بين الحُكم كـ "فن" والحُكم كـ "عِلم"

بين الحُكم كـ "فن" والحُكم كـ "عِلم"

بين الحُكم كـ "فن" والحُكم كـ "عِلم"


04/08/2025

في كتابه المرجعي المهم "تكوين الدولة"، فرّق روبرت ماكيفر بين الحُكم بوصفه فنّاً، والحكم باعتباره علماً، وأشار إلى أنّ كل حقبة سياسة تكون في العادة حافلةً بالظروف العصيبة التي تضع الحاكم أمام خيارات حاسمة وعسيرة، وبصورة وأشكال جديدة في كل مرّة. هذه الظروف عادة ما تفضي إلى حالات معقدة ومتعددة الجوانب، ومجموعة من الاحتمالات المشاكسة التي يجب على الحاكم تقدير الموقف والاختيار أو المفاضلة بينها. في هذا السياق الشائك والمتشابك، يرى ماكيفر أنّه ليس باستطاعة أيّ علم يقينيّ بقواعده الثابتة أن يُسعِف صاحب القرار على الاختيار والتقرير المريحين لتوخي العواقب السلبية، وفي الوقت ذاته انتقد الوصايا الميكافيلية الأثيرة التي استوحاها  (ميكافيلي) من تجربته السياسية الشخصية وترى في الحكم كفن يجمع بين المكر والخداع والقسوة في عصر كان شعاره الأبرز "صراع الكل ضد الكل"، وشكك في صلاحيتها وقدرتها على إدارة الدول وتحقيق الاستقرار والتنمية والازدهار في عصر المؤسسات الحديثة، والمجتمع المعاصر.

ليست السياسة علمًا يُعلَّم فقط، بل موهبة تُختبر تحت الضغط، حين تتناسل التعقيدات وتضيق الخيارات ويكون القرار شبيهًا بالمشي فوق جرف.

وفي تاريخ الفكر السياسي اللاحق، كان هناك الكثير من الانتقادات للسياسة بوصفها (فن الممكن) وفق الصيغة الميكافيلية لكونها تُسوّغ للعنف خصوصاً في مجال سياسيّ طبيعي تكون فيه الدولة قد احتكرت الاستخدام الشرعي للقوة المادية (العنف) وباتت لا تواجه أيّ تمردات مسلحة. وفي كتابها الشهير "في العنف"، توقفت حنة آرنت عند المقولة الميكافيلية الشهيرة "الغاية تُبرر الوسيلة" بالنقد، ورأت أنّه عندما تقوم السياسة بتسيير العنف على منوال "الغاية تُبرر الوسيلة" تكون الغاية في العادة مُحاطة بخطر أن تتجاوزها الوسيلة التي تبررها والتي يُصبح من غير الممكن الوصول إليها من دونها". شككت آرنت بالقدرة على ضبط الحدود بين الغاية والوسيلة أو إمكانية الفصل بينهما، وجادلت بأنّ الوسائل التي تروم تحقيق غايات سياسية قد ترتدي في مرات كثيرة أهمية تفوق الأهمية التي تتوخاها الغايات المنشودة.

لا علم السياسة ولا كتب الفلسفة تنقذك حين تداهمك لحظة الحقيقة، وحده الحسّ التاريخي والحكمة يُنقذان الدولة من الحافة.

تربض السياسة في كل زمان ومكان على حقول واسعة من التنافسات والتعارضات والخصومات، على أنّ ما يصبغ كل تجربة هو طريقتها في تحديد الغاية الرئيسية من نموذج ممارستها السياسية، وقد قيل إنّ جُلّ انشغال وتفكير السياسي (بالمعنى الميكافيلي) يتوجه دوماً نحو خصومه الآنيين/ المباشرين، بينما يُفكِّر رجل الدولة (بالمفهوم الحديث) بالأجيال القادمة. ولإعطاء فكرة واضحة ونماذج دالة من واقع تجارب حديثة كانت شديدة التعقيد ومليئة بالتحديات والصعوبات، يمكن الإشارة إلى تجربتي كل من علي عبد الله صالح ونيسلون مانديلا. وصل علي عبد الله صالح إلى الحكم بعد عدد من التحولات والصراعات المأساوية على السلطة، ومع إجادته لممارسة السياسة بالطريقة التقليدية كقدرة على ابتكار الحيل والمراوغات أمام خُصوم لا حصر لهم، أثّرت كثيراً نشأته في بيئة صعبة وافتقاره إلى التعليم الحديث على نموذج حكمه. اشتهرت سياسته بأسلوب "الرقص على رؤوس الثعابين"، والرقص بطبيعة الحال فنٌ، لكنّ التماهي التام مع ممارسته لفنّ الرقص السياسي والاستمتاع به دون التمعن في عواقبه، وفي بلد وصفها أكبر شعرائها (البردوني) بأنّ ركوب الليث أهون من حكمها، جعلته يدخل في سلسلة لا متناهية من متاهات الرقص حتى آخر لحظة في حياته. 

حين يتحول فن الحكم إلى مهارة خداع ومراوغة، يكون الحاكم أقرب إلى راقص على رؤوس الثعابين منه إلى قائد أُمّة.

أمّا نيسلون مانديلا المُتخرّج في واحدة من أعرق جامعات بلاده في تخصص القانون، وانخرط مبكراً في صفوف "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي" الذي أسسته مجموعة من نخب الملوّنين والسود للنضال السلمي في سبيل انتزاع الحقوق الطبيعية للمجتمع الأسود، ومع تصاعد الإجراءات شديدة العنصرية من قِبل نظام الأبارتايد وخروج كثير من جماعات السود عن سكّة النضال السلمي، رأى أنّه إذا لم يتم ترشيد هذا التوجه وإدارته بحيث يتم استهداف مصالح النظام ـ لا البشر ـ للضغط عليه للتراجع عن السياسات العنصرية سيؤدي إلى انفجار الناس وخروج العنف عن السيطرة. رفضت قيادات حزبه الفكرة تماماً في بداية الأمر، وبعد نقاشات عسيرة ومطولة ومع ازدياد الحالة سوءاً، وافقوا بشرط أن يتولى هو نفسه المهمة، وهي المهمة التي نال بسببها حكماً بالمؤبد. وفي السنوات الأخيرة من سجنه، لاحظ أنّ المعتقلين الجدد من الشباب الأسود غير متعلمين، ولا يؤمنون سوى بالوسائل العنيفة الفجّة، الأمر الذي أصابه بالهلع، فطلب فوراً التواصل مع نظام الأبارتايد، وكان وقتها يعاني بسبب تصاعد العنف ومقاطعة عالمية بعد تشوّه سمعته. قاد مانديلا الذي كان وقتها ما زال في "رحلته الطويلة من أجل الحرية" المفاوضات الأولى مع النظام بنفسه في السجن، ودون علم أقرب المقربين إليه لأنّه كان يعلم حجم المعارضة الشديدة للفكرة، وبعد مباحثات استمرت بضعة سنوات تم التوصل إلى الاتفاق التاريخي في جنوب أفريقيا.

في الدولة الحديثة، لا تُبنى الشرعية على الذكاء الفردي، بل على المؤسسات القادرة على تأطير العنف وتنظيم السلطة وتحقيق العدالة.

لقد حاول السياسيون والمشتغلون بالممارسة السياسية إيجاد وصفة حُكم تستطيع أن توفر مصفوفة مبادئ وإجراءات ومعارف وتقاليد أو إطاراً عامّاً يتم فيه إدارة وتنظيم وتقعيد مجموعة واسعة ومتشابكة ومتضاربة في كثير من الأحيان من العلاقات والمصالح والتوجهات والأمزجة والأهواء، وتجميع كل مشارب وأوردة السلطات الأفقية والعمودية في بلدٍ معين في وريد سلطة واحد وبدون حدوث تصادمات أو اللجوء إلى العنف، وبما يُحقق الاستقرار والتنمية. حلّت المؤسسات الحديثة جزءاً كبيراً من مشكلة الفراغ الذي كان ينشأ بين مناطق تماس أو احتكاك العمليات والتدافعات السياسية والاجتماعية عن طريق سن مجموعة من التشريعات والمعايير الصارمة التي لا تقبل الكثير من التأويل والتفسير والتلاعب. ومع الاهتمام الكثيف والمتزايد على طول وعرض الجامعات في العالم في تدريس العلوم السياسية والاجتماعية، وتطوير عدد كبير من النماذج والمفاهيم الأساسية والمداخل والمناهج والنظريات والخطط لتحليل السياسات العامة وتسهيل عملية صناعة القرار، ودراسة الشروط والظروف العامة، ووصف بنية السلطة ومن يتولاها وكيف تُمارس...، ومع كل ذلك تبقى الشكوك قائمة بقوة بين علماء السياسية أنفسهم في قدرة هذه المواد التعليمية والمعرفة المُتْحَصِلة على تأهيل الخريجين وتزويدهم بما يكفي لإدارة الشأن العامة ودون الحاجة إلى مهارات خاصة وسمات شخصية تتعلق بـ "فن الحكم".

أخطر ما في مقولة "الغاية تبرر الوسيلة" أنها تصنع وسيلةً أقوى من الغاية نفسها، فتصبح الوسيلة هي الحُكم لا وسيلته.

منذ وقت مبكر من التاريخ ظهرت محاولات كثيرة لوضع معايير تتعلق بتحديد المُركَّب المثالي لممارسة السلطة والحُكم، وفي كتابه العمدة "الجهورية"، يُجادل أفلاطون بأنّ الحاكم المثالي يجب أن يكون فيلسوفاً، ويفترض بداهةً أنّ كل فيلسوف تكون لديه هذه السمات: حُبّ الحقيقة، ومعرفة عميقة بالعدالة، ويحكم ليس من أجل مكاسب شخصية، ولكن من أجل مصلحة المدينة ـ الدولة، وقد شبّهه بربان سفينة يفترض أن يولي اهتماماً بالغاً بمعرفة الفصول والسماء والنجوم والرياح وكل ما يتعلق بالمركبة. وقد تأثر بعض المفكرين الإسلاميين بآراء أفلاطون مثل الفارابي الذي رأى أنّ وصفة الحكم المثالية ينبغي أن تجمع بين الفلسفة والدين والأخلاق، وهي بدورها قادرة بقيادة البشر نحو الكمال الإنساني. وحدد الماوردي في "الأحكام السلطانية والولايات الدينية" سبعة شروط ينبغي أن تتوفر في الإمام المثالي، بينما ميّز ابن خلدون بين مستويين من الحكم: المُلك الطبيعي حيث تكون فيه الطاعة بالقهر والغلبة، والمُلك السياسي القائم على القانون والعدالة". وإجمالاً كانت هناك خمس سمات أساسية تتكرر دوماً في معظم الأدبيات حتى الحديثة منها كعلامة يتم على أساسها تحديد فن الحكم الجيد: الحكمة والرؤية المستقبلية، والنزاهة الأخلاقية، وخدمة الصالح العام على حساب المصلحة الشخصية أو الحزبية الآنية، والحنكة الدبلوماسية، والشجاعة والالتزام بالمبادئ.

ما يميز رجل الدولة عن السياسي هو حجم الزمن الذي يُفكّر فيه؛ الأول يفكر في الأجيال، والثاني في نتائج الانتخابات القادمة.

وبالعودة إلى ماكيفر الذي يُشدِّد على أنّ مُركّب الحُكم الناجح والرشيد ينبغي أن يجمع بين الاستفادة من أحدث ما تقدمه العلوم من معارف ومناهج بجانب امتلاك الحكمة والمهارة والنباهة في قيادة الشؤون العامة للدولة. إذ يرى أنّه ليس بمقدور أيّ علم وحده مساعدة الحاكم على التعامل مع تعرجات الحقل السياسي شديدة وسريعة الانحدار، ومنع انزلاقاته، وتسوية ملعبه، وبناء نموذج للإدارة الرشيدة، وكما يفعل علم الهندسة عند بناء جسر فوق النهر: "إنّ هندسة الجسر متحررة، ولو تحرراً نسبياً، من أساطير بناة الجسر وعابريه، ولا شأن لها بغاية الشركة التي تولّت البناء أو السلطة العامة التي أقرّته. أمّا فن الحكم ـ شديد التعقيد والتركيب والتشابك- فإنّه مرتبط أشد الارتباط بذلك المُرَكَب الأسطوري الذي يجمع في العادة بين الحكام والمحكومين"، ويجب على كل حاكم مراعاتها بعناية بالغة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية