى إلى صياغة ملف قانوني متكامل يربط بين الإخوان و"كير" من جهة، وبين أنشطة إرهابية أو دعم مادي ومعنوي لجماعات مصنفة إرهابية من جهة أخرى.

مثل هذا القرار، إن اتُخذ، فسيكون له أثر بالغ على وجود الجماعة في الولايات المتحدة، التي تشكّل إحدى أهم ساحاتها منذ عقود، سواء على مستوى النشاط الدعوي أو السياسي أو الإعلامي. وسيعني أيضًا تضييق الخناق على شبكة العلاقات التي بنتها الجماعة مع دوائر سياسية وحقوقية وإعلامية مؤثرة في واشنطن.

تداعيات محتملة في الداخل الأمريكي

من المتوقع أن يثير أيّ تصنيف رسمي للإخوان و"كير" كجماعتين إرهابيتين جدلاً واسعًا داخل الولايات المتحدة، بين مؤيد يرى أنّ الخطوة ضرورية لمكافحة التطرف، ومعارض يعتبرها انتهاكًا لحقوق التنظيم والتعبير. وفي ظل الانقسام الحاد بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، قد يتحول القرار إلى ورقة صراع انتخابي، خصوصًا في ظل اقتراب الاستحقاقات الرئاسية والكونغرسية.

كما قد يفتح القرار الباب أمام ملاحقات قانونية واسعة النطاق، تشمل تجميد أصول وممتلكات، وفرض قيود على السفر، ومراجعة علاقات منظمات أمريكية مع الإخوان أو "كير"، بما في ذلك المؤسسات التعليمية والمراكز الإسلامية التي تتلقى تمويلات خارجية.

ردود الفعل المتوقعة من الجماعة وحلفائها

من المرجح أن تلجأ جماعة الإخوان وأذرعها الإعلامية إلى تصوير القرار ـ في حال صدوره ـ على أنّه استهداف للإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة، في محاولة لاستدرار التعاطف وحشد دعم منظمات الحقوق المدنية. وقد تعيد "كير" إحياء خطابها المعتاد حول "التمييز المؤسسي" و"الإسلاموفوبيا"، مستفيدة من حساسيات الرأي العام الأمريكي تجاه قضايا الحريات الدينية.

لكنّ مراقبين يرون أنّ هذا الخطاب لم يعد يتمتع بالفاعلية ذاتها التي كان عليها قبل عقد، خاصة مع تراكم التقارير الأمنية والاستخباراتية التي تربط بين الجماعة وشبكات تمويل أو دعم فكري لتنظيمات عنيفة في الشرق الأوسط.

البُعد الإقليمي للموقف الأمريكي

تزامن إعلان روبيو مع استمرار الحرب في غزة، ومع تصاعد التوترات في الإقليم، وهو ما يمنح القرار بُعدًا إقليميًا واضحًا. فتصنيف الإخوان و"كير" جماعتين إرهابيتين لن يكون مجرد شأن داخلي أمريكي، بل سيشكّل دعمًا سياسيًا ومعنويًا للدول التي تخوض مواجهة مفتوحة مع الجماعة منذ سنوات، وسيعزز حجتها أمام الرأي العام الدولي.

كما أنّ الخطوة قد تؤدي إلى إعادة رسم خريطة العلاقات بين واشنطن وبعض القوى الإقليمية التي كانت تعتمد على الإخوان كقوة ضغط أو ورقة تفاوض، وهو ما قد يُضعف من نفوذ هذه القوى في ملفات مثل ليبيا وسوريا واليمن.

بين الحسابات السياسية والأمنية

في نهاية المطاف، يعكس موقف روبيو ـ إذا ما تحوّل إلى سياسة رسمية ـ إدراكًا أمريكيًا متزايدًا لخطورة البنية الفكرية والتنظيمية للإخوان، التي أثبتت قدرتها على التكيف مع البيئات المختلفة، والانتقال من العمل السياسي العلني إلى النشاط السرّي أو العابر للحدود.

لكنّ نجاح الخطوة سيعتمد على قدرة الإدارة الأمريكية على مواجهة التحديات القانونية والسياسية التي سترافقها، وعلى استعدادها لتحمل كلفة مواجهة شبكة النفوذ التي بنتها الجماعة في الداخل الأمريكي على مدى عقود.

ولعل اللافت أنّ هذا التحرك يأتي في وقت تعيد فيه واشنطن صياغة أولوياتها في الشرق الأوسط، من خلال التركيز على تحالفات أمنية واقتصادية جديدة، وإعادة النظر في علاقاتها مع القوى الفاعلة في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل والدول العربية المناهضة للإخوان.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية