
كانت حياة درية فارغة عاطفيًا تمامًا، عَمّق ذلك محاولات الارتباط التقليدية الفاشلة التي لم تكمل أيًا منها، إذ لم تجد درية نفسها في أيّ علاقة من تلك التي رتبتها أسرتها أثناء دراستها للدكتوراه. كان ابن خالتها نور الدين رجائي، الطالب المجتهد قد وصل إلى باريس، بعد أن حصل على منحة لدراسة القانون التجاري من فرنسا نتيجة تفوقه، كان نور يصغر درية بـ (7) أعوام، غير أنّه منذ أن وصل إلى باريس استطاع أن يلطف من أجواء الوحدة والقلق والعزلة التي تعيشها في غربتها ووسط جالية مصرية تعدّ عليها أنفاسها.
كان نور شديد الذكاء والوسامة والمرح تتهافت عليه الفتيات في مصر وفرنسا، اشترك مع درية في محبتها للحرية، واختلفا على معنى هذه الحرية، فكانت درية ترى أنّ الحرية مسؤولية والتزام وكفاح مستمر، بينما رأى نور في الحرية أن يعيش تجربة الحياة بحرّية كاملة.
كانت درية تعاني اغترابًا روحيًّا عميقًا عن الوطن الذي تنتمي إليه، والذي وسعت دراستها وثقافتها الهوة بينها وبينه، وتعاني الاغتراب نفسه مع المصريين المغتربين الدارسين في جامعات فرنسا لسابق تجربتها الأليمة معهم، فكانت ترى أنّ التحضر لم يدخل أعماقهم بل ظل قشرة خارجية سطحية، حتى أنّها كانت شديدة التحفظ في تعاملها معهم، لمعرفتها بشغف بعضهم في صنع سمعة وقصص وروايات عن أقلّ هفوة.
حين جاء نور خرجت درية من عزلتها، وأحست بألفة وجاذبية نحوه، حتى عرض عليها الزواج ذات يوم فوافقت.
رأت درية في هذا الارتباط عودة ثانية للتواصل مع الوطن الذي أصبح بعيدًا روحيًّا عنها، ورأت في هذا الزواج، بدون مهر أو شبكة أو طقوس تجعل من المرأة جارية، فرصتها في أن تكون نفسها، ومن جانبه كان نور أمانًا وسندًا عاطفيًا كبيرًا لها، فقد فتح قلبه وكرمه وثروته دون حساب من أجل طموح هذا المرأة المكافحة. حتى مع ما جرّه هذا الكرم غير المحدود من جراح لا يحتملها رجل شرقي، وهذا ما سنعرفه فيما بعد.
مسيرة عملية مضطربة
بعد إقامتها في القاهرة ورفض العميد تعيينها في الجامعة، رأت أنّ الوقت قد حان لتذهب إلى السيدة شعراوي التي مدت لها يدها وهي تتلمس بدايات الطريق، وتشارك معها في حزبها النسائي وتسهم أخيرًا من خلال ذلك الحزب في تحقيق طموحات البنات والسيدات المصريات، غير أنّها اصطدمت بجدار صُلب من الغيرة والحقد النسائي، إذ أنّ سيزار النبراوي الابنة الروحية لهدى شعراوي ومديرة مجلتها، ومن دعمت درية سابقًا، وكتبت عنها في مجلة (لجبسيان)، ووصفتها بأنّها أمل الجامعة المصرية"، تنكّرت لها. وأوغرت صدر السيدة شعراوي عليها، وألّبت عليها الطبقة الأرستقراطية، التي التفت حول السيدة هدى واللواتي رأين في درية فتاة من طبقة متوسطة تقتحم مجتمعهن لا تشفع لها شهادتها من الجامعة الفرنسية، ومع أنّ درية كانت أرقى تعليمًا من أيّ واحدة منهن، لكنّها في نظرهن ابنة طبقة متوسطة دخيلة. لكنّ درية لم يوقفها الحقد أو الرفض، فقد التحقت بوزارة التربية والتعليم، للعمل كمفتشة رغم ما قد يجره عليها سعيها خلف العمل وكسب المال من الأقاويل في ذلك الوقت، ومع تواضع هذا العمل أمام مواهبها وما تطمح إليه.
كانت حياتها في الثلاثينيات حافلة بالفرح والحزن، فقد رزقت بطفلتيها عزيزة وجيهان، وتوفيت جدتها ووالدها بفاصل زمني قصير.
خطوة على الطريق
كانت البلاد تشهد غليانًا كبيرًا نتيجة ارتفاع الأسعار بعد الحرب، وانفصال القصر تمامًا عن نبض الشعب، وقد خدمت التناقضات درية من حيث لا تعلم، إذ أنّ الأميرة "شويكار" الباحثة عن مكانة؛ لتنافس عدوتها اللدودة هدى شعراوي، طلبت من درية شفيق أن تؤسس جريدة تقدّم خدماتها للنساء، فوجدت درية التي لا تعرف شيئًا عن العمل الصحفي نفسها رئيسة تحرير، وتتحدى رغمًا عنها السيدة شعراوي التي رأت في انضمامها لعدوتها خيانة لها. ومن جهة أخرى كانت علاقة درية بالأميرة شويكار كفيلة أيضًا بعداوة الطبقة الأرستقراطية التي تحيط بكلتا السيدتين، وفوق ذلك عداوة الذين يرون في انضمامها لسيدة من سيدات القصر خيانة للشعب المظلوم، ورأوا في الجريدة الناطقة بالفرنسية التي ستصدرها وزيّها الفرنسي وحداثتها الغربية ولسانها الذي لا يتكلم إلا بالفرنسية، قلة انتماء لهذا البلد، فوجدت نفسها في هذه المتاهة من الصراعات والتحدي، غير أنّها حددت ما تريده بدقة، كانت تريد أن تكون عونًا وصوتًا للمرأة المصرية، فأصدرت إلى جانب مجلة المرأة الجديدة التي تصدر بالفرنسية مجلة أخرى وسمّتها بنت النيل، وأصدرتها بالعربية، وكان نور زوجها بجانبها في كل خطواتها الصعبة بصداقته وفكره وماله وسخائه.
كانت صحيفة المرأة الجديدة تُخاطب الغرب والأجانب ممّن يعيشون في مصر، محاولة تغيير وجهة النظر التي يتخذها أولئك عن المرأة الشرقية عمومًا والمصرية خصوصًا، وكانت صحيفة بنت النيل تخاطب النساء المصريات والعربيات، وقد تنوعت موضوعاتها التي كانت كلها تمسّ المرأة، فبينما تقدم لها نصائح عامة حول صحتها والاعتناء بنفسها والاتجاهات الحديثة في تربية الأبناء، وطرق التغذية السليمة، ووصفات الطعام وطرق تدوير الملابس والإكسسوارات، وتعرض أحدث صيحات الموضة، كانت تستقبل بجوار ذلك مئات الرسائل من القطر المصري لسيدات يرسلن بشكواهن ومشاكلهن النفسية، أو يطلبن مساعدة أو فرصة عمل، وكانت درية لا تتوانى عن الرد بالنصيحة والإرشاد حينًا أو الدعم المالي حينًا آخر، يساعدها في ذلك زوجها نور الذي كان قد فتح مكتب محاماة وحقق في مجاله شهرة لا بأس بها، مهدت لصنع اسم كبير له في عالم المحاماة. أسهم ذلك في رفع مستوى معيشتهن، فأحضرت مربية تساعدها في رعاية بنتيها، وحتى تجد وقتًا لإدارة المجلتين ورعاية الحفلات التي كانت تقيمها في بيتها كأنشطة لازمة لدورها كسيدة مجتمع. وكانت أيضًا قد حاضرت حول قضايا المرأة في بلاد الشام في فترة الهدوء التي كانت تحيا فيها هذه المنطقة قبل النشاط الإجرامي للميليشيات الصهيونية.
اضطرابات سياسية
كان لإعلان قيام الدولة الصهيونية أثر كبير على الحالة الصحية لهدى شعراوي التي أكد أكثر من مصدر أنّ قرار تقسيم فلسطين لم يحتمله قلبها، ففاضت روحها لبارئها بعد أن التقت بدرية مصادفة وتصالحتا، وكان لموتها وموت الأميرة شويكار السبب في انعطافه تاريخية في حياة درية، إذ إنّ الساحة النسائية كانت خالية وجاهزة لدرية لتحمل الراية من بعدهما، حتى مع أحقاد النساء من الطبقة العليا، كان للعناد اللّامحدود والتصميم الذي اختصت به شخصية درية دور رئيس في انتزاع مكانتها في هذه الأجواء، ومحاربة أجواء أخرى أكثر شراسة.
وكانت الأجواء السياسية في البلاد آنذاك تغلي، والغضب من الملك وصل ذروته نتيجة هزيمة الجيش المصري في حرب فلسطين، ومكابرة الملك أمام الهزيمة واستقباله للجيش استقبال المنتصرين، فكانت النخب التي تعرف الحقيقة تغلي، وغضب النساء المصريات من تصرفات الملك غير اللائقة تجاه الملكة فريدة التي يحبونها ويرون فيها رمزًا للمرأة المصرية، والأخبار عن الملك الذي يبدل عشيقاته، كل هذا أضرّ بسمعة القصر، وأغضب الحركات النسائية من الملكية.
وكانت حركة الإخوان المسلمين آنذاك منتشرة في البلاد، وكانت الحركات الشيوعية تتحرك أيضًا من تحت السطح، والجيش كذلك ينمو بداخله تنظيم جديد، قدّر له أن يغير مجرى الأحداث على الساحة المصرية السياسية لعقود قادمة.
وعلى صعيد آخر كانت هناك مناقشات واسعة في الدوائر الثقافية والقضائية في البلاد حول القانون المدني الجديد، الذي صاغه عبد الرازق السنهوري، فاستغلت درية هذا الجدال لتعرض آراءها، أو بالأصح مطالبها، حول حق المرأة في الانتخاب والترشح، وكذلك طالبت بتغيير قانون الأحوال الشخصية وخاصة تعدد الزوجات، وحق الزوجة في الاحتفاظ بالحضانة، وإلغاء بيت الطاعة، واستندت في مطالبتها بإلغاء التعدد حول شرط العدل، وبما أنّ ذلك مستحيل، فعليه فيجب أن يُحظر تعدد الزوجات، وكانت هذه المطالب كافية لأن تجرّ عليها غضب التيارات المتطرفة والمعممين من الأزهريين الذين رأوا في كلامها اعتداء على المقدّس، وغضب المحافظين من أبناء الطبقة الوسطى الذين رأوا في آرائها اعتداء على القيم المصرية، وحقد وغضب الأرستقراطيات اللواتي لم يردن لابنة الطبقة المتوسطة أن تحتل مكان سليلة القصور هدى شعراوي.
إلا أنّ هذا كله لم يفت من عزيمة درية التي راحت تؤسس محيطًا نسائيًا داعمًا، ضمّت إليه سيدات مُتنفذات، ولم تتوقف عن الكتابة على صفحات جريدتها تطالب فيها بحقوق المرأة، وخاصة حقوقها السياسية، إذ كيف يُشرّع الرجل للمرأة، أليس الأولى أن تدخل المرأة البرلمان وتشرّع لنفسها لأنّها الأقدر على فهم ما تريده؟ وخاطبت البرلمان على صفحات جريدتها تقول: "ألا تستحق مسألة مصير نصف سكان البلاد من وقت البرلمان ما يُكرّسه لتعيين شيخ لقرية ما؟ لقد بلغت المرأة أرفع درجات التعليم، ومع ذلك ليس من حقها أن تُدلي بصوتها أسوة بصرماتي أمّي".
الاتحاد النسائي
سافرت درية إلى زيورخ وعدة بلدان أوروبية لتقابل نساء يختلفن في اللون والدين والشكل، ولكن يجمعهن حُلم واحد هو الاعتراف بالمرأة كشريكة. وعادت من هذه الجولة لتقيم مدرسة مسائية في "بولاق الدكرور"، بالمشاركة مع وزارة التربية والتعليم لتمحو أمّية (500) امرأة، ونجح بالفعل 80% من الحاضرات، كما أعدت برامج لتمكينهن من حرف يدوية تساعدهن على تحسين دخولهن، وخصصت لهن برنامجًا للتثقيف الصحي ورعاية الأبناء.
مرّت (3) أعوام على إنشاء حركتها، "بنت النيل"، التي تطالب فيها بالحقوق السياسية للمرأة المصرية، فبدأت درية تهاجم النحاس باشا على صفحات جريدتها، إذ كان واضحًا أنّه يماطل فيما وعد به النساء، وكتبت تحت عنوان: "الحر يفي بوعده"، ولمّا تيقنت أنّ الكلام والكتابة لن تفيد، أخذت خط التصعيد، والتصرف الذي كتبت عنه الجرائد الأجنبية، إذ خططت هي و(1500) امرأة على اقتحام البرلمان، قلعة الرجل، والمطالبة بحقوقهن، وأقسمن على حفظ هذا السر حتى يوم التنفيذ حتى عن أزواجهن، وبالفعل كتمن هذا السر شهرًا، وفي عصر 19 شباط (فبراير) من عام 1951 تحركت مسيرتهن التي فاجأت الجميع، خاصة أنّ المظاهرة ضمت الاتحاد النسائي الذي أسسته هدى شعراوي، تقوده سيزا النبراوي، وتقود حركة بنت النيل درية، السيدتان نبذتا الخلافات، واتحدتا في وجه السلطة الذكورية وصممتا والثائرات أن يأخذن حقوقهن من قلب المجتمع الأبوي.
هدّأ رئيس الوزراء النساء الغاضبات، ووعدهن بالاستجابة لمطالبهن، قبل أن يرفض الملك هذه التصرفات النسوية الطائشة ويوصل رسالة إلى درية مع نور، وهي: "أخبر زوجتك أنّ النساء لن يحصلن على حقوق سياسية طالما بقيت ملكًا"، ووجدت درية نفسها أمام المحكمة متهمة بإثارة الشغب.
كانت الخلافات قد زادت بين الوفد وبريطانيا، فألغيت معاهدة 1936، واندلعت أعمال المقاومة ضد القوات البريطانية، وبلغت ذروتها في حادثة قسم الإسماعيلية عقب رفض الضباط التسليم، فما كان من اتحاد بنت النيل غير أن هرع ليدرب (2000) فتاة على الإسعافات الأولية كممرضات في الميدان، ويفتتح تبرعات عاجلة من أجل العمال الذين فقدوا وظائفهم في القناة، كما نظمت الحركة مظاهرة ضخمة منددة بالاحتلال ومطالبة بحرّية مصر.
صراع مع السلطة الذكورية
وبينما الأحداث تتصاعد بدا أنّ الحكومة المصرية لن تأخذ أيّ إجراء جدّي حيال حق المرأة في الانتخاب والترشيح للبرلمان، لذلك اقترحت درية على سيدات الحركة أن يتصرفن كما لو أنّهن غير ممنوعات، ويتقدمن بأوراق ترشيحهن ومبلغ (150) جنيه المطلوب لإتمام الترشيح، وتقدمت هي أيضًا، غير أنّ رئيس الحي أرسل أوراق ترشحها إلى وزير الداخلية الذي احتفظ بها لما بعد موعد التسجيل، وأعادها إليها بإفادة تعلمها برفض قبولها؛ لأنّ الترشح أمر يقتصر على الرجال فقط، فقامت درية برفع دعوى أمام مجلس الدولة تطالب بتعديل قانون الانتخاب.
لم يقتصر الرفض لمطالب درية على الحكومة فقط، فالسلطة الدينية متمثلة في عميد المعهد الأزهري بدمياط وزملائه أصدروا فتوى بأنّ "التصويت مهين لطبيعة المرأة ويتعارض مع طبيعتها"، فطلبت درية من طه حسين وزير التعليم الردّ على رئيس الوزراء المتعنت، ونشرت على صفحات جريدتها فتوى لعبد الحميد بدايوني رئيس جمعية العلماء بباكستان، الذي يُعتبر حجة في ذلك الوقت، نشرت له فتواه التي يقر فيها بأحقية المرأة في المشاركة السياسية، وأنّ لها كافة حقوق الرجل، فما كان من مفتي مصر إلّا أن أصدر فتوى يدين فيها القلاقل التي تسببها النساء في مصر، ويزجر درية شخصيًا، وتصاعدت نبرة السلطة الدينية الرسمية والمتطرفة في عدائها لدرية، حتى مالت الحكومة أخيرًا لضغوط المعارضة الدينية القوية، وعارضت وزارة أحمد باشا نجيب الهلالي إدراج الحقوق النسائية للمرأة ضمن الإصلاحات التي أقرتها على القانون الانتخابي.
جولة من النضال مع الضباط الأحرار
في عام 1952 كانت القاهرة مع حدث سيغير وجه البلاد لعقود قادمة، فكانت حركة تمّوز (يوليو) وحكم مجلس قيادة الثورة برئاسة اللواء محمد نجيب، الذي أصبح أول رئيس للجمهورية.
أغرى هذا الحراك أحلام درية وطموحها، فالبلد التي تحارب من أجل استقلالها لن تتأخر عن فك القيود حول نصف سكانها من النساء، فتوجهت رأسًا إلى نجيب محفوظ بعد تحرك الجيش بيومين، تقول في مذكراتها: إنّ نجيب استقبلها بلطف ووعدها بالنظر في مطالبها، لكنّه طالبها بالتريث حتى تستقر البلاد، فما كان من درية غير أن تستبشر بهذا الوعد وتنتظر.
وبمجرد أن أعلن عن القانون الجديد للأحزاب السياسية، تقدمت باتحاد بنت النيل كحزب سياسي لتسجيله قانونيًا، واجتمع الحزب النسائي بصفته السياسية، لأول مرة في 11 كانون الأول (ديسمبر) عام 1952.
وفجأة ألغى مجلس قيادة الثورة جميع الأحزاب السياسية وصادر أموالها، وألغى دستور 1923، وأنشأ لجنة تأسيسية لوضع دستور جديد يحدد شكل الحكم في مصر، ولم تكن ضمن هذه اللجنة امرأة واحدة، ورسميًا انفرد الضباط بالحكم.
ونتيجة هذا أخذت درية قرارًا صعبًا كعادتها، حيث كانت درية في تصرفاتها الجريئة مدفوعة بقوة داخلية لا تستطيع أن تكبحها، فقد كان لتصرفها هذا وما تلاه آثار بالغة الشدة والخطورة على حياتها الشخصية والاجتماعية، قررت درية نتيجة عدم مشاركة المرأة في لجنة وضع الدستور أن تدخل اعتصامًا مفتوحًا في نقابة الصحفيين، ولم تخبر أحدًا بهذا، حتى نور زوجها، الذي تألم بشدة لما جرّه تصرفها من تجريح لشخصه على صفحات الجرائد مسّ رجولته في الصميم، حتى وإن كان رجلًا متفهمًا تلقى تعليمه في الغرب، كان نور بالنهاية رجلًا شرقيًا أتعبته طبيعة درية المجبولة على الحرية والثورة، وأتعبته أيضًا طبيعته الكريمة المتفهمة.
بعد أن غادر نور المنزل، توجهت درية إلى مقر "بنت النيل"، ومنه إلى مقر نقابة الصحفيين، بعد أن أعطت سكرتيرها تعليمات واضحة يرسلها إلى كل أعضاء اللجنة التأسيسية للدستور، والمسؤولين في الحكومة العسكرية وشيخ الأزهر، وأعضاء نقابة الصحفيين وغيرهم، وقد أمضت درية في هذا الإضراب (8) أيام قبل أن تسقط هي والنساء اللواتي معها من الإعياء، حتى اضطر الأطباء إلى إطعامهن قسرًا عن طريق الأنابيب.
كان للحدث زخم عالمي يفوق الوصف، فالمرأة الشرقية تنتفض حتى الموت من أجل حقوقها، وأفردت الصحف العالمية مكانًا بارزًا للحدث، كما تناولته صحف محلية بالتجريح في درية وزميلاتها من المشاركات في الإضراب إلى حدّ اتهامهن اتهامات مشينة، يأكلن سرًا، ويجلسن داخل مقر النقابة بملابسهن الداخلية. ودعا المتطرفون نور إلى ضرب زوجته وأخذها إلى البيت، وكلّ ذلك من الاتهامات والتحريض الذي يقتل المرأة الشرقية في صميمها، وزاد عليه وصف طه حسين للمضربات "بالعابثات". لكنّ درية لم تلتفت وواصلت، غير أنّ نور ومع مساندته المستمرة لها، ودعوته بأن تنهي إضرابها حرصًا عليها وعلى بنتيهما، كان يدرك أنّ زواجهما قد انتهى فعليًا، وإن كان قائمًا صوريًا.
وانتهى الاضطراب بأن أرسل محمد نجيب إلى محافظ القاهرة بوعد أن يكون للمرأة مكان في اللجنة التأسيسية للدستور.
غير أنّ هذا الوعد اصطدم هذه المرة بتحديد إقامة محمد نجيب نفسه، وانقلاب مجلس قيادة الثورة عليه، ووصول جمال عبد الناصر إلى الحكم، هذه الكاريزما والتكوين الذي ما كان يمكن إلا أن تصطدم معه درية صدامًا سيكون حديث البلاد والعالم، ولا يعرف به المعاصرون حتى يأخذهم العجب ممّا كانت عليه هذه المرأة التي كانت بارودًا يتحرك.
البحث عن ملاذ
حاولت درية أن تبحث لها عن متنفس خارج مصر، فسافرت شرقًا وغربًا، وحاضرت في إيطاليا وفرنسا وأمريكا وباكستان والهند وغيرها من البلدان، وكانت أينما ذهبت خلفت خلفها عاصفة من الإعجاب حول تلك المرأة القادمة من الشرق بكل هذا العنفوان والأصالة، معتزة بإسلامها وعروبتها وغير متنازلة عن حق بنات جنسها في حياة كاملة، فكتبت عنها الصحف العالمية بإعجاب متزايد، ووصفت بأنّها ملكة فرعونية مصرية، ولم يفت الصحافة أن تتعرض لما يحدث في مصر أمامها، إذ كانت الاعتقالات الناصرية على أشدها، وكان مناخ الحريات في البلاد مُختنقًا، غير أنّ درية التزمت الصمت في هذا الأمر تحديدًا، وهذا ما حفظه لها النظام، الذي اعتبر صمتها تحديًا صامتًا له، فتناولتها الجرائد التي تعمل بالأمر المباشر بالطعن والتجريح، إلا أنّ درية كانت أكثر نضجًا عن ذي قبل، وقررت ألّا ترد.
كانت جولاتها الأوروبية والشرقية ناجحة، إلا أنّ زيارتها للهند ومقابلتها للزعيم نهرو في لقاء امتد ساعتين كان من أهم محطات رحلاتها، إذ أنّ هذه المقابلة ستؤثر في حياتها، وخاصة أنّ الزعيم الكبير أعجب للغاية بهذه المرأة وتفكيرها الواضح حول ما تريده.
كان عبد الناصر خارجًا من العدوان الثلاثي بطلًا قوميًا، والمناخ الشعبوي يتحمس له غاية الحماس، فلا صوت يعلو فوق ما يريده النظام. في عام 1956 صدر الدستور الجديد الذي يُعطي الرئيس صلاحيات واسعة، ويحوّل مصر من نظام برلماني إلى رئاسي، ولا ينص الدستور على تشكيل أحزاب، إذ كانت من وجهة نظر النظام مدعاة للفرقة، ونص على إعطاء المرأة الحقوق السياسية كاملة، دون أن يُلزمها بحقها في الانتخاب كما يفعل مع الرجل، ويشترط على المرأة التي تصوت أو تنتخب أن تكون على معرفة بالقراءة والكتابة، وهو مالم يفرضه على الرجل، في بلد معظم أبنائه من الأميين، فاعتبرت درية هذا الدستور كارثة، وتمييزًا مستمرًا ضدّ النساء.
جموح حر
في تصرف يشبه تمامًا جموح درية ورغبتها اللّامحدودة في الانعتاق والالتحام بالكامل والمطلق الذي ظل يراودها كان قرارها الأخطر، ففي شباط (فبراير) من عام 1957 قررت درية التوجه للسفارة الهندية والاعتصام داخلها أو أن يتحقق مطلبها. وكانت قد دونت خطابين أحدهما بالعربية ووجهته لجمال عبد الناصر، والآخر بالفرنسية ووجهته للأمين العام للأمم المتحدة، وجاء فيهما:
"نظرًا للظروف العصيبة التي تمرّ بها مصر، قررت بحزم أن أضرب عن الطعام حتى الموت بغية نيل حريتي الخارجية والداخلية. وأنا كمصرية وعربية أطالب السلطات الدولية بإجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب فورًا من الأراضي المصرية، والتوصل إلى حل دائم لمشكلة اللاجئين العرب. ثانيًا، أطالب السلطات المصرية بإعادة الحرية كاملة للمصريين، وبوضع حدّ للحكم الديكتاتوري الذي يدفع بلادنا إلى الإفلاس والفوضى. وأنا وحدي أتحمل مسؤولية التخلي عن حياتي من أجل حرية بلادي، تاركة ورائي زوجي الدكتور نور الدين رجائي وابنتيَّ، فإذا مسّهما شيء، فإنّني أحمّل الرأي العام العالمي والمصري مسؤولية ما قد يترتب على ذلك".
عندما علم عبد الناصر باعتصام درية كان في أوج غضبه، خاصة أنّه كان في خضم اتفاقيات ومشاورات مع نهرو، وسفارة أيّ دولة هي دولة داخل الدولة، فلا يمكن للشرطة أو أيّ كان الدخول إليها واعتقال درية، وقد اختارت درية سفارة الهند بالذات؛ لأنّها من دول عدم الانحياز، وحتى لا تتهم باحتمائها في الغرب المعادي لبلادها، فضلًا عن أنّ زيارتها لنهرو، وزيارة آنديرا ابنة نهرو فيما بعد لدرية في القاهرة، جعلت هناك مودة وتفهمًا كبيرًا بين الأسرتين.
استقبلت الصحافة العالمية الخبر باهتمام كبير، وتحدثت عن المواطنة التي خرجت لتقول لعبد الناصر "لا" في عز شعبيته وقوته، حتى وصفتها إذاعة (مونت كارلو) بأنّها "الرجل الوحيد في مصر". وقالت عنها صحيفة ألمانية: "امرأة من وادي النيل ترفع راية المقاومة". وكان مكتب الرئاسة يُخطط للاتصال بدرية، ويطلب منها مغادرة السفارة، وحين خروجها من الباب تأخذها سيارة إلى مستشفى الأمراض العصبية، وكانت تسوية الأمر أمام الرأي المحلي والعالمي ستتم بالقول إنّ المرأة غير متزنة وتعاني انهيارًا عصبيًا، وكانت هذه الخطة من شأنها أن تُحدث خروجًا معقولًا للأزمة التي صنعتها الزعيمة المُعطرة.
لكنّ نور زوجها على كل ما ناله من تجريح، لم يرضَ لدرية هذا المصير، فقد اتفق معها ومع المسؤولين على تسوية أخرى، تخرج فيها درية من السفارة وتكمل إضرابها في مستشفى عادي تحت إشراف طبيب العائلة، وكان نهرو قد أمّن لها سيارة من سيارات السفارة تنقلها حتى باب المستشفى، وفي اليوم السادس لإضرابها نشرت صحيفة (الفيجارو) الفرنسية تقول: "والآن بعد انتقادها عبد الناصر، هل ستلحق السيدة درية شفيق بالمعارضين الذين تفيض بهم سجون بلادها؟ هل سيعاملها "البكباشي" بكياسة لم يُعرف بها عادة"؟
وقد وعد عبد الناصر بخروجها الآمن على أن تُحدد إقامتها في منزلها، وغير مسموح بخروجها منه مطلقًا، وعينت عليها حراسة دائمة.
المؤكد أنّ درية لم تكن وحدها على الأقلّ شعوريًا الرافضة لسياسات الدولة والضائقة من اعتداءات إسرائيل، فهناك فئة نخبوية صادقة استحسنت سرًّا ما فعلته درية. وفي اتجاه آخر وقفت سيدات يمثلن أحزابًا وحركات نسائية يُنددن بتصرف درية، ورأين فيه بحثًا عن مجد وظهور شخصي، في وقت تحاول الأمّة استعادة عافيتها لمواجهة القوى الاستعمارية، وكانت في صدارة أولئك السيدات سيزا النبراوي وإنجي أفلاطون. القاسي أنّ اتحاد "بنت النيل" الذي أسسته درية، قام بطردها وشطب اسمها منه، وأُغلقت مجلاتها ودخلت درية مرحلة العتمة، وفرض عليها التزام بيتها وعدم مغادرته.
العودة إلى الحرملك
أُجبرت درية على العودة إلى الحرملك الذي سعت لإخراج النساء العربيات والمصريات طوال عمرها منه، وظلت أسيرة ذلك الظلام آخر سنوات عمرها. ومن هي تلك الأسيرة؟ إنّها درية المناضلة النسوية الكبيرة التي حررت الكثير من السيدات من ظلمات الأمّية والجهل والخضوع، فبعد هذا الاعتقال المُهين بسنوات، تمكنت المرأة المصرية من دخول المجالس النيابية والمحلية، بل عينت امرأة في وزارة الخارجية، وخطت المرأة خطوات واسعة بفضل تلك السيدة التي رهنت روحها وجهدها من أجل هذا اليوم، لكن حين جاء اليوم المشهود كان اسم درية قد مُنع من الكتابة في الجرائد أو مجرد الإشارة الصغيرة إليها وإلى دورها، وفرضت عليها عزلة اجتماعية فتخلت عنها المجتمعات التي حاربت من أجلها، وكان أيّ اتصال بها مُراقبًا، حتى عمل زوجها نور تضرر بشدة، وضيقت عليه الحكومة السفر والحركة، ووضعته تحت الرقابة، واعتقلته أيضًا، لكنّها عادت وأفرجت عنه، وكان طبيعيًا أن تضرر علاقة نور ودرية بشدة، فكان الانفصال بينها عام 1959.
تزوج نور بعد ذلك بشهور، وكان سعيدًا، بينما زاد اكتئاب درية وصمتها، حتى بعد أن رُفعت عنها الحراسة بعد (3) سنوات وسمح لها بالخروج، كان بداخلها شيء عميق قد انكسر، فظلت على علاقة محدودة للغاية بعدد من الأصدقاء. بينما التزم نور الشهم دائمًا معها بكل ما تحتاجه، فقد تكفل بجميع مصاريفها، إلا أنّ كرامتها أبت، وتحولت في أواخر أيامها إلى حالة من الزهد تقترب جدًا من التصوف، ومن الالتحام بالمطلق الذي ظلت تحلم به، والتزمت بالأكل النباتي وتوقفت عن أكل اللحوم، وكانت تخرج بين حين وآخر للتمشية على النيل ذلك المحبوب الأبدي.
نهاية مأساوية
كان مصطفى أمين يسكن في شقة تقابل شقتها، فكتب وصفًا يسجل بدقة ما كانت عليه درية في أواخر أيامها: "كانت لا تتجمل أبدًا، بلا مساحيق، وترتدي ثوبًا بسيطًا، بينما كانت في الماضي جميلة جدًا وملكة الأناقة. كان وجهها شاحبًا وعيونها تبكي بلا دموع وشفتاها ترتعشان دون أن تنطق بكلمة، قلبها يدمي بلا دماء وروحها تصرخ بلا صوت، كانت امرأة أقرب إلى الأشباح...، وكنت أرى مأساتها في عينيها الحزينتين".
تسربت العتمة إلى أعماق المناضلة، خاصة بعد سفر ابنتها وحفيدتها إلى أمريكا، وشعورها بالوحدة، وحتى بعد عودتهما ظلت غارقة في داخل مُعتم، لم تستطع صاحبة النفس الكبيرة أن تقول صراحة إنّها تشعر بأنّ كل ما بنته تهدّم، وكل ما عاشت لأجله خذلها، وشعرت ابنتها بأنّها في حاجة لمساعدة طبية عاجلة، غير أنّ المهدئات التي وصفها لها الطبيب أسلمتها للاكتئاب أكثر.
وفي ظهيرة أحد الأيام تفاجأ سكان أحد أحياء منطقة الزمالك، بسقوط سيدة من شقتها في الدور السادس، كانت هذه النهاية لدرية شفيق، وفي اليوم التالي مباشرة، وكأنّ الصحافة استيقظت وتذكرت بأنّ هناك امرأة خسرت روحها وحريتها ومكانتها وجريدتها وزوجها من أجل حقوق النساء، ودخلت عدة مرات في إضراب مفتوح حتى الموت لم تشفَ من آثاره أبدًا، من أجل حرية هذه البلاد وسيداتها وبناتها...، فقط الآن تذكّر الناس المرأة التي نزلت إلى الأحياء الشعبية لتعلم السيدات الأميات.
ماتت المرأة التي رهنت حياتها من أجل إنارة عتمة النساء، في الظلال السوداء للاكتئاب، انتحرت المرأة التي كانت متفجرة بحبّ الحياة والحرية، بأن ألقت بالجسم الهزيل والمتعب، بعد أن استكانت الروح التي أعطت حتى النهاية ولم تجد غير الخذلان والتنكر، شعرت بعض النسوة اللاتي هاجمنها بالذنب، اللاتي قلن عنها زعيمة "المارون جلاسيه"، و"الزعيمة المُعطرة"، والمرأة المتأمركة والغربية التي لا تجيد العربية، ولا تحترم بلادها، امتلأت الصفحات بكتابات النساء والرجال يعطون لدرية شفيق أخيرًا حقها وموقعها في تاريخ التحرر النسوي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/690a210f4236040ae8401d45.jpg.webp?itok=Qi1vrHID)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_6_3_1.jpg.webp?itok=Kw4Dd8xA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_13_0_0.jpg.webp?itok=Z77FcuxM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_0.jpg.webp?itok=v2TFnTqk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_3_3.jpg.webp?itok=ljJYbzw3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%82%D9%84%D8%A7%D8%A8_1.jpg.webp?itok=g550to_n)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/20211025075728reup-2021-10-25t075412z_1321030761_rc2vgq9nn0v4_rtrmadp_3_sudan-politics-scaled-730x438.jpeg.webp?itok=Q1KKeuBe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/untitled-design-%288%29-xvB2M1.png.webp?itok=NCHUSu9t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1.jpeg.webp?itok=NWckZXvy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_1.jpg.webp?itok=0khZilrZ)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f5293688-9864-4ce0-b5fd-1b2017e77ac2_0.png.webp?itok=DHNzQ9OE)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86_22_12_0.jpg.webp?itok=1Hy2d7Fm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)